• - الموافق2026/01/13م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
أوروبا بعد أفول

تشير القراءة المتأنية لما نشره موقع «بوليتيكو» وتحليل الخبير في مجموعة «أوراسيا» مجتبى رحمن إلى أن أوروبا تدخل عام ٢٠٢٦ في مرحلة انتقالية دقيقة

البيان/نوفوستي: تشير القراءة المتأنية لما نشره موقع «بوليتيكو» وتحليل الخبير في مجموعة «أوراسيا» مجتبى رحمن إلى أن أوروبا تدخل عام ٢٠٢٦ في مرحلة انتقالية دقيقة، تتسم بانكشاف استراتيجي غير مسبوق منذ نهاية الحرب الباردة. فالإطار الذي حكم الأمن والاستقرار الأوروبي لعقود، والمتمثل في "السلام على الطريقة الأمريكية" لم يعد يشكل مظلة موثوقة أو مستدامة، ما يضع القارة أمام واقع جديد تتقاطع فيه التهديدات الجيوسياسية مع أزمات داخلية بنيوية.

يُظهر التقدير أن الخطر الأبرز لم يعد نابعاً فقط من الشرق أو من النزاعات التقليدية، بل من طبيعة العلاقة المتغيرة مع الولايات المتحدة نفسها. فواشنطن، التي لعبت دور الضامن الأمني والسياسي لأوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، باتت أكثر ميلاً إلى الانكفاء، وربط التزاماتها الخارجية بحسابات داخلية وانتخابية، الأمر الذي يحوّل الشراكة الأطلسية من مسلّمة استراتيجية إلى متغير غير مستقر. وفي هذا السياق، تصبح أي أزمة جديدة، سواء في أوكرانيا أو في محيط القطب الشمالي أو حتى في ملفات التجارة والطاقة، اختباراً لقدرة أوروبا على التحرك دون الاعتماد الكلي على الدعم الأميركي.

على الصعيد الداخلي، يدخل الاتحاد الأوروبي عام ٢٠٢٦ مثقلاً بهشاشة سياسية واضحة، خاصة في دوله المحورية الثلاث، بريطانيا وفرنسا وألمانيا. فغياب الحكومات القوية والمستقرة، وتراجع الشعبية، وتنامي الاستقطاب، يحدّ من قدرة هذه الدول على صياغة رؤية أوروبية موحدة، ويُضعف من فاعلية القرار الجماعي في لحظة تتطلب قيادة حاسمة. هذا الضعف البنيوي يزيد من مخاطر الشلل السياسي أو الانزلاق نحو عدم الاستقرار، في وقت تتصاعد فيه الضغوط الاقتصادية والاجتماعية داخل القارة.

في البعد الاستراتيجي الأوسع، يعكس انتهاء «عطلة أوروبا من التاريخ» عودة القارة إلى منطق الصراع والتوازنات الصلبة، بعد عقود من الاعتقاد بأن السلام والاستقرار أصبحا حالة دائمة. ويعني ذلك أن مفاهيم الأمن والدفاع والردع ستعود إلى صدارة الأجندة الأوروبية، ليس بوصفها ملفات تقنية، بل كقضايا وجودية تتعلق بمستقبل الاتحاد نفسه. كما أن قدرة أوروبا على التأثير في تسوية النزاع الأوكراني ستتحول إلى معيار حاسم لقياس وزنها الدولي، ولتحديد ما إذا كانت فاعلاً مستقلاً أم مجرد تابع في نظام عالمي يعاد تشكيله.

خلاصة التقدير أن أوروبا تقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي، إما الشروع في بناء استقلال استراتيجي حقيقي، عسكرياً وسياسياً واقتصادياً، أو الاستمرار في إدارة الأزمات بمنطق ردّ الفعل والاعتماد على مظلة لم تعد مضمونة. وفي ظل التحولات الدولية المتسارعة، تبدو السنوات القليلة المقبلة حاسمة في تقرير ما إذا كانت القارة ستنجح في الانتقال من مرحلة «السلام المُستعار» إلى مرحلة تحمل كلفة القرار السيادي الكامل، أم أنها ستدخل حقبة طويلة من التآكل الاستراتيجي وعدم اليقين.

 

أعلى