البيان/متابعات: يأتي الاتصال الذي أجراه وزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار بنظيره الإيراني عباس عراقجي قبل ساعات من الاجتماع الرباعي في إسلام آباد، في لحظة إقليمية تبدو فيها كل التحركات الدبلوماسية أقرب إلى محاولة لالتقاط الأنفاس أكثر من كونها مسعى لتغيير قواعد اللعبة. فالمشهد، كما تصفه دوائر غربية، يشهد حالة "تآكل تدريجي في البنية الاستراتيجية" عقب سلسلة من الاستهدافات الدقيقة التي تعرضت لها مواقع بنيوية ذات قيمة عالية، سواء تلك المرتبطة بمنشآت عسكرية إيرانية، أو الممرات اللوجستية، أو المنشآت المرتبطة بمنظومات المسيرات والصواريخ. وقد أشار تقرير حديث لوول ستريت جورنال إلى أن بعض الضربات الأخيرة "كشفت هشاشة في شبكات القيادة والسيطرة الإيرانية"، فيما اعتبرت واشنطن أن هذه التطورات "تنعكس على مجمل سلوك إيران الإقليمي".
في هذا السياق، لا يبدو الحراك الباكستاني منفصلًا عن حسابات القوى الكبرى. فمسؤولون أمريكيون تحدّثوا خلال الأسابيع الماضية عن "ضرورة احتواء الموجة التصعيدية"، وفي أكثر من تصريح قال متحدثون في الخارجية الأمريكية إن أي تصعيد جديد "قد يجر المنطقة إلى مرحلة يصعب فيها التنبؤ بالحدود الزمنية أو الجغرافية للصراع". وتشير تحليلات غربية إلى أن واشنطن، رغم رسائلها العلنية المتشددة، تدرك أن الضغط العسكري على إيران يحقق مكاسب تكتيكية لا يمكن تحويلها إلى استراتيجية طويلة المدى من دون انفجار كبير. ولذلك تبدو راضية بالصمت إن لم يكن بالموافقة عن وساطة باكستان التي تمثل واحدة من القنوات القليلة القادرة على التواصل مع طهران من دون إثارة حساسيات إضافية.
الاجتماع الرباعي في إسلام آباد، الذي يضم وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا إلى جانب باكستان، هو محاولة لتشكيل دائرة ضغط ناعمة على إيران، لكنها ليست جزءًا من أي تحالف إسلامي أو جبهة موحدة كما جرى الحديث سابقًا؛ فالدول الأربعة تدرك أن الممرات التي تنشط فيها طهران من سوريا ولبنان إلى البحر الأحمر أصبحت أكثر عرضة للهجمات، وأن استهداف البنية التحتية الحيوية في الأسابيع الماضية شكّل رسالة لا تحتاج إلى شرح. وقد استشهد تحليل في صحيفة "هآرتس" قبل أيام بأن "الهجمات الدقيقة لا تهدف إلى إسقاط إيران، بل إلى تغيير حساباتها". هذه النقطة بالتحديد تفسّر لماذا يتجه الوسطاء إلى التركيز على تثبيت تهدئة مؤقتة، وليس فرض وقف نار شامل.
أما باكستان، فهي تتحرك داخل مساحة دقيقة, علاقات مستقرة مع إيران، وهامش مناورة مقبول لدى واشنطن، وشبكة مصالح أمنية شديدة الحساسية على الحدود المشتركة، إلى جانب مخاوف داخلية من أي انفجار قد يمتد إلى مناطق بلوشستان. ورغم أن تأثيرها على القرار الإيراني محدود، إلا أنها تملك القدرة على نقل رسائل، وتهيئة مناخ، وتخفيف التوترات في لحظات محددة، خصوصًا عندما تتزامن مع ضغوط غربية متصاعدة وتصريحات أمريكية تحذر من اتساع نطاق المواجهة.
ما يمكن قراءته اليوم هو أن هذا التحرك يأتي في ظل إدراك واسع بأن المنطقة دخلت مرحلة "الاستهدافات الذكية"، حيث باتت الضربات تحيد عن المواجهة الشاملة، وتركز على تعطيل خطوط الإمداد والمواقع الحساسة دون جرّ الأطراف إلى حرب مفتوحة. هذا النمط الذي رصدته أجهزة استخبارات غربية بحسب تقارير نُشرت في الإيكونوميست دفع طهران إلى مراجعة بعض حساباتها، ليس انطلاقًا من خوف وجودي، بل نتيجة شعور حقيقي بأن هامش المناورة بدأ يضيق، وأن الرسائل العسكرية التي تصدر من أكثر من طرف لا يمكن تجاهلها.
ضمن هذه البيئة، لا يمكن النظر إلى الاجتماع الرباعي إلا بوصفه محاولة للتقليل من احتمالات الانفجار، وليس لتشكيل تحالف جديد أو فرض معادلات جديدة. فالدول المشاركة تدرك أن فرص التهدئة لا تزال قائمة، لكنها تتطلب مستوى عاليًا من الانضباط السياسي قد لا يكون في متناول جميع الأطراف. ورغم ذلك، فإن مجرد وجود مصر والسعودية وتركيا وباكستان على طاولة واحدة يشير إلى أن الإقليم يتحرك نحو إدارة الأزمة بدلًا من تركها تتطور وفق منطق القوة وحده. وبينما تُظهر إيران مرونة محسوبة نتيجة الضغوط الميدانية، تُظهر الأطراف العربية رغبة في حماية مصالحها دون الانجرار إلى صدام مباشر، ويظهر الغرب رغبة في منع الفوضى دون الدخول في مواجهة طويلة، وتبقى الخطوة الحاسمة في كبح جماح الغطرسة الصهيونية وفرض قدرة عالية على التأثير على جميع أطراف الصراع وليست إيران وحدها.