ومن محاسنه رضي الله عنه تخصيصه بنداً من ميزانية الدولة للعلم والعلماء حتى يتمكنوا من إقامة مشاريعهم العلمية ومن ذلك ما كتبه رضي الله عنه إلى والي حمص أن مُرْ لأهل الصلاح من بيت المال بما يغنيهم لئلا يشغلهم شاغل عن تلاوة القرآن
هو عمر بنُ عبد العزيز بنِ مروان بنِ الحكم بنِ أبي العاص بنِ أمية بنِ عبد شمس بنِ
عبد مناف، الإمامُ الحافظُ العلَّامة التقي النقي الصوَّام القوَّام... كان من أعظم
الناس وألينهم وأعلمهم وأجملهم في مشيته ولبسه، وكان وافر العلم، كامل العقل حَسَن
السمت، أبيض اللون، رقيق الوجه، نحيف الجسم، حسن اللحية، غائر العين، جميلاً خطه
الشيب، ومات ولم يخضب بجبهته. رمحته دابة وهو غلام فشجته، ولذلك سمِّي أشجَّ بني
أميَّة. قيل: إنَّ أباه لـمَّا ضربه الفرس وأدماه، جعل يمسح الدم، ويقول: إن كنتَ
أشجَّ بني مروان إنَّك لسعيد[1]. وكان رحمه الله فصيحاً مُفوَّهاً. قال
عنه الإمام أحمد:
«إذا
رأيت الرجل يحب عمر بن عبد العزيز، ويذكر محاسنه وينشرها، فاعلم أنَّ من وراء ذلك
خيراً كثيراً»[2].
وكان إذا ذكره سفيان يقول:
«كان
إمام هدى»[3].
وكان ابن سيرين إذا سئل عن الطلاء يقول:
«نهى
عنه إمام الهدى»[4].
ولد في المدينة سنة ستين للهجرة، وقيل سنة إحدى وستين، عام توفي معاوية، أو بعده
بسنة، وبويع له في صَفَر سنة تسع وتسعين، وكان حَسَن السيرة عادلاً في الرعية، يعود
المرضى، ويشيِّع الجنائز ويأخذ مال الله من وجهه ويصرفه في حقـه. والـده هو عبد
العزيز بن مروان بن الحكم، وكان من خيار أمراء بني أمية، شجاعاً كريماً بقي أميراً
لمصر أكثر من عشرين سنة، وأمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطَّاب.
خوفه من ربه (رضي الله عنه):
لـمَّا جاءه أمر توليه الخلافة تغيَّر لونه وذهب شعره ونحل جسمه حتى نَكِره من
يعرفه من أصحابه. وما استطاع النهوض حتى أخذوا بضبعه ودنوا به إلى المسجد فلم يقدر
على الصعود حتى أصعدوه وأجلسوه فجلس طويلاً لا يتكلم ثم بايعوه[5].
ودخلت عليه فاطمة امرأته وهو جالس في مصلاه تسيل دموعه على لحيته، فقالت: يا أمير
المؤمنين ألشيء حدث؟ قال: يا فاطمة إني تقلدت من أمر أمة محمد
صلى الله عليه وسلم
أسودها وأحمرها، فتفكرت في الفقير الجائع، والمريض الضائع، والعاري المجهود،
والمظلوم المقهور، والغريب الأسير، والشيخ الكبير، وذي العيال الكثير، والمال
القليل، وأشباههم في أقطار الأرض وأطراف البلاد، فعلمت أن ربي سائلي عنهم يوم
القيامة، فخشيت أن لا تثبت لي حجة، فبكيت[6].
ثم دخل فأمر بالستور فهتكت والثياب التي كانت تبسط للخلفاء فحملت وأمر ببيعها
وإدخال أثمانها في بيت مال المسلمين ثمَّ ذهب يتبوأ مقيلاً، فما هنأت عينه بنوم؛ بل
قام يردُّ المظالم لأهلها، فجاء إليه رجل ذمي من أهل حمص فقال: يا أمير المؤمنين!
أسألك كتاب الله، قال: ما ذاك؟ قال: العباس بن الوليد بن عبد الملك اغتصبني أرضي.
والعباس جالس، فقال له عمر: يا عباس ما تقول؟ قال: نعم! أقطعنيها أمير المؤمنين
الوليد وكتب لي بها سجلّاً، فقال عمر: ما تقول يا ذمي؟ قال: يا أمير المؤمنين!
أسألك كتاب الله تعالى.
فقال عمر: نعم! كتاب الله أحق أن يُتَّبَع من كتاب الوليد، قم فارْدُد عليه ضيعته،
فردَّها عليه.
ثم تتابع الناس في رفع المظالم إليه، فما رُفعَت إليه مظلمة إلا ردَّها، سواء كانت
في يده أو في يد غيره حتى أخذ أموال بني مروان وغيرهم، مما كان في أيديهم بغير حق
وردها على أصحابها[7].
عبادته (رضي الله) عنه لربه تعالى:
ومن محاسنه رضي الله عنه قول أنس بن مالك رضي الله عنه لـمَّا صلى خلفه قال:
«ما
رأيت أحداً أشبه بصلاة النبي
صلى الله عليه وسلم
من هذا الغلام».
وكان رحمه الله إذا صلى العشاء، قعد في مسجده، ثم رفع يديه، فلم يزل يبكي حتى تغلبه
عيناه، ثم ينتبه فلا يزال يدعو ربه رافعاً يديه يبكي؛ حتى تغلبة عيناه، يفعل ذلك
ليله أجمع[8].
حرصه (رضي الله عنه) على مصارف الصدقة:
ومن محاسنه رحمه الله أنَّه أغنى النَّاسَ في عهده، قال عمر بن أسيد: والله ما مات
عمر بن عبد العزيز حتى جعل الرجل يجيء بالمال العظيم فيقول: اجعلوا هذا حيث ترون،
فما يبرح حتى يرجع بماله كله، يتذكر من يضعه فيهم فلا يجده، فيرجع بماله، قد أغنى
عمر الناس[9].
كان رضي الله عنه إذا أراد أن يجود بشيء قال:
«ابتغوا
بها أهل بيت بهم حاجة»[10].
وكان مناديه في كل يوم ينادي: أين الغارمون؟ أين الناكحون؟ أين اليتامى[11]؟
وفي عهده جعل الرجل يأتينا بالمال العظيم فيقول: اجعلوا هذا حيث ترون من الفقراء،
فما يبرح حتى يرجع بماله، يتذكر من يضعه فيهم فلا يجده، فيرجع بماله. قد أغنى عُمَر
بن عبد العزيز الناس.
نُصحُه للحاكم (رحمه الله):
خرج سليمان يوماً إلى بعض الوادي وسمع صوت برق ورعد وصواعق ففزع إلى عمر فقال: يا
عمر! يا عمر! يا عمر! فإذا بعمر ينادي ها أنا ذا. قال: ألا ترى؟ قال يا أمير
المؤمنين! هذا صوت رحمة؛ فكيف لو سمعت صوت عذاب؟ فقال خذ هذه المائة ألف درهم فتصدق
بها. فقال عمر: أوخيرٌ من ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: قوم صحبوك في مظالم لهم لم
يصلوا إليك. قال: فجلس سليمان فردَّ المظالم[12].
ميزانه في تولية وزرائه (رحمه الله):
كان جالساً في بيته، وعنده أشراف بني أمية، فقال: أتحبون أن أولِّي كلَّ رجل منكم
جنداً؟ فقال رجل منهم: لِمَ تعرض علينا ما لا تفعله؟ قال: ترون بساطي هذا، إني
لأعلم أنه يصير إلى بِلىً وفناء، وإني أكره أن تدنسوه بأرجلكم؛ فكيف أوليكم ديني،
أوليكم أعراض المسلمين وأبشارهم؟ هيهات لكم هيهات! فقالوا له: لِمَ؟ أما لنا حق؟
قال: ما أنتم وأقصى رجل من المسلمين عندي في هذا الأمر إلا سواء، إلا رجلاً من
المسلمين حبسه عني طول شقته»[13].
تسليمه ورضاه بقضاء الله تعالى:
كان عمر بن عبد العزيز قد مات ابن له، فكتب عامل له يعزيه بموت ابنه، فقال لكاتبه:
أجبه عني، قال: فأخذ الكاتب يبري القلم، قال: فقال للكاتب: أدق القلم، فإنه أبقى
للقرطاس، وأوجز للحروف، واكتب: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد، فإن هذا الأمر أمر
قد كنا وطَّنَّا أنفسنا عليه، فلما نزل لم ننكره، والسلام[14].
حلمه (رضي الله عنه):
دخل عليه رجل فرفع صوته، فلم يعنِّفه أو يحقره، وإنَّما قال له: مه! حسب المرء ما
أسمع به جليسه من كلامه[15].
وخرج مرة في ليلة مظلمة ومعه الحرس فمر برجل نائم، فعثر به، فرفع رأسه إليه فقال:
«أمجنون
أنت؟»
قال:
«لا».
فهمَّ به الحرس فقال لهم عمر:
«مه!
إنَّما سألني: أمجنون أنت؟ فقلت: لا».
ومن محاسنه رضي الله عنه أنَّه كان إذا أراد أن يعاقب رجلاً حبسه ثلاثة أيام، ثم
عاقبه، كراهية أن يعجل في أول غضبه[16].
تخصيصه (رضي الله عنه) رواتب للعلماء من بيت مال المسلمين:
ومن محاسنه رضي الله عنه تخصيصه بنداً من ميزانية الدولة للعلم والعلماء حتى
يتمكنوا من إقامة مشاريعهم العلمية ومن ذلك ما كتبه رضي الله عنه إلى والي حمص أن
مُرْ لأهل الصلاح من بيت المال بما يغنيهم لئلا يشغلهم شاغل عن تلاوة القرآن، وما
حملوا من الأحاديث[17].
كراهيته للظلم وأهله:
كان رضي الله عنه يكره الظلم وينذر الظالمين ويحذِّر السلطان منهم، وكان يقول في
الحجاج:
«لو
جاءت كل أمة بخبيثها وجئنا بالحجاج لغلبناهم».
وكتب إلى مبشِّر بن أبي الفرات ألَّا يختم على بيادر أهل الذمة؛ لأنَّه بلغه أنَّها
كانت من صنائع الحجاج[18].
وكان يبغض يزيد بن المهلب وأهل بيته ويقول: هم جبابرة، ولا أحبُّ أمثالهم[19].
نهيه عن سبِّ الظالمين (رضي الله عنه):
وكان رحمه الله على كثرة بغضه للحجاج يكره أن يسبَّه أحد، ذكره مرة رياح بن عبد
الله فشتمه ووقع فيه، فقال عمر: مهلاً يا رياح، إنَّه بلغني أنَّ الرجل ليظلم، فلا
يزال المظلوم يشتم الظالم ويتنقصه، حتى يستوفي حقه، ويكون للظالم الفضل عليه[20].
علمه (رضي الله عنه):
كان ميمون بن مهـران ممن يحرص على تحصيل عمر بن عبد العزيز للعلم فلمَّا جالسه قال
أتينا إلى عمر بن عبد العزيز فظننا أنَّه يحتاج إلينا فإذا نحن عنده تلامذة. وكان
حين يذكره يقول: حدثنا عمر بن عبد العزيز معلِّم العلماء[21].
وقال مجاهد: أتيناه نعلِّمه فما برحنا حتى تعلَّمنا منه. وسأل رجل سعيد بن المسيب
عن عدة أم الولد يموت عنها سيدها فقال: سل هذا الغلام، يعني عمر وهو أمير المدينة،
فسأله فقال: حيضة.
إجلال الخوارج له (رضي الله عنه):
وبلغ من عدله وردِّه للمظالم إجلال الخوارج له رحمه الله حتى قالوا: ما ينبغي لنا
أن نقاتل هذا[22]؛
لِـمَا رأوه من عدله وردِّه للمظالم وشفقته على المسلمين رضي الله عنه[23].
هذا العدل الذي لم يرضَ عنه بنو عمومته فحَنَقوا عليه ودبَّروا قتله وقالوا له: إنك
قد أزريت على من كان قبلك من الخلفاء، وعبت عليهم وسرت بغير سيرتهم؛ بغضاً لهم
وشيناً لمن بعدهم من أولادهم، قطعتَ ما أمر الله به أن يوصل؛ إذ عمدت إلى أموال
قريش ومواريثهم، فأدخلتها في بيت المال؛ جوراً وعدواناً، ولن تُتْرَك على هذا[24].
وما زالوا به حتى دسُّوا له غلاماً سقاه السمَّ، فلمَّا عرف رضي الله عنه دعا
الغلام، وقال: ويحك! ما حملك على أن تسقيني السم؟ قال: ألف دينار أُعْطيتُها، وعلى
أن أُعتَق، قال عمر: هاتها، فألقاها في بيت مال المسلمين، وقال: اذهب حيث لا يراك
أحد[25].
فلم يلبث بعد ذلك إلا ثلاثاً حتى مرض ومات مسموماً يوم الجمعة لِستٍّ بقين من رجب
سنة إحدى ومائة وهو ابن تسع وثلاثين سنة وأشهر فحصلت له الشهادة والسعادة، وعُدَّ
عند أهل العلم من الخلفاء الراشدين والعلماء العاملين.
ويستفاد من سيرة عمر بن عبد العزير رضي الله عنه، أنَّ من محاسن خليفة المسلمين أن
يكون عالماً بالديانة، فقيهاً، ورعاً، حليماً، راضياً بقضاء الله، مراقباً لربه،
ملمّاً بعلوم الآلة ونحوها.
ومن واجبات خليفة المسلمين أن يقدِّم كتاب الله فوق كلِّ كتاب، وأن يتبعَ سُنة نبيه
صلى الله عليه وسلم
، وأن يرفع المظالم، وأن يراعي في ولاة الأمور الديانة والكفاءة في المقام الأول،
ولا مكان عنده لذوي القرابة ولا المحسوبية، إلا بحقها.
ومن واجبات دولة العدل إغناءُ الرعية، وصرفُ رواتبَ للعلماء وإقامةُ مشاريع علمية،
يكون لها ميزانية سنوية معلومة لدى الجميع. ولا يترك أصحاب الحاجات يتسولون
النَّاس. وقضاء حاجتهم ليس فضلاً يتفضل به الحكام على المحكومين؛ وإنَّما واجب
يدينون به إلى خالقهم ورازقهم ومعطيهم ومانعهم.
ومناصحةُ الخليفة لا تكون إلا بالقدْر الذي يقرِّبه من الله عز وجل. وهو مسؤول لا
محالة عن أخطاء قواده، ولهم عليه المناصحة، وله عليهم السمع والطاعة فيما يرضي الله
تعالى. وهذه مطالبُ، مَن أخذَ بها أخذ بحظ وافر في تأسيس دولة العدل والمساواة بين
الرعية.
[1] التنبيه والإشراف للمسعودي: 1/276، دار الصاوي - القاهرة.
[2] سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي، ص74، دار الكتب العلمية، بيروت -
لبنان. البداية والنهاية لابن كثير: 9/ 214، دار الفكر، 1407هـ - 1986م.
[3] سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز، ص71.
[4] تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام للذهبي، تحقيق: عمر عبد السلام
التدمري: 7/ 197، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الثانية، 1413هـ - 1993م.
[5] سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز، ص64.
[6] تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام: 7/ 198.
[7] سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز، ص 66 - 67.
[8] سير أعلام النبلاء: 9/ 157، تحقيق: مجموعة محققين بإشراف شعيب الأرناؤوط، مؤسسة
الرسالة.
[9] تاريخ الخلفاء للسيوطي، ص 201 ، تحقيق : محمد محي الدين عبد الحميد، مطبعة
السعادة - مصر، الطبعة الأولى، 1371هـ - 1952م.
[10] سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز، ص 42.
[11] البداية والنهاية: 9/ 200، مكتبة المعارف، بيروت.
[12] سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز، ص53.
[13] تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام: 7/ 198.
[14] تاريخ الطبري: 6/571، دار التراث - بيروت، الطبعة الثانية - 1387هـ.
[15] سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز، ص77.
[16] تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام: 7/198.
[17] تاريخ أبي زرعة الدمشقي، تحقيق: شكر الله نعمة الله القوجاني: 1/ 634، مجمع
اللغة العربية - دمشق.
[18] سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز، ص 108.
[19] تجارب الأمم وتعاقب الهمم: 2/463.
[20] سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز، ص 109.
[21] ذم الكلام وأهله للهروي، تحقيق: عبد الرحمن عبد العزيز الشبل: 5/26 - 805،
مكتبة العلوم والحكم - المدينة المنورة، الطبعة: الأولى، 1418هـ - 1998م، وسيرة
ومناقب عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي، ص35.
[22] المنتظم في تاريخ الأمم والملوك: 7/34، محمد عبد القادر عطا، مصطفى عبد القادر
عطا، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى، 1412هـ - 1992م.
[23] سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز، ص76.
[24] المنتظم في تاريخ الأمم والملوك: 7/34.
[25] تاريخ الإسلام: 7/ 203.