• - الموافق2025/08/31م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
السودان وأقطاب الصراع

إن انتقال الصراع الجهوي ليحط رحاله في شرق السودان، أصبح بمثابة رافعة جديدة من روافع الضغط - كما كان دور الأطراف دائماً من قبل - على الأطراف المتصارعة في مركز الدولة، تماماً كما شكَّل الجنوب ودارفور ورقة ضغط على الحكم القائم وقتها


تُطرَح الآن قضية شرق السودان والصراع بين مجلس الوزراء المدني ومجلس السيادة العسكري، ذات السياقات والقضايا التي عاشها السودان منذ استقلاله. لكنها تحمل ملامح وسيناريوهات نوعية جديدة، وينتظر أن تفضيَ إلى نتائج مختلفة عن كل خرائط الصراع السابقة.

رغم كل الضجيج الجاري في الساحة السودانية من أحاديثَ عن الثورة، ومن صراعات وتمردات وانقلابات ومظاهرات منذ الإطاحة بنظام الرئيس عمر البشير، فإن السودان على ما يبدو ما يزال محشوراً في داخل السياق العام ذاته الذي اتسمت به حالة الصراع السياسي وأعمال التمرد والاضطراب منذ استقلاله، وكأنه يعيد تكرار صراعاته وأزماته!

لقد شهد السودان في تاريخه الحديث حالة مستديمة من ثنائية الصراع بين العسكر والمدنيين وتبادل السيطرة على الحكم بقوة السلاح أو بقوة الحركة الجماهيرية، كما عاش في داخل دوامة الصراع بين المركز والأطراف التي جرت بصورة متنقلة بين أطراف السودان، بدأت بالجنوب ثم تحولت إلى دارفور ثم إلى الشرق الآن.

ومع ذلك، فإن ما يجري منذ الإطاحة بحكم البشير يحمل ملامح مختلفة ويرسم سيناريوهات جديدة على نحو غير مسبوق، حتى توقَّع بعض المراقبين أن يذهب السودان نحو حالة تشظٍّ أعمق وأخطر من كل ما سبق، لوجود الخلافات والتشققات داخل ما يوصف بالمكوِّن المدني الحاكم؛ بحكم تباين رؤاه الفكرية إلى حدِّ التناقض، ولعدم توافقهم على برنامج سياسي واقتصادي يوحد الجماهير حولهم ويوحد صفوفهم.

والأمر نفسه - وإن بدرجة أقلَّ حالياً - يحدث بين جناحي المكوِّن العسكري (قوات الجيش من جهة - وقوات التدخل السريع من جهة أخرى). وهو صراع بين مؤسستين قائمتين لكلٍّ منها مصالحها، كما أنه صراع يجري داخل كلِّ مؤسسة منهما على حدة كما ظهر خلال الآونة الأخيرة من محاولات انقلابية.

هذا، ويُرجِع بعض المحللين مثل هذا التقدير بحدوث التشظي إلى حساسية الصراع في شرق البلاد وعمق تأثيراته لوجود موانئ السودان في الشرق، ولكونها منطقة تماس مع أزمات تهدد السودان، سواء الصراع مع إثيوبيا حول منطقة الفشقة أم الصراع حول سد النهضة، أم حتى الصراعات الحربية الجارية داخل إثيوبيا، وكذا بسبب احتمالات الدخول في أزمة جديدة مع الولايات المتحدة بعد صدور البيان (الأمريكي، البريطاني، الهولندي) حول شرق السودان.

كما يُرجِع بعض المراقبين مثل هذا التقدير إلى سفور الدور الخارجي ووضوحه سواء عبر الأعمال المخططة من تدريب وتسليح، أم عبر الوساطات والزيارات لدعم القوى المدنية، أم عبر البيانات السياسية الضاغطة، وهو ما يعني تحول الخارج إلى لعب دور داخلي مباشر في رسم الأحداث والتأثير على توجهاتها ومخرجاتها.

غير أن سيناريوهات أخرى ترى أن الوضع الراهن هو وضع مؤقت كثيراً ما شهد السودان مثله ثم عاد بعدها للاستقرار، وأن مؤشرات التطورات الجارية على الأرض في شوارع العاصمة تؤكد تحرُّك الحكم من مربع التمزق الحالي في مراكز ومصادر القرار، ومن مربع الصدام بين المدنيين والعسكريين إلى تشكيل نمط جديد من الحكم، يشهد قفزة نوعية على صعيد العلاقات المدنية والعسكرية وعلى صعيد المركز والأطراف.

ثنائيات: المدني والعسكري... والأطراف والمركز:

قبل إعلان استقلال السودان في يناير 1956م، بعدة أشهر وتحديداً في أغسطس 1955م، اندلع تمرُّد الجنوب ليكون بداية ظاهرة التمردات الجهوية والعرقية والثقافية في السودان. وقبل أن يعلن انفصال الجنوب في عام 2011م تصاعدت أعمال التمرد في عدة مناطق أخرى كما هو الحال في جنوب كردفان والنيل الأزرق، في وقت كانت فيه معركة دارفور في أوج اشتعالها وما جلبته من تدخلات إقليمية ودولية، وها هي الحركة في شرق السودان تأخذ مجراها بعد أن هدأت بعضُ جوانب الصراع في دارفور. وهكذا لم يفرغ (مركز الحكم) في الخرطوم من مواجهة حالة تمرُّد؛ حتى لم يبقَ طرف يتمرد على المركز بعدُ سوى الشمال.

وعلى صعيد ثنائية المدنيين والعسكر، فقد جرى تبادل مواقع الحكم بينهما مراتٍ عدة، حتى بدا السودان وكأنه يعيش دورة منتظمة من تبادل الأدوار والمواقع بين الطرفين. كانت البداية مع الحكم المدني بعد الاستقلال بقيادة إسماعيل الأزهري، الذي كان عنواناً للاستقلال ثم تمَّت إقالته سريعاً، ولم يبقَ الحكم المدني سوى عامين حتى قام الفريق إبراهيم عبود بانقلابه العسكري في عام 1958م، وكان انقلابه في الحقيقة حالة من حالات تسليم واستلام السلطة بينه وبين رئيس الوزراء وقتها (عبد الله خليل) الذي رأى أن لا مجال لحكم الأحزاب التي اختلفت وتصارعت بعضها مع بعض وتشققت في داخلها - بما في ذلك داخل حزبه - إلى درجة تهديد الكيان السوداني. ولم تمرَّ سوى 6 سنوات حتى أطاحت ثورة 1964م بانقلاب الفريق عبود، ليأتي المدنيون للحكم، لكنهم لم يستمروا في الحكم سوى 5 سنوات. ومرة أخرى قام الفريق جعفر النميري بالانقلاب الثاني في عمر السودان (المستقل) في عام 1969م ويبقى في الحكم حتى عام 1985م، وتمَّت الإطاحة به في ثورة رجب ليحكم المدنيون للمرة الثالثة، لكن الحكم المدني لم يستمر سوى 4 سنين إذ خرج الفريق عمر البشير بانقلابه في يونيو 1989م، ويواصل القبض على السلطة حتى أطيح به في عام 2019م.

لكن الثورة والانقلاب على البشير لم تجرِ كما حدث في كلِّ الثورات والانقلابات السابقة؛ إذ تمَّت الإطاحة بالبشير بعملية معقدة تناوب فيها المدنيون والعسكر على لعب أدوار مختلفة وخاضوا صراعات متعددة مع بعضهما أدت إلى تدخلات ووساطات خارجية.

جديد السودان: الثورة والانقلاب

وُصِفَ ما جرى في السودان بأنه ثورة؛ باعتبارها أطاحت بحكم الرئيس البشير الذي أتى بانقلاب عام 1989م، غير أن العسكريين (أو الجيش السوداني) لم يفعلوا ما فعل أسلافهم في مواجهة ثورتي 1964 و1985م؛ بل لعبوا دوراً مباشراً في إزاحة نظام البشير بالتزامن مع الحراك الشعبي فحجزوا لهم موقعاً في سلطة ما بعد البشير.

لم تنتصر ثورة السودان الجماهيرية وحدها، ولم يكن الانقلاب الذي قاده وزير الدفاع المقرَّب من البشير أولاً (ثم جرى انقلاب داخل الانقلاب)، انقلاباً كما عرفت السودان من قبل... بل بدا العسكر في ثوب الثورة هم أيضاً.

لقد تناصف العسكر والمدنيون الأدوار في إطاحة البشير وفي الحكم بعد الثورة وَفْقَ اتفاق (لعبت فيه الدول الخارجية على تعدد واختلاف أهدافها دوراً بارزاً) على مرحلة انتقالية مدتها أربع سنوات، يمكن وصفها بمرحلة الصراع لتغليب أي منهما على الآخر، وهذا ما يجري الآن.

وكان الأمر البارز أيضاً، أنها لم تكن ثورة بالمعنى الحادث في تجارب أخرى؛ إذ كان ما يجري هو نمط من قيادة الأقلية المنظمة لجمهور عريضٍ ولم نكن أمام قيادة ذات شعبية وافرة. لقد اتصفت قيادة الحراك بالطابع الأيديولوجي الشعبي لا بالطابع الشعبي العام. وهو ما يغيِّر الأدوار التقليدية في ثنائية العسكر والمدنيين. إذ تنظر تيارات مجتمعية واسعة للحراك الذي جرى على أنه حالة انقلاب أيديولوجي قادته أطراف اليسار العلمانية المتناقضة مع الفكر السائد في المجتمع، وجرى تقديمه تحت عنوان زائف. ووصل الأمر حدَّ وصفها بالانقلاب على البناء الحضاري للسودان. وهو أمر تأسسست عليه خطة العسكريين الذين إن وسَّعوا التمثيل المدني تغيرت طبيعة الحكم وحالة الصراع الجاري.

لقد لفَّ المدنيون أو الحرية والتغيير الحبل حول عنق الثورة الجماهيرية بأمرين:

الأول: طرح شعارات أيديولوجية علمانية وجعل قضية طرد موظفي الجهاز الإداري قضية أهم من التركيز على إحداث تغيير اقتصادي لمصلحة حياة المواطنين.

والثاني: إطالة مدة الفترة الانتقالية أربع سنوات (وقد كانت في كلِّ الثورات السابقة لا تزيد عن عام واحد)، وقد ذهبوا إلى هذا الخيار لأسباب تتعلق بمنحهم الوقت الكافي للتغيير الأيديولوجي للدولة والمجتمع، دون إدراك أنهم بذلك سيتحملون كل الفشل الجاري في أروقة الحكم أمام الشعب، وأنهم سينعزلون بالتدريج وسينقسمون طوال الوقت.

إن انتقال الصراع الجهوي ليحط رحاله في شرق السودان، أصبح بمثابة رافعة جديدة من روافع الضغط - كما كان دور الأطراف دائماً من قبل - على الأطراف المتصارعة في مركز الدولة، تماماً كما شكَّل الجنوب ودارفور ورقة ضغط على الحكم القائم وقتها، وأدوات ضغط تُستخدَم بين الأطراف المتصارعة في المركز. والأهم أن كلَّ تلك التمردات كانت ورقة بيد الدول المتدخِّلة من الخارج لإحداث التغييرات في الداخل.

لم نعد أمام ثورة تطيح بالعسكر أو بالانقلاب السابق كما حدث مع حكم إبراهيم عبود وجعفر النميري؛ بل هي نصف ثورة اتسم بالطابع الأيديولوجي الإقصائي ونصف انقلاب اتصف بالتخطيط بعيد الأمد. وإن صار الصراع الجهوي هذه المرة خارج إطار فكرة الانقسام العرقي والديني والثقافي التي جرت في الجنوب، وخارج فكرة الصراع بين المسلمين من أصل إفريقي والمسلمين من أصل عربي كما حدث في دارفور؛ فما يجري في شرق السودان هو حَراك شعبي جماهيري لا يحمل السلاح الآن - كما حدث في الجنوب ودارفور - ويَنشُد وضع نفسه على خريطة تقسيم أنصبة الحكم. وقد كان عنواناً لفشل الحكومات المتعاقبة في السودان في توزيع عوائد التنمية وتحقيق مفردات عادلة بين المركز والأطراف. وهذا الحراك صار ورقة ضغط على المركز، وورقة ضغط بين الأطراف المتصارعة في داخله.

وتعود كل تلك التغييرات التي أوصلت السودان إلى تلك الحالة إلى نتائج حركة نظام البشير؛ إذ غيرت سنوات حكم البشير طبيعة القوى السياسية وتوازناتها الفاعلة. لقد تغيرت طبيعة القوى السياسية التي اعتادت تداول الحكم، ففي بداية استقلال السودان كانت السطوة والسيطرة على الشارع معقودة لحزب الأمة المعبِّر عن الأنصار، وحزب الاتحادي المعبِّر عن الختمية. وفي حين زاحمت القوى الحديثة في ثورة رجب - وهو تعبير أطلق على النقابات المهنية والقوى الإسلامية والقومية واليسارية - فقد جاء انقلاب البشير ليُحدِث تغييراً حاسماً... وما شاهدناه في تركيبة القوى السياسية التي قادت ثورة الإطاحة به كانت نتاجاً لتلك التغييرات التي أحدثها نظامه، ففي بداية سيطرته باسم الحركة الإسلامية على الحكم، وضع نظامه نصب أعينه إضعاف القوى التقليدية، وأثمرت تلك الجهود حدوث انشقاقات داخل التيارات التقليدية، وصار المنشقون جزءاً من مكونات حكم البشير. ومن بَعدُ تغيرت أوضاع الحركة الإسلامية أيضاً؛ إذ تشرذمت بعد ما وُصِفَ في السودان بـ (انشقاق النواة) فانقسمت الحركة الإسلامية بين حزب المؤتمر الوطني بقيادة البشير من جهة وحزب المؤتمر الشعبي بقيادة الترابي من جهة أخرى.

وهكذا كان نتاج حكم البشير أن تشظت كل القوى وضعفت جراء صراعاتها البينية. وكان طبيعياً أن يقود الحَراك الجماهيري القوى اليسارية الباقية خارج الحكم وإلى جوارها بقايا القوى التقليدية التي لم تنضم لنظام البشير.

كان طبيعياً أن تكون قيادة الحَراك الجماهيري ضعيفة وضيقة التمثيل الجماهيري، ولا شك أنها فوجئت بأنهُر الحركة الجماهيرية المتدفقة في الشوارع.

وضمن إطار حكم البشير وبفعل تنامي التمردات في الأطراف جرى التركيز على بناء القوات المسلحة وتوسيعها؛ وخلال ذلك جرى ميلاد قوات التدخل السريع التي تأسست في عام 2013م بديلاً للقوات الشعبية التي ارتبط تشكيلها بالدكتور حسن الترابي، واستهدف تشكيلُها مساعدة القوات المسلحة التي فُتحَت عليها عدة جبهات. كما جرت عمليةٌ واسعة لتعزيز السيطرة على القوات المسلحة لمواجهة احتمالات الانقلابات العسكرية؛ إذ كان النظام واعياً لما فعل هو من (انقلاب) ولما هو مستقبلي، وقد جرت بالفعل محاولات انقلابية متعددة على البشير.

تلك التغييرات صنعت واقعاً جديداً، وجعلت الصراع يأخذ مناحي جديدة مختلفة، وهي حالة وإن لم تخرج عن سياق الأحداث التي اتسمت بها حركة الصراع في السودان تاريخياً، إلا أنها ستنتج حالة مختلفة عمَّا أنتجته الجولات السابقة من الصراعات.

مشهد الصراعات الجارية:

في البعد المحلي للصراعات في الوقت الراهن، فإن السودان يعيش حالة الأزمة المتفاقمة دون وجود قدرة أو سلطة قادرة على مواجهة الأزمة؛ إذ الثورة أنتجت وضعاً مأزوماً ساهم في تعقيد أزمات السودان لا في حلها!

إن صراعات الأحزاب المدنية بعضها مع بعض، وفشلها في صياغة برنامج قومي ومحاولتها إحداث تغيير في الهوية، بات يدفع بها إلى مأزق الانعزال، وصار يوفر فرصة للقوى الأخرى - خاصة الإسلامية - للظهور على الساحة مجدداً، بل حتى للقوى التي كانت مستفيدة من نظام البشير.

والصراع في شرق السودان يشهد تفاقماً وسيلعب دوره - كما في الجنوب ودافور - في التفاعل مع قضايا الصراع في المركز أو في الخرطوم.

وإذا كان الصراع قد عاد إلى الشارع مجدداً، وبمعنى أدق: أصبح الشارع شارعين أحدهما مساند لأطروحات المجلس العسكري، وهذه المرة يضم قِطاعاً من المنقسمين من الحرية والتغيير، وقطاعاً ما يزال موالياً لها؛ فذلك ما يدفع السودان للبحث عن حل. وهو حلٌّ بات يلوح في الأفق من خلال المظاهرات الجارية والاعتصام المساند لرؤية العسكريين في توسيع رقعة المشاركة في الحكم وتشكيل حكومة كفاءات وهو ما يعني نهاية انفراد قوى الحرية والتغيير (القديمة) واحتكارها التحدث باسم المدنيين، لكـن ذلك لا ينهي الأزمة جذرياً.

1- الشرق بين الانفصال ورافعة التغيير في الخرطوم:

لا يعود أصل مشكلة شرق السودان إلى نظام البشير إذ هي أيضاً مزمنة. فقد تأسس حزب مؤتمر البجا في عام 1958م تحت عنوان مواجهة التهميش، وجرى حمل السلاح في عام 1994م على خلفية انتقال مجموعات من تمرد الجنوب لمساندة أطراف من الحركة السياسية المضادة للبشير في الخرطوم (بمساندة من إريتريا)، وحينها ظل الصراع متواصلاً حتى تم توقيع اتفاق سلام في عام 2006م بالعاصمة الإرتيرية أيضاً.

وما جرى مؤخراً من إغلاق الموانئ والطرق التي تربط شرق البلاد بالخرطوم، لم يجرِ إلا ردّاً على اتفاق جوبا الموقَّع في عام 2020م إذ يطالب المتظاهرون بتوسيع مشاركة الشرق في السلطة والقرار والثروة. وكذلك يبدو أن رسالة الشرق هي رسالة مرتبطة بالصراعات الجارية في داخل الخرطوم من جهة، ورسالة مرتبطة بالصراعات الجارية بين السودان وإثيوبيا وإريتريا حول الفشقة وحول مياه النيل من جهة أخرى؛ إذ يضم شرق السودان ثلاث ولايات هي: البحر الأحمر، وكسلا، والقضارف، وهي إقليم إستراتيجي بحكم مجاورته للحدود مع إرتيريا وإثيوبيا ومصر ويحمل امتداداً بطول 714 كيلومتراً على البحر الأحمر.

واللافت هنا أن الولايات المتحدة وبريطانيا وهولندا كانت على خط الحَراك في شرق السودان منذ حقبة حكم البشير؛ إذ جرت ورشة العمل (بأسمرا) لكوادر جبهة الشرق، وقالت الإدارة الأمريكية وقتها إنها تستهدف تأهيل كوادر الشرق على أساليب التفاوض مع الحكومة.

ولذلك لم يكن مفاجئاً أن تصدر الدول الثلاث نفسها بياناً مشتركاً خلال الأزمة الأخيرة وأن تتدخل وتطرح حلولاً تنفيذية مباشرة في بيانها.

2- المدنيون من الثورة إلى حالة الانقلاب:

كل حكم مدني أفضى تاريخياً إلى حكم عسكري، وكل حكم عسكري سقط بثورات شعبية حتى يمكن القول بأن السودان أكثر الدول العربية تسجيلاً للانقلابات والثورات. ولذلك فحكم المدنيين ليس حلّاً سحريّاً؛ إذ طالما انعكست الصراعات العرقية والقبلية والجهوية والفكرية الحادة على حكم المدنيين إلى درجة تهديد الكيان السوداني. كما أن حكم العسكريين ليس حلّاً سحريّاً؛ إذ انتهت كل الانقلابات إلى الفشل والانهيار أيضاً.

وقد بدا حكم المدنيين بعد البشير في تكرار المشكلات نفسها التي رافقته منذ الاستقلال؛ لقد قادت قوى الحرية والتغيير بمكوناتها الثورة والمواكب ولجان الأحياء، لكن الانقسامات سرعان ما بدأت. لقد جمَّد حزب الأمة نشاطه، كما خرج الحزب الشيوعي خارج قوى الحرية والتغيير. ومؤخراً جرى انقسام كبير أعلنت فيه القوى المنشقة أهدافها وميثاقها بما يثبت حالة الانقسام. وفي حين تحدث الميثاق عن أهدافه باقإمة نظام فيدرالي والتمسك بالحكم المدني وضمان وحدة وأمن السودان وغيرها؛ فقد كان لافتاً أن الميثاق أكد على إكمال مؤسسات الدولة وإزالة التمكين وَفْقاً للقانون، وأن نصَّ الميثاق على انفتاح عضويته للجميع ما عدا حزب المؤتمر الوطني (الحاكم خلال حقبة البشير)وهو ما يفتح الطريق لدخول قوى إسلامية.

تلك الانشقاقات والتحرك الجماهيري الجاري تهيئ الفرص المباشرة للمكون العسكري في السلطة الانتقالية لتعميق دوره على حساب نصيب المكون المدني، ويمنحه الفرص للمناورة بين القوى المدنية، وليظهر أمام الشعب باعتباره الأقدر على إدارة المرحلة الانتقالية، بما في ذلك ترتيب الانتخابات القادمة.

لكنه يفتح الطريق أيضاً لاحتمالات ظهور حالة جديدة من العلاقات بين المدنيين والعسكريين وبين المركز والأطراف؛ بحكم ما جرى من انحياز ممثلين للأطراف لفكرة توسيع سلطة الحكم، وبالنظر لشدة الأزمة والمخاطر عليها، خاصة مع التدخل الخارجي السافر في إدارة الأحداث.

3- صراع عسكري عسكري:

لقد نتج عن حالات التمرد في الأطراف، وحالة تنافر وتفكك القوى المدنية وهشاشة الوضع الاقتصادي، أن أصبحت القوات المسلحة صاحبة دور أعلى في الحفاظ على الحكم وعلى إدارة الصراعات.

وخلال حكم البشير دخل على التشكيلات العسكرية تشكيل كيانين جديدين: أولهما الجيش الشعبي الذي ارتبط تشكيله بالحركة الإسلامية والدكتور حسن الترابي شخصياً، وقد تم تشكيله لتعويض ضعف الجيش ولحشد قوة شعبية في مواجهة الجنوب.

وثانيهما: قوات التدخل السريع التي تشكلت خلال الحرب في دارفور وتحولت من بعدُ إلى كيان قوي موازٍ للجيش السوداني.

وإن انتهى الجيش الشعبي بالانقسامات داخل الحركة الإسلامية وبنهاية مشكلة الجنوب، فقد تطورت قوات التدخل السريع وأصبحت قوة مركزية موازية لقوة الجيش.

ويمكن القول: إن وجود كيانين عسكريين منفصلين، قد ساهم في ميلاد شعور عام باحتمالات التشظي الوطني، وهو ما دفع كثيراً من الدوائر للحديث عن احتمالات وقوع صدام بين قيادتي الجيش وقوات التدخل السريع؛ خاصة بعد بروز دور قائد قوات التدخل السريع في الداخل ولعبه دوراً على صعيد العلاقات الخارجية للسودان. كما كان لصدور تصريحات متباينة بين رئيس مجلس السيادة وقائد قوات التدخل السريع دوره في تعزيز هذا التخوف.

نمط حكم جديد قادم في السودان:

لم يستقر السودان يوماً منذ تأسس وَفْق نمط تركيز القوة في المركز (المتنقل من سواكن إلى الخرطوم) وضعف تمدد السلطة إلى داخل شرايين المجتمع المتناثر في الجغرافيا السودانية، وهو ما غيَّب تأثير الدولة في كافة المجالات وجعل وجهها العسكري هو الطاغي على التعامل في مختلف أرجاء البلاد.

وثنائية العسكر والمدنيين، وأعمالُ التمرد المتنقلة هي انعكاس لحالة الأمة السودانية التي لم تنصهر ولم تتوحد، إذ تكثر في داخلها التباينات لأسباب متعددة وقوية.

وما جرى في السودان منذ الإطاحة بحكم الفريق عمر البشير من صراع نخبوي في العاصمة، لم يُنتِج حكماً مستقراً. وإذا تعددت الأسباب لعدم الاستقرار فإن أخطر العوامل غير المنظورة هو الخلاف الأيديولوجي بين نخب الحرية والتغيير من جهة، وبين نخب التيارات الأخرى من جهة ثانية، وبين مجموعات الحرية والتغيير والجمهور السوداني العام من جهة ثالثة.

وإذا كان السودان يعيش الآن أزمة تعدُّد وتضارب مراكز ومصادر صناعة القرار، بما يضعف قدرته على حل أزماته شديدة التعقيد والتفجر، سواء الأزمات الجهوية (كما هو حال الشرق والفصائل المسلحة في دارفور)، أم الأزمة الاقتصادية المتفاقمة، أم أزمة العلاقات المتفجرة مع إثيوبيا، ويخوض في التعامل مع كل تلك الأزمات وهو يعاني من وأزمة ثقة تتصاعد بين أوساط الجمهور السوداني، فكل تلك المشكلات لا شك ستدفع إلى حدوث تغييرات على صعيد مكونات السلطة.

السودان أمام عدة سيناريوهات:

الأول: أن يحدث تعديل في القوى المدنية لتوسيع مساحة التمثيل السياسي في الحكم ويضعف سيطرة الجناح الأيديولوجي الإقصائي ويخفف من الاحتقان في الأطراف، وأن تتحقق تسوية تضعف التناقضات بين الموكنين العسكريين... وهو ما يعني تشكيل نمط جديد مختلف للحكم في السودان عن كل ما سبق.

الثاني: أن يتواصل تناحر القوى المدنية، بما يعزز سيطرة القوات المسلحة بشكل مباشر على السلطة باعتبارها عنصر الأمان والاستقرار للدولة والمجتمع. وهو ما يعيد تكرار المشاهد التي عاشها السودان من قبل.

الثالث: أن يدخل السودان في حالات أعمق وأخطر من التشظي والعنف بما يؤدي إلى تدخـلات خارجية حادة، وأن تحدث انحيازات مختلفة ومتضادة بين المؤسستين العسكريتين.

أعلى