أدب الساقيتين

لقد كانت امرأتا مدين على قدر كبير من إدراك هذا الأمر، وعلى قدر كبير من الإنصات إلى نداءات الفطرة السوية، لذلك اقترحتا على أبيهما أنْ يستأجر موسى للقيام بالأعمال التي هي من شأن الرجال بدلاً عنهن.


الشريعة طافحة بتوجيه النساء بلزوم بيوتهن، والانكفاف عن الخروج منها إلا لضرورة. هذا ما نصَّ عليه القرطبي رحمه الله تعالى[1]. والمجتمع الذي يتحلى أهله بمكارم الأخلاق وتتجذَّر في معادنهم المروءات لا تحتاج فيه المرأة إلى الخروج من بيتها طلباً للرزق والسعي وراء لقمة العيش في معية الرجال، لأنَّ هذا واجب الرجال لا النساء، وكما أنَّ على النساء واجبات لا يطيقها غيرهن فكذلك الرجال؛ يجب عليهم بعض الأمور التي لا تستطيعها النساء أو لا تناسب خلقتهن وفطرتهن.

والمجتمع المسلم يسعى في إعفاف المرأة وتفريغها لواجباتها الحقيقية التي يغلب عليها شؤون البيت والتربية، سواء كانت زوجة أو أمّاً أو بنتاً أو أختاً أو قريبة أو بعيدة، فإن اضطرت للخروج من بيتها بحثاً عن لقمة العيش والسعي في طلب الرزق وجدت من الرجال مسارعة إلى خدمتها وتيسير السبل لها لكي ترجع سريعاً إلى بيتها.

قال العلَّامة بكر أبو زيد: «الأصل لزوم النساء البيوت، لقول الله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ } [الأحزاب: ٣٣]. فهو عزيمة شرعية في حقهن، وخروجهن من البيوت رخصة لا تكون إلا لضرورة أو حاجة، ولهذا جاء بعدها: {وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْـجَاهِلِيَّةِ الأُولَى} [الأحزاب: ٣٣] أي: لا تكثرن الخروج متجملات أو متطيبات كعادة أهل الجاهلية. والأمر بالقرار في البيوت حجاب لهن بالجُدر والخُدُور عن البروز أمام الأجانب وعن الاختلاط، فإذا برزن أمام الأجانب، وجب عليهن الحجاب باشتمال اللباس الساتر لجميع البدن والزينة المكتسبة»[2].

والقرآن الكريم بأسلوبه البديع يروي لنا طَرَفاً من أخبار موسى فيها عِبرة لمن أراد الاعتبار في هذا الشأن، فيقول تعالى: {وَلَـمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ 22 وَلَـمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ 23 فَسَقَى لَهُمَا} [القصص: 22 - 24].

حين خرج موسى عليه السلام من مصر خائفاً وتوجه تلقاء مدين وجد في أول وصوله إليها حالة من نقص المروءة في بعض الرجال، وذلك أنه وجد جماعة من الرجال يسقون من ماء مدين، وهو بئر قريب قَعْره يغطَّى بصخرة كبيرة عند الفراغ من السقي، ووجد الرجال يتزاحمون عليه مشمرين عن سواعدهم، وكل واحد يريد أنْ يأخذ نصيبه من الماء ليسقي حوضه وماشيته، ولَـمَح دون ذلك امرأتين تنتظران بعيداً عن الرجال، ومعهما ماشيتُهما، فلمس ضعفهما عن مزاحمة الرجال ومشقتهما في الحصول على الماء، بل إنهما لا تستطيعان رفع الصخرة فتلجآن إلى سقي ماشيتهما مما يتبقى من الماء الذي صبَّه الناس لمواشيهم في الحياض[3]،  فأصابته حالة من الذهول، وفاضت منه أخلاق الكرام وذوي المروءة والشهامة، وهو الذي دفع للتو ثمن شهامته حين انتصر للإسرائيلي المستضعَف من القبطي بأنْ أصبح مستهدفاً بالقتل من الملأ، وهو ما جعله يخرج من مصر لأول مرة في حياته، وإلى وِجهة غير معروفة، ويفارق النعيم والأحباب والأصدقاء والوطن، قال ابن إسحاق: «وجد لهما رحمة، ودخلته فيهما خشية لَـمَّا رأى من ضعفهما وغلبة الناس على الماء دونهما»[4]. فقال لهما: ما خطبكما؟ وهو سؤال يدل على استعظامه للأمر، قال ابن عطية: «وكأنَّ استعمال السؤال بالخطْب إنما هو في مصاب أو مضطهد أو من يشفق عليه أو يأتي بمنكر من الأمر، فكأنه بالجملة في شر»[5]!

فأجابت المرأتان: {قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ}. فالمرأتان كذلك تدركان أنَّ خروجهما لرعي الماشية وسقيها وما يتبع ذلك من أعمال إنما هو استثناء وليس أصلاً، دعتهما الحاجة إلى ذلك، فهما تعتذران عن فعلهما بواقع حالهما، ولسان حالهما يقول: ما لنا ولمزاحمة الرجال في أعمالهم، وما لنا وللخروج من بيتنا لولا الحاجة. فكان في اعتذارهما تنبيه على ما يستحق أنْ يكون ضابطاً لخروج المرأة من بيتها وخدرها إلى مواطن الرجال بغية طلب الرزق والمعاش، إذا أخذنا في الاعتبار كون هذا المجتمع ناقص المروءة قليل الصيانة، وقد ذكر القرآن كل هذه الجزئيات لِـمَا فيها من تربية لأمة الإسلام على الاستقامة في الحياة الاجتماعية.

الخروج المنضبط:

أول ضابط في خروج المرأة بحثاً عن الرزق والمعاش مما يلوح لنا من أفق الآية الكريمة: هو عدم الاختلاط بالرجال في مكان العمل، كما قالت المرأتان: {لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ}. والرعاء هم رعاة الماشية الذين يسقون لها الماء بأنْ يرفعوا الصخرة عنه ويملؤوا دلاءهم منه ثم ينصرفوا عنه. فهما تنتظران صدور الرِّعاء، قال السعدي: «أيْ: قد جرت العادة أنه لا يحصل لنا سقيٌ حتى يُصدِر الرعاء مواشيهم؛ فإذا خلا لنا الجوُّ سقينا»[6]. والعلة في ذلك هو ما ينتج عن امتزاج الرجال بالنساء من الفساد الأخلاقي وقلة الديانة والوقوع في الفاحشة ومقدماتها واستضعاف المرأة وإلحاق الأذى بها؛ مما نزَّه الإسلامُ المرأةَ والرجلَ عن السقوط في شيء من ذلك. قال ابن القيم: «ولا ريب أنَّ تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال أصل كلِّ بليَّة وشر، وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة، كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة. واختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش والزنا، وهو من أسباب الموت العام، والطواعين المتصلة. ولما اختلط البغايا بعسكر موسى، وفشت فيهم الفاحشة: أرسل الله تعالى عليهم الطاعون، فمات في يوم واحد سبعون ألفاً، والقصة مشهورة في كتب التفاسير»[7]. وقد فسر مجاهد قول الله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْـجَاهِلِيَّةِ الأُولَى} [الأحزاب: ٣٣] بقوله: «كانت المـرأة تخرج تمشـي بين يدي الرجال، فذلك تبرج الجاهلية»[8].

أما إذا اشتمل هذا الاختلاط على خلوة بينهما فإنَّ الشيطان يكون حينها أقرب إلى كل واحد منهما من الآخر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا يخلوَن رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان»[9]. فيكون الشيطان حاضراً مؤجِّجاً لشهوة كلٍّ منهما ليوقعهما في الفاحشة الكبرى أو مقدماتها من كلام ونظر ومباشرة وملامسة وتقبيل.

وثاني ضابط في خروج المرأة بحثاً عن الرزق والمعاش: هو وجود السبب المشروع لذلك من فَقْد الولي أو ضعفه، كما قالت المرأتان: {فَجَاءَتْهُ إحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِـمِينَ} [القصص: 25]، {وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ}. قال ابن عباس: «لا يستطيع أنْ يدفع عن نفسه، وليس له أحد يقوم بشأنه، ولا يعينه في رعاية غنمه وسقيها؛ فنحن نرعاها ونتكلف سقيها»[10]. ورعي الماشية هو رزق أهل مَدين حينها، وسقيها بحاجة إلى قوة ومزاحمة، فلا الشيخ يطيق ذلك، ولا المرأتان تطيقانه أيضاً، لكنهما كانتا تسقيان مما يتبقى من سقي الرعاء.

وحين لا يوجد للمرأة من يكفيها من أهلها، ولا تجد في المجتمع من يهتم لها على وجه الحقيقة فإنها ستضطر إلى الخروج للعمل والكسب، وسينظر التاريخ إلى هذا المجتمع بأنه ناقص المروءة قليل الصيانة.

وثالث ضابط في خروج المرأة بحثاً عن الرزق والمعاش: هو أنْ يكون العمل الذي ستعمله ملائماً لقدراتها، لا قدرات الرجال، وقد تجنبت المرأتان أنْ تسقيا من جب الماء لأنهما لا تستطيعان حمل الصخرة وسحب الدلو، قال البغوي: ومعنى الآية: «لا نسقي مواشينا حتى يصدر الرعاء؛ لأنَّا امرأتان لا نطيق أنْ نسقي، ولا نستطيع أنْ نزاحم الرجال، فإذا صدروا سقينا مواشينا ما أفضلت مواشيهم في الحوض»[11]. والمرأة لا تحسن الكثير من عمل الرجال ولا تقواه، لوجود الاختلاف بينهما في الخِلقة والقوة والتفكير والوجدان. والمرأة التي تنكر ذلك إنما تخادع نفسها وتجحد حقيقة تكوينها وفطرتها، والرجال يُقرُّون بأنَّ ثمة وظائف وأعمالاً لا يطيقونها وليس لهم القدرة على تحمُّلها رغم أهميتها البالغة، كتربية الأولاد ورعاية البيت، فكذلك ينبغي للنساء أنْ يرجعن إلى أصل خلقتهن وفطرتهن التي فطرهن الله عليها، قال بكر أبو زيد: «إنَّ الإسلام دين الفطرة، وإنَّ المصلحة العامة تلتقي مع الفطرة الإنسانية وسعادتها؛ إذاً فلا يباح للمرأة من الأعمال إلا ما يلتقي مع فطرتها وطبيعتها وأنوثتها؛ لأنها زوجة تحمل وتلد وتُرضع، ورَبَّةُ بيت، وحاضنة أطفال، ومربية أجيال في مدرستهم الأولى (المنزل)»[12]. ولهذا قال الله تعالى: {وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ إنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [النساء: ٢٣]، قال الطبري: يعني بذلك جل ثناؤه: ولا تشتهوا ما فضل الله به بعضكم على بعض. وذُكر أنَّ ذلك نزل في نساء تمنين منازل الرجال، وأنْ يكون لهم ما لهم، فنهى الله عباده عن الأماني الباطلة، وأمرهم أنْ يسألوه من فضله؛ إذْ كانت الأماني تورِث أهلها الحسد والبغي بغير الحق»[13].

ولقد كانت امرأتا مدين على قدر كبير من إدراك هذا الأمر، وعلى قدر كبير من الإنصات إلى نداءات الفطرة السوية، لذلك اقترحتا على أبيهما أنْ يستأجر موسى للقيام بالأعمال التي هي من شأن الرجال بدلاً عنهن.

ورابع ضابط في خروج المرأة بحثاً عن الرزق والمعاش: هو أنْ تكون مدة الخروج مرتبطة بقدْر الحاجة في العمل فقط، ثم ترجع إلى بيتها دون البقاء بلا حاجة، قال ابن إسحاق: «حتى إذا فرغوا أسقينا ثم انصرفنا»[14]. لأنها إنما خرجت للضرورة، فصار خروجها استثناءً لا أصلاً، والضرورة تُقدَّر بقدرها، فلزمها الرجوع إلى الأصل - وهو البيت - لتعلقها بأعماله ووظائفه الواجبة.

وخامس ضابط في خروج المرأة بحثاً عن الرزق والمعاش: هو أنْ تستر محاسنها وتلتزم الحجاب، وقد وصف الله تعالى المرأة التي جاءت إلى موسى بحيائها حين كانت تمشي، فقال: { فَجَاءَتْهُ إحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ}. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ذلك: «مستترة بكُمِّ درعها، أو بكُم قميصها»[15]. لأنها تعلم يقيناً أنَّ محاسنها تفتن الرجال، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : «إنَّ المرأة تُقبِل في صورة شيطان، وتدبر في صورة شيطان، فإذا أبصر أحدكم امرأةً فَلْيأتِ أهله؛ فإنَّ ذلك يردُّ ما في نفسه»[16]. فالشيطان يزين للرجل صورة المرأة وهي في كامل حشمتها وحجابها؛ فكيف به إذا أسفرت عن وجهها وزينتها!

وسادس ضابط في خروج المرأة من بيتها بحثاً عن الرزق والمعاش: هو إِذْن وليِّها وعلمه، فإنَّ هاتين المرأتين ما كانتا لتخرجان في ذلك إلا بعلم أبيهما وإذنه، كما هو مفهوم في الآية الأولى، ومنصوص في الآية الأخرى: {إنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا}، فإنَّ لولي المرأة حقاً في الإذن لها، كما له الحق في العلم بوقت ومكان خروجها، وهذا مقتضى قوامة الزوج وصلاح الزوجة الواردين في قوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِـحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ} [النساء: 34]. فقوامة الرجل إمْرَته على زوجته، واستئذانُها زوجَها في خروجها؛ إنما هو من قنوتها وحفظها للغيب اللذَين بهما تكون صالحة؛ وعلى هذا كافة أهل التفسير والفقه، وكذلك المرأة مع وليها إنْ لم يكن زوجاً كالأب والأخ ونحو ذلك.

فهذه ستة ضوابطَ مستنبَطة من الآيات التي جاءت بخبر المرأتين مع موسى عليه السلام، لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، تفيد الإذن للمرأة بالخروج للعمل بحثاً عن الرزق وطلباً للمعاش عند الالتزام بهذه الضوابط.

تمشي على استحياء:

كم هي عدد الكلمات التي تفوهت بها المرأتان؟

لقد كان حديثهما مختصراً موجزاً، يؤدي المقصود ويفي بالغرض، دون الحاجة إلى التلطف والتملق، ودون الحاجة إلى التوسع والشروحات.

فحين سألهما موسى عليه السلام: ما خطبكما؟ قالتا: لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير. فكانت هذه الجملة كافية في بيان سبب مجيئهما، وسبب ذودهما للماشية دون الرجال، وفهم حاجتهما لسقي الماء الذي لا تستطيعانه، وفهم حالتهما الاجتماعية، مع ما فيه من أدب واحتشام.

وحين أرادوا مكافأته قالت: إنَّ أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا.

لكن الله تعالى وصف لنا الطريقة التي بها قالت ما قالت، فقال تعالى: {فَجَاءَتْهُ إحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} [القصص: 25].

فهي أولاً: أوجزت العبارة دون إخلال بالمعاني، فهو كلام بقدر الحاجة فقط، وكأنها تقول له: لك حق علينا ويريد أبي أنْ يكافئك على صنيعك.

وهي ثانياً: أحسنت الأدب في العبارة، فلم تطلب منه المجيء لمجرد المجيء، بل لغرض محدد يُشعر السامع بأنَّ لمجيئه عندهم وقت محدد ينقضي بانقضاء الغرض، قال ابن كثير: وهذا تأدُّب في العبارة؛ لم تطلبه طلباً مطلقاً؛ لئلا يوهِم ريبة[17]. وهذا أحد معاني الاستحياء، ومن كانت هكذا فهي منزهة - من باب أولى - عن بذيء القول، قال الحسن: بعيدة من البذاء[18].

وهي ثالثاً: جاءت تمشي على استحياء، فلا تتكسر في مشيتها ولا تنزع إلى لفت نظر المخاطَب إليها، بل تتستر وتتحجب، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لم تكن سَلْفعاً من النساء خرَّاجة ولَّاجة، قائلة بيدها على وجهها. وقال: مستترة بكم درعها أو بكم قميصها[19]. واستدل السعدي بهذا الفعل على كرم عنصرها وخُلقها الحسن[20].

وهي رابعاً: لم تتكلم معه إلا لحاجة، وذلك أنَّ أباها أرسلها إليه لتدعوه، ولو استطاع أبوها أنْ يأتيه لما أرسلها.

فهذه آداب الحديث التي يجب على المرأة أنْ تتقيد بها حال احتاجت الحديث مع الرجال، أما الخضوع بالقول فقد جاء النهي الرباني عنه، قال تعالى: {فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} [الأحزاب: 32]. وهو القول اللين الذي فيه خضوع المرأة للرجل وانكسارها عنده[21].

فخ التضليل المفاهيمي:

المنظومة الرأسمالية العالمية تدعو المرأة إلى الخروج من بيتها إلى العمل في مختلف الأنشطة التجارية والصناعية والاجتماعية التي يعمل بها الرجال، وتدعو الأنظمة إلى توظيفها في مختلف القِطاعات دون مراعاة لطبيعة خلقتها وإمكاناتها، وتصف المرأة التي خرجت من بيتها إلى عملها بالمرأة العاملة، وتصنفها ضمن القوى العاملة، بينما تصف المرأة التي بقيت في بيتها ربة بيت بأنها (عاطلة)، ولا تصنفها ضمن القوى العاملة!

وتزعم تلك المنظومة والمتأثرون بها أنَّ المجتمع بحاجة إلى عمل المرأة، وأنه في هذه الحال يجب تلبية تلك الحاجة والمساهمة في بناء المجتمع، وأنَّ المرأة حين تمتنع من ذلك فإنها تكون عبئاً على المجتمع، أيْ أنها تستهلك ولا تنتج!

وتوصي تلك المنظومة الحكومات بأنْ تعترف بحق الرجل والمرأة في العمل في ظروف متساوية، واتخاذ التدابير لتنفيـذ ذلك، بغض النظر عن الحالة الزواجية، والمسـاواة بينهما في فرص الوصول إلى مجموع الأنشطة الاقتصادية[22].

وهنا يرتبك بعض البسطاء فتنطلي عليه هذه الخدعة المفاهيمية، فينساق خلف شعار حاجة المجتمع، وأهمية عمل المرأة... وينوح بعض آخر على حال المجتمعات التي لا تخرج فيها النساء إلى الوظائف والمتاجر والمصانع بحجة تعطيل عجلة التنمية.

ونحن نقول: إنَّ العمل مطلوب من المرأة بلا شك، فإنَّ الله علمنا أنَّ الدين لا يقوم دون عمل وأنَّ النجاة لا تكون إلا بوجود العمل، قال تعالى: {وَالْعَصْرِ 1 إنَّ الإنسَانَ لَفِي خُسْرٍ 2 إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِـحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْـحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: ١ - ٣]، وأخبرنا أنَّ النساء يستويْنَ مع الرجال في التكليف بأصل العمل، فقال تعالى: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} [آل عمران: 195]، وقال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِـحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [النحل: 97]. فالمرأة مطلوب منها أنْ تعمل طلباً شرعياً كالرجل.

ثم إنَّنا نقول: نعم! المجتمع بحاجة إلى عمل المرأة، لا شك في ذلك، للوصل إلى الحياة الطيبة، ولكن أي عمل؟ هل هو العمل الذي تقرره الشريعة البيضاء أم هو العمل الذي تقرره الرأسمالية؟

بل هو العمل الذي تقرره الشريعة؛ فالمرأة تتعبد لله بالعمل الصالح ورعاية الزوج وتربية الأولاد وصيانة المنزل وحفظ البيت الذي يمثل الوحدة الأساسية في المجتمعات المطمئنة، فالأم والزوجة يصنعان مستقبل الأمة بذلك.

أليس التزام المرأة بيتها لتربية الأولاد ورعاية الزوج وحفـظ البيت عملاً يشـكره الله ويشكره المجتمع؟ أليس صلاح الأولاد واستقرار البيوت مطلباً شرعيّاً وهدفاً اجتماعيّاً؟

ويمكن للمرأة أن تقدم إسهاماتها العلمية والاجتماعية من دون اللجوء إلى الخروج من البيت على الطريقة الرأسمالية التي لم يعهدها المسلمون إلا بعد حقبة الاستعمار.

ثم إذا هي خرجت وعملت فخالطت الرجال أو اشتغلت بما لا يلائم فطرتها وخِلقتها؛ أفلا تكون عاصية لله مغضِبةً له؟ فأي خير لهذا المجتمع الذي لا يلبي حاجته إلا بمعصية الله ونبذ فطرته!

وقد تصدى أئمة العلم والدعوة في عصر ما بعد الاستعمار لهذا التضليل، وصنفوا الرسائل وكتبوا المقالات ونصحوا للأمة، ومن ذلك ما خطه العلَّامة ابن باز رحمه الله فقال في مقال يعالج فيه هذه المسألة: «ومعلوم أنَّ الله تبارك وتعالى جعل للمرأة تركيباً خاصاً يختلف تماماً عن تركيب الرجال؛ هيَّأها به للقيام بالأعمال التي في داخل بيتها، والأعمال التي بين بنات جنسها. ومعنى هذا: أنَّ اقتحام المرأة لميدان الرجال الخاص بهم يعتبر إخراجاً لها عن تركيبها وطبيعتها، وفي هذا جناية كبيرة على المرأة، وقضاء على معنوياتها وتحطيم لشخصيتها، ويتعدى ذلك إلى أولاد الجيل من ذكور وإناث؛ لأنهم يفقدون التربية والحنان والعطف، فالذي يقوم بهذا الدور هو الأم قد فُصلت منه وعُزلت تماماً عن مملكتها التي لا يمكن أنْ تجد الراحة والاستقرار والطمأنينة إلا فيها، وواقع المجتمعات التي تورطت في هذا أصدق شاهد على ما نقول.

والإسلام جعل لكلٍّ من الزوجين واجبات خاصة، على كل واحد منهما أنْ يقوم بدوره ليكتمل بذلك بناء المجتمع في داخل البيت وفي خارجه. فالرجل يقوم بالنفقة والاكتساب، والمرأة تقوم بتربية الأولاد والعطف والحنان والرضاعة والحضانة، والأعمال التي تناسبها لتعليم الصغار وإدارة مدارسهن والتطبيب والتمريض لهن ونحو ذلك من الأعمال المختصة بالنساء.

فترك واجبات البيت من قبل المرأة يعتبر ضياعاً للبيت بمن فيه، ويترتب عليه تفكك الأسرة حسياً ومعنوياً، وعند ذلك يصبح المجتمع شكلاً وصورة لا حقيقة ومعنى»[23].

 

 


[1] تفسير القرطبي: 14/ 117.

[2] حراسة الفضيلة، ص89.

[3] انظر تفسير الطبري: 18/ 211

[4] المصدر السابق.

[5] المحرر الوجيز: 7/ 494.

[6] تفسير السعدي: 3/ 1277.

[7] الطرق الحكمية: 2/724.

[8] تفسير ابن كثير: 6/410.

[9] أخرجه الترمذي، حـ 2165.

[10] موسوعة التفسير المأثور: 17/ 77.

[11] معالم التنزيل: 3/ 433.

[12] حراسة الفضيلة، ص94.

[13] تفسير الطبري: 6/ 663.

[14] تفسير الطبري: 18/ 212.

[15] تفسير الطبري: 18/ 218.

[16] أخرجه مسلم، حـ 2151.

[17] تفسير ابن كثير: 6/ 12.

[18] تفسير الطبري: 18/ 220.

[19] الأثران عند الطبري: 18/ 218.

[20] تفسير السعدي: 3/ 1277.

[21] تفسير السعدي: 3/ 1384.

[22] تقرير المؤتمر العالمي لعقد الأمم المتحدة للمرأة: المساواة والتنمية والسلم 1980م، نقلاً عن: قضايا المرأة في المؤتمرات الدولية، ص796.

[23] مجموع فتاوى ومقالات ابن باز: 1/419، بعنوان: خطر مشاركة المرأة الرجل في ميدان عمله.

 


أعلى