{وَيَأْبَى اللَّهُ إلّا أَن يُتِمّ نُورَهُ}

هناك ضمانتان باقيتان تجعلان المسلم مطمئناً على المسار المستقبلي للإسلام مهما تضاعفت حملات العداء له أو الكيد لأهله، أولاهما: الكمال الذاتي في هذا الدين بما يجعله وهاجاً بالهدى والنور على مر الدهور


هناك ضمانتان باقيتان تجعلان المسلم مطمئناً على المسار المستقبلي للإسلام مهما تضاعفت حملات العداء له أو الكيد لأهله، أولاهما: الكمال الذاتي في هذا الدين بما يجعله وهاجاً بالهدى والنور على مر الدهور، بحيث يضمن هذا إقبال الخلق على الإيمان به للعيش بأمان في وارف ظلاله، والضمانة الأخرى: هي وعد الله القائم للقائمين بأمر الدين والمناصرين له، بإعلاء شأنهم بقدر قيامهم به ونصرهم له؛ ولذلك فإن الحرب المستعرة ضد هذا الدين من كل أعدائه الظاهرين والمستخفين، لا ينبغي أن تفتّ في عضد مسلم أو توهن من عزمه على التمسك به والتشبث بعراه {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ إنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الزخرف: 43].

فماذا يستطيع الكارهون المحادّون لدين الله أن يحققوا أو يقدموا من جديد، بتجديد حملات الكراهية والعدوان بين الحين والحين، مرة برسوم بذيئة، وأخرى بتصريحات بابوية أو حاخامية قميئة، وتارات بحرق المصاحف أو التبول على أجساد الشهداء أو الاعتداء الجنسي على الأسرى والسجناء، أو تلطيخ جدران المساجد أو هدمها أو تحريق الجثث أو التمثيل بها؟!.. ماذا يستطيعون فعله بحروبهم العسكرية، وحصاراتهم الاقتصادية، ومعاركهم السياسية والثقافية والإعلامية؛ أمام دين ينتصر ودعوة تنتشر رغماً عن كل تلك الحملات المتواصلة منذ عقود بل قرون؟! ماذا يمكنهم أن ينجزوا أو يحرزوا بهجمات همجية غير حضارية، في صور متنوعة من (حرب الأفكار) التي تتكرر وتتطور في أنماط شيطانية نلطفها نحن أحياناً ونخففها فنقول (إساءة)؟!.. مع أنها ليست مجرد إساءة تصدر من مخبول أو غير مسؤول - كما يقولون في كل مرة -، لكنها أعمال تصل إلى مصاف (إعلان حرب) في الأحكام الشرعية يقيناً، وفي الأعراف القانونية أحياناً، بدليل أن بعضاً من تلك (الإساءات) - كالفيلم العدائي الاستعدائي الأخير -، لو حصل مثله علانية على وجه الإهانة وبتلك الوقاحة ضد رمز قومي أو وطني محترم، أو زعيم مزعوم يكرم؛ لقطعت لأجل ذلك علاقات، وأغلقت سفارات، وربما ثارت لذلك حروب ونزاعات، كما حدث ويحدث كثيراً على مر التاريخ.

المعلنون لتلك الحروب - من طرف واحد دائماً - يجهلون أو يتجاهلون أنهم لن يفلحوا فيما لم يفلح فيه أسلافهم، ولن ينتصروا في معركة خسرها آباؤهم وأجدادهم عندما أرادوا أن يطفئوا نور الله بأفواههم، متصورين أنهم قادرون على مواجهة إرادة الخالق القادر القاهر بإرادة مخلوق ذليل لكنه متمرد كافر أراد - لفرط كفره - أن يقف ضد إرادة الله: {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}.

في تلك الآية - بين آيات قبلها وآيات بعدها - يحتاج المرء المسلم إلى أن يستعيد توازنه النفسي، وتماسكه الوجداني، كلما أوشك ذلك التماسك والتوازن أن يختل تحت وقع الضربات والصدمات والفتن التي يثيرها الأعداء في موجات متلاحقة، صار بعضها يُنسي بعضاً، ويرقق بعضها بعضاً.

فلنقف مع الآيات في تأملات توصلنا إلى بصائر جاءت فيها مما جادت به قرائح المتدبرين، وفتوحات المفسرين، قدماء ومعاصرين.

بين يدي الآية:

يبدأ سياق الآية التي نحن بصددها بذكر قبائح أهل الكتاب وشنائعهم وغلظ كفرهم - وبخاصة أهل الزعامات والرئاسات الدينية والسياسية فيهم -؛ تعليلاً لمشروعية التصدي لهم، والسعي لتصغير وتحقير شأنهم الرامي إلى فرض عقائد الكفر بالله على سائر عباد الله، وذلك في قوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْـحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْـجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29]، وقد كان معمولاً بذلك التوجيه القرآني في غالب عهود التاريخ الإسلامي؛ حفظاً لمقام الوحدانية من تغول العقائد الشركية لأهل الكتاب.

وأول هذه الشنائع أنهم {لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} مهما قالوا غير ذلك، لأن الإله الذي يقولون إنهم يؤمنون به ليست له صفات الإله الحق الذي دلت عليه الرسل. وثاني تلك الشنائع عدم إيمانهم باليوم الآخر، حيث إن إيمانهم المدعى بذلك يرجع إلى الإيمان بمعاد روحي لا جسدي، فهم بذلك لا يؤمنون بالله {وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ}. وثالث شنائعهم أنهم مع كونهم لا يلتزمون بشريعتهم {لا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} فيما جاء به الإسلام من تحريم ما دلت التوراة والإنجيل على تحريمه، كشرب الخمر وأكل لحم الخنزير ونحو ذلك. ورابعها: {وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْـحَقِّ}، فلا يعترفون إلا بدين يعرفون أن ديناً آخر غيره هو دين الحق، وهو الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم المذكور صراحة في كتبهم. وخامسها: اعتداؤهم على جلال الذات الإلهية وإساءتهم إليها بنسبة الولد لله تعالى، وفي ذلك ما فيه من نسبة النقص والحاجة والحدوث والحلول إليه سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْـمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ } [التوبة: 30]. وسادسها: وقوعهم في شرك التشريع، جاعلين من علمائهم وعبّادهم مشرّعين من دون الله، يحلون لهم الحرام فيحلونه، ويحرمون عليهم الحلال فيحرمونه {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْـمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} [التوبة: 31]. وسابعها: سعيهم لإبطال أمر دين الحق الذي دعتهم رسلهم إلى الإيمان برسوله {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ}. وثامنها: صدهم الناس عن الحق، مع أكل أموالهم بالباطل، مانعين عنهم بذلك الخير ومنزلين بهم الشر والضر {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة: 34]. وتاسعها: اشتراكهم مع المشركين في العبث بالأوقات وتغيير الزمن؛ هؤلاء بالنسء والتأجيل، وأولئك بالنسخ والتغيير، وهو الحاصل بإلغائهم العمل بالشهور القمرية التي بنيت عليها أكثر أحكام الشرائع التعبدية في الأديان السماوية {إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [التوبة: 36].

 إن أقواماً تصدر منهم تلك الشنائع والفظائع، جديرون بالتواري والخجل مما هم عليه من الظلم والظلام، بدلاً من سعيهم الدائم والدائب لإخراج الناس من النور إلى الظلمات.

{يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ}

وفي هذا الجزء من الآية من الحقائق والبصائر ما يلي:

هم يريدون بكل ما ذكر أن يطفئوا نور الله، فيظل الجرم الأعظم الجامع لما ذكر من الجرائم هو اعتقادهم بأنهم قادرون على تحدي إرادة الله في أن يحق الحق ويبطل الباطل بإرادة معاكسة في إبطال الحق وإحقاق الباطل {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ}، فهذه إرادة موجهة منهم نحو ذلك الغرض، ولهذا لا تخرج قبائحهم وشنائعهم السابق ذكرها مصادفة أوعَرَضاً، وإنما تجيء على وجه من التعمد والاستمرار والاستقرار؛ لغرض إطفاء نور الإسلام، وتشير إلى ذلك صيغة (المضارعة) في حكاية ما وراء تلك الأفاعيل، فهم {يُرِيدُونَ} على وجه مستمر أن يطفئوا نور الله.

النور المذكور في الآية هو الدلائل الكثيرة الدالة على صحة نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأولها: ثبوت تلك النبوة بمعجزات خارقة لم تثبت نبوة موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء إلا بمثلها أو بأقل منها، وعلى رأس ذلك القرآن الذي يسعون لإثبات أنه ليس بمعجز، فيتكرر عجزهم في ذلك. وثاني تلك الدلائل: أنه صلى الله عليه وسلم جاء بذلك القرآن المعجز في ألفاظه وأخباره وتشريعاته مع كونه أمياً لا يعرف الكتابة ولا القراءة ولم تحدث له طوال عمره قبل النبوة سابقة نظر في كتب أو تتلمذ على عالم، بل عُرف بأنه أمي، وهو ما نصت عليه كتبهم. وثالثها: أنه جاء بشريعة يدل العقل على أنه لا طريق إلى الله غير طريقها، لأن حاصلها تعظيم الله والثناء عليه والانقياد لطاعته وحده، وصرف النفس عن التعلق بالدنيا، وترغيبها في سعادة الآخرة. ورابع تلك الدلائل: أنه صلى الله عليه وسلم جاء بدين لا نقص فيه، فليس فيه إثبات ما لا يليق بالله، وليس فيه دعوة لتأليه غير الله. وخامسها: أن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وقصة حياته كلها تدل على نبل رجال النبوة وعلى خُلق أصحاب الرسالة، حيث لم يتغير طبعه أو يتبدل شرعه، فأصول دعوته وشريعته في مكة هي هي في المدينة؛ من حيث تجريد العبودية لله الواحد، وكذلك ظل خلقه العظيم من الصدق والعفاف والزهد في الدنيا مصاحباً له حتى مات، وهو ما يدل على أنه لم يكن طالب ملك أو سلطان أو عرض زائل.

إرادة كفار أهل الكتاب إطفاء ذلكم النور لم تكن مجرد رغبات أو تمنيات، بل كانت وستظل سعياً بالأفعال والأقوال لإبطال أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، وإخفاء الدلائل الدالة على صحة شرعه ودينه، ومحاربة أتباعه في صور متعددة ومتنوعة تبدأ بإضمار الحسد الباعث على سوء القيل والقال، متدرجة في سوء الأفعال التي تنتهي إلى الحرب والقتال {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة: 217].

هناك تبادل وتوزيع للأدوار بين المعادين من الكفار في مسعاهم المستحيل لهزيمة الإسلام، فكلهم {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ}، إلا قليلاً منهم، لكن أدوار علمائهم في الكيد هي الأبرز والأقدم، وكل ضلال وقع فيه صنف من أصنافهم تقع تبعته على هؤلاء العلماء الجهال، يفسر ذلك هذا التواطؤ المذهل عبر القرون في إخفاء الدلائل الدالة على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم في كتبهم، والسعي المتواصل بلا كلل أو ملل للطعن في دينه وشريعته، وتشويه صورته وسيرته.

مع استمرار المكر الكُبّار من هؤلاء الكفار عبر القرون، إلا أن حصيلته هزيلة، وثمراته معطبة، مع كونها قليلة، ولهذا وصفت مساعيهم لحجب هداية القرآن على أنها تجري مجرى من يريد إبطال مفعول نور الشمس بمجرد النفخ فيها.

{وَيَأْبَى اللَّهُ إلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ}

إذا كان الكفار (يريدون) على وجه الديمومة والاستقرار (أن يطفئوا نور الله) فالله (يأبى) على وجه التجدد والاستمرار (إلا أن يتم نوره).

الإباء يفيد زيادة على مجرد عدم الإرادة والرضى، فقد لا تريد شيئاً لكنك لا تمنعه أو تمانعه، ففرق - مثلاً - بين من لا يريد الظلم - فالكل لا يريده - وبين من يأبى الظلم ويمانعه. وإباء الله هنا هو عدم رضاه عن مرادهم، مع امتناعه ومنعه من تحقيق مسعاهم.

إتمام النور الذي يأبى الله غيره، إشارة إلى أنه - سبحانه - يريد لنور الإسلام ألا يخفت أبداً، فهو سبحانه لا يريد له أن يلوح أو يشرق فقط، بل يريد له أن يتم، بل كثيراً ما يجعل سعي الكافرين والضالين لإطفاء نوره سبباً في زيادة انتشار ذلك النور، فهم يريدون والله يريد وراء إرادتهم، ويمكرون والله يجعل مكرهم عليهم، ويكيدون والله يكيد لهم، ويبغون فيعود بغيهم على أنفسهم.

مع امتناعه تعالى ومنعه أن يوصل من يريدون إطفاء نور الإسلام إلى غرضهم، فقد تعهّد سبحانه ووعد بإيجاد أعظم الأسباب المؤدية إلى بزوغ ذلك النور ثم شيوعه وإتمامه، وكان أعظم ذلك بإرسال الرسول المتمم لهذا النور، والتعهد له بمزيد النصرة وعلو الرتبة وإتمام النعمة كما قال سبحانه: {إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا 1 لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا 2 وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا} [الفتح: ١ - ٣].

من إتمام النور أنه مع كونه غير قابل للإطفاء فإن وهجه يغطي على غيره مما تُدعى فيه النورانية، فهو بذلك لا يُطفأ، بل يُطفئ ويحرق ما يعارضه.

في الآية وعد وبشارة إلهية للمؤمنين الحاملين لمشاعل هذا النور بأن نصرهم سنة ربانية تمضى بها الأحكام القدرية.

 {وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}

يمضي الله إرادته ويفرض مشيئته بإتمام نوره رغماً عن كراهة الكارهين من الكفار والمشركين، فأشد ما يغيظهم ومن على شاكلتهم من المنافقين وسائر المجرمين في القديم والحديث، هو السعي لنشر ما يكرهون.

 • الباعث الأكبر على أعمال العداء التي تصدر من الشانئين للدين، هو تلك الكراهية، فهي العنوان الكبير الذي تندرج تحته تصرفاتهم، {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: ٩]، ولذلك يبادلهم الله عداء بعداء وكرهاً بكره، {فَإنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ} [البقرة: 98].

يأتي في مقدمة الكارهين لانتصار الدين: اليهود والنصارى، فالسياق يدل على ذلك، وبخاصة أهل الرئاسات منهم؛ لأن انتصار الإسلام وانتشاره يجيء على حساب سياساتهم ورياساتهم، ولهذا يكرهونه ويحاولون إطفاء نوره بشتى الوسائل؛ سراً وعلناً، سلماً أو حرباً، هزلاً أو جداً، فهم بين مستهزئين ساخرين، أو محاربين معتدين مستخفين، أو مستعلنين، كما قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ} [المائدة: ٧٥]، وقال: {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة: 217].

مهما بلغت درجة الكراهية، ومهما تواصلت أقوالها وأفعالها، فهي ليست إلا في تباب، وسعيهم لها لا يوصل إلا إلى سراب، ولذلك وصف القرآن حملات الكراهية بأنها مجرد نفخ بالأفواه لا يطفئ النور بل ينعكس عليهم زيادة في الظلام، وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون.

{هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْـحَقِ}

إرسال الرسول صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق هو أعظم نعمة امتن الله تعالى بها، حيث أنفذ من خلالها مشيئته وإرادته بإتمام نوره دون أن يقدر أحد على منازعته أو معاندته، وبخاصة من أهل الكتاب الذين ظنوا أن الرسالة ستظل فيهم وحدهم إلى يوم القيامة.

تلك المنة العظمى في إرسال ذلك الرسول تتجدد ببقاء الحق الذي جاء به ظاهراً جلياً، في وحي معصوم غير قابل للتحريف أو التزييف، كما فعل اليهود والنصارى في دينهم، وتقوم على ذلك الحق الظاهر - بعد الرسول - أمة هي خير الأمم، فيها طائفة ظاهرة على الحق منصورة إلى يوم القيامة.

الأمران اللذان أُرسل بهما محمد صلى الله عليه وسلم يكمل أحدهما الآخر، ويوصل أحدهما إلى الآخر، فأحدهما هو (الهدى)، والهدى في اللغة هو الدليل، ورسولنا صلى الله عليه وسلم لم يرسل بدليل واحد، بل بدلائل متكاثرة وبراهين ملزمة ومعجزات قاطعة كانت بمجموعها بمنزلة قبس عظيم يشع ضياء، ينير الطريق لكل سالك، ولذلك جمعت تلك الدلائل في القرآن ووصف بأنه (هدى للناس).

وأما الأمر الثاني الذي أرسل الله به رسوله صلى الله عليه وسلم، فهو {دِينِ الْـحَقِ}، والشيء لا يكون حقاً إلا إذا كان صواباً ومطابقاً للحكمة ونافعاً في الدنيا والآخرة معاً، ودين الله الذي أرسل به محمد صلى الله عليه وسلم تنطبق عليه دون غيره تلك الصفات التي لا توجد في بعضه دون بعض، بل إنها تشمل نواحيه كلها: عقائد وعبادات ومعاملات وسلوك. فـ (الهدى) يتعلق بالجانب النظري في تلك الأمور، و{دِينِ الْـحَقِ} يتعلق بالجوانب العملية منها، ولذلك فُسر {الْهُدَى وَدِينِ الْـحَقِ} أيضاً بأنهما: العلم النافع والعمل الصالح، وهذا يكمِّل هذا، وذلك يوصل إلى ذاك.

{لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ}

إيصال الهدى إلى دين الحق، ثم اقترانهما ببعضهما، يكسبهما ظهوراً ذي شقين: ظهور اتضاح وتبيين، وظهور انتصار وتمكين، وذلك على كل دين مغاير {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّه}، وكلا الظهورين يتناوبان في الزمان والمكان، وكثيراً ما يجتمعان، وحتى لو تخلف ظهور القوة والتمكين أو ضعف؛ فإن ظهور الحجة والبيان دائم البقاء إلى قيام الساعة.

الظهور بقسميه له محل يتحقق فيه، ومحله الأول هو الإسلام أو الرسول نفسه صلى الله عليه وسلم: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْـحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ}، أي: ليظهر الرسول {عَلَى الدِّينِ كُلِّه}، فقد نصر الله عبده وأنجز وعده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده. ثم يُظهر الله مَنْ بعده - صلى الله عليه وسلم - على قدر قربهم من هديه، فأولهم الصحابة ثم التابعون ثم تابعو التابعين، ثم من سار على نهجهم إلى يوم الدين.

أظهر الله تعالى الرسول وأمته على طوائف الكفر كلها، من الكارهين والمعاندين لهذا الدين - دين الحق. فهو صلى الله عليه وسلم أظهره الله على مشركي العرب حتى دانت له الجزيرة كلها وتخلت عن أصنامها، ثم غلب هو وأمته اليهود حتى أخرجوا صاغرين من جزيرة العرب لتضرب عليهم الذلة والمسكنة، وغلبوا النصارى في بلاد الشام وأخرجوهم منها إلى غياهب أوروبا في عصورها الوسطى المظلمة، وغلبوا الفرس وأطفأوا إلى الأبد نار مجوسيتهم، ثم طاردوا عبادة الأصنام بعيداً عن جزيرة العرب حتى غلبوهم على بلادهم في مواطن الشرك ببلاد الهند والترك.

لم تزل أمته صلى الله عليه وسلم تنازل أصحاب الأديان الباطلة فوق كل أرض وتحت كل سماء، إلى أن جاء عهد الاستضعاف العام بتفريط من عامة الأمة، لكن مع ذلك ظلت في الأمة بقية تنازل الكافرين والمعتدين وتسجل انتصارات تاريخية كان من بعض نتائجها المعاصرة إلجاء قوى الطغيان الأوروبي إلى الجلاء عن كثير من بلاد المسلمين، ثم إسقاط الطاغوت العسكري الأضخم في العالم - وهو الاتحاد السوفيتي السابق -، وها هي القوة العظمى الأكبر - أمريكا - يتوقع لها سقوط أعظم بعد أن تورطت باحتلال بعض بلاد المسلمين، فدخلت في حرب مفتوحة بمعادتها أولياء الله الذين آذن الله من يعاديهم بالحرب.

إظهار الإسلام على الدين كله تضبطه ظروف زمانية وظروف مكانية، فأما الظروف الزمانية فإن الإسلام الذي بدأ غريباً لم يلبث أن زالت غربته، فازدادت قوته في صدر تاريخ الرسالة، ثم بعد أن عاد غريباً ستزول غربته وتزداد قوته حتى يبلغ ذروته في زمان المهدي المبشَّر بخروجه في الأحاديث الصحيحة، حيث سيعم سلطان الإسلام الأرض كلها، كما قال السُدِّي: «فلا يبقى أحد إلا دخل الإسلام أو أدى الخراج»، ويبلغ الأمر تمامه في زمان نزول عيسى - عليه السلام -، حيث (يهلك الله في زمانه المِلل كلها إلا الإسلام)[1].

فزمان المهدي يكون الإسلام فيه هو الأعلى، وزمان عيسى يكون الإسلام فيه هو الأوحد.

الظهور المكاني للإسلام خص الله به في أول الأمر أفضل بقاع الأرض، فانبعث نوره في مكة، ثم ظهرت شوكته في المدينة، وينطلق الظهور بقسميه إلى بقية الجزيرة العربية، التي هي أفضل الأرض من حيث هي أرض، لما خصها الله - شرعاً - بوجوب تطهيرها من الشرك، فلا يجتمع فيها دينان. ثم انتشر ظهور الإسلام بعد ذلك في البلدان المحيطة بجزيرة العرب، فعم التوحيد بلدان الشام والعراق ومصر، وتلك البلدان - مع اليمن - هي التي ظلت عبر التاريخ وستظل إلى قيام الساعة ساحة للأحداث الدينية الكبرى، وبقدر علو شأن الإسلام فيها سيكون شأنه في بقية العالم.

تبقى هناك علاقة تلازم بين ظهور الإسلام وانتصاره في الزمان والمكان، وبين العلم به والعمل بشريعته، ولذلك يتنقل المجددون للدين وتتنقل الطائفة الظاهرة على الحق زمناً ومكاناً في أرض الله، حتى يأتي الزمان الذي سيكون سلطانها على جميع أركانها، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم (زُويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زُوي لي منها)[2].

أخيراً: يظهر لكل متابع أن سنن الله الكونية القدرية في إتمام نوره تتطابق مع سننه الشرعية في ترتيب الانتصار بها على الانتصار لها، ولذلك تجري الأحداث - وستظل تجري - بما يؤكد ذلك الأمر ويبرهن عليه، حتى نشهد عليه كما شهد من سبقونا إليه، ومن هؤلاء الصحابي الجليل «تميم الداري» الذي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ليبلُغَنَّ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر)، فكان تميم الداري يقول: «قد عرفت ذلك في أهل بيتي، لقد أصاب من أسلم منهم الخير والشرف والعز، ولقد أصاب من كان منهم كافراً الذل والصغار والجزية»[3].

:: مجلة البيان العدد 304 ذو الحجة 1433هـ، أكتوبر-نوفمبر 2012م.


[1] أخرجه أبو داود (4224)، وصححه ابن حجر في فتح الباري (569/ 6).

[2] أخرجه مسلم برقم (2889).

[3] أخرجه أحمد في المسند (4/103)، وقال الهيثمي في المجمع (6/14) «رجال أحمد رجال الصحيح».

 

 

أعلى