كيفية التعامل الاستخباري الصهـيوني مع تهديدات المنطقة

ويشدِّد قادة الجيش على أنه لولا المعلومات الاستخبارية التي توفِّرها هذه الأجهزة، لما استطاع أن يحارب قوى المقاومة، ومن ثم فإن هناك تخوفاً صهيونياً من أن يحظى الحيز الأمني والاستخباري بنصيب وافر من المواجهة العسكرية القادمة


 

تعيش الساحة الأمنية والعسكرية الصهيونية حالة من القلق والحذر الشديدين بفعل التقلبات الحاصلة في المنطقة، بفعل الثورات العربية المتلاحقة، وسقوط أنظمة موالية لـ «إسرائيل»، ما دفع خبراء الأمن لديها لتلخيص المخاطر الأمنية على «إسرائيل» في العقد المقبل على النحو التالي:

1- خطر السلاح غير التقليدي بأنواعه المختلفة، وإمكانية وصول سلاح نووي لأيدي دول أو جهات متطرفة.

2- خطر الصواريخ على الجبهة الداخلية الصهيونية، خصوصاً من جانب المنظومة الشمالية، إيران، والمنظومة الفلسطينية.

3- خطر تقليدي من جانب الجيوش النظامية في المنطقة التي تملك أسلحة متطورة.

4- أخطار شبه عسكرية وعصابية.

5- أخطار من جانب جهات معادية في المنطقة أو من جانب جهات دولية، ويشمل ذلك احتمال عمليات هائلة الترهيب.

6- انتفاضة، عصيان مدني.

وهناك إمكانية لتقاطع المخاطر في ضوء أن عدداً من تلك القائمة في البيئة الاستراتيجية يمكن أن تتعاظم، مثل:

1- خطر سقوط أنظمة عربية معتدلة بالترافق مع خطر امتلاك سلاح نووي، على شكل الخوف القائم حالياً إزاء باكستان.

2- خطر استعداد جهات متطرفة لتنفيذ عمليات ترهيب هائلة بالترافق مع تسرب سلاح غير تقليدي.

3- خطر تبلور دولة فلسطينية معادية بالترافق مع انتفاضة في أوساط عرب 48.

ويمكن قراءة الآثار العملانية لهذه الأخطار على نظرية الأمن الصهيونية، وتحديد الحاجة إلى الاستعداد لمواجهة في جبهة أوسع مع عناصر عصابية، ومع الدول التي تطور أسلحة غير تقليدية، ومع جهات في مناطق معادية لا وجود فيها لسلطة مركزية، من خلال تتبّع نتائجها المتوقعة على الاستخبارات الصهيونية، ومنها:

- شن حرب سرية في جبهة واسعة في ضوء طابع الأعداء وغياب المشروعية السياسية لاستخدام النار، فالعمل السري يسمح أيضاً بتقليص مخاطر التصعيد، رغم أن ذلك ليس مضموناً.

- تنفيذ عمليات جراحية معقدة في مناطق بعيدة.

- تنفيذ عمليات إحباط واسعة ضد الأعمال السرية والجرائم الاستراتيجية على الصعيد الداخلي.

- تطوير قدرات هجومية ودفاعية في الشبكة العنكبوتية كموضع قتال جديد في عصر المعلومات.

- توفير معلومات دقيقة وبكمية عالية لتجسيد القدرات النارية للجيش.

- توفير معلومات لتحقيق مصالح أمنية سياسية، مثلاً: ردع الأعداء عن الحرب وإحباط مشاريعهم عبر الكشف عن نواياهم، أو توفير معلومات استخبارية ضد أعداء يعملون تحت ستار من السرية والخداع للأسرة الدولية.

- المساعدة في الحرب على العقول بكشف المعلومات التي تؤثر في شرائح مختلفة بهدف المساعدة على تحقيق أهداف أمنية قومية.

- الخداع والحرب النفسية.

ويكشف خبراء الأمن الصهاينة أن الحربين الأخيرتين على لبنان 2006، وغزة 2008، عملت خلالهما الأجهزة الاستخبارية بتوازٍ دون تنسيق تام بينها، ويعزو البعض سببه للعلاقات الشخصية غير الودية بين رؤساء أجهزة الأمن الاستخبارية، وأهمها: الشاباك، أمان، الموساد، مركزاً على ضرورة التنسيق بين الأجهزة المذكورة لأهمية وجوده، وخطورة انعدامه.

ولتفادي أي إشكاليات مستقبلية، يقدم المسؤولون الأمنيون في أجهزة المخابرات الصهيونية بمختلف مسمياتها: الشاباك والموساد وأمان؛ نموذجين لهيئة عليا تشرف على الاستخبارات، وتنسق فيما بينها؛ نموذج أمريكي وآخر بريطاني، رغم وجود هيئة مشتركة لرؤساء «الشاباك» و«الموساد» والاستخبارات العسكرية، إلا أنها غير فاعلة في الوضع الراهن، لذا اقترح تأسيس هيئة عليا، سلطة تضم تحتها الأجهزة الاستخبارية كافة.

النجاحات والنكسات

مع العلم أن هناك اعترافاً صهيونياً بأن للأجهزة الاستخبارية مبنى تنظيمياً ضعيفاً لا يلائم متطلبات مواجهة التحديات الأمنية الجديدة في «إسرائيل»، أي أنه ليس هناك مركز للأجهزة أو رأس مدير، كما أن التغييرات الحاصلة في التهديدات الاستراتيجية، وتقدم التكنولوجيا، وسهولة الحصول عليها من قبل أطراف معادية؛ يصعّب ويجعل مهمة مواجهتها غير سهلة على جهاز استخباري واحد، بل يتطلب العمل معاً من قبل الأجهزة الاستخبارية، في ظل توقع زيادة قوة «القوى الإسلامية» في العالم والمنطقة، مقابل تراجع دور الولايات المتحدة الأمريكية.

ومن خلال استعراض تاريخ الاستخبارات الصهيونية، نجاحاتها ونكساتها، يمكن التطرّق إلى مهمات الأجهزة الاستخبارية في المستقبل، لا سيما على الأصعدة التالية:

1- التوجهات في البيئة العالمية: فالعولمة ماضية في تحديد وجه العالم في السنوات المقبلة، ومن أهم ميزاتها: تذليل الحدود بين الدول كحاجز لنقل المعلومات والبشر والتكنولوجيا والثروات، أي شرعية أقل لاستعمال القوة العسكرية مقابل استمرار مؤسسات دولية لعبت دوراً مهماً في المنظومة الدولية.

لكن هناك اتجاه معاكس للعولمة، وهو صعود قوى محلية في دول سلطة الحكم فيها ضعيفة، مثل: السلطة الفلسطينية، العراق، لبنان، وأفغانستان، معتبرة تلك المناطق بمثابة «وسادة» لنمو الأطراف المعادية لـ «إسرائيل».

2- التوجهات في البيئة الإقليمية: حيث قدر الباحث أن الصراع العربي الصهيوني سيستمر في تصدر الأجندة الأمنية والسياسية في «إسرائيل» ودول المنطقة كـ «صراع قومي وديني وثقافي»، في صلبه الصراع الصهيوني الفلسطيني.

أما على المسار السوري واللبناني، فرأى أنّ العقد المقبل سيشهد صعوداً وهبوطاً في المسار السياسي، في ظل أن غالبية الدول العربية أصبحت تقرّ وتسلم بقيام «إسرائيل»، إلا أنه لا يستبعد صعوداً في قوة القوى الممانعة للتسليم والاعتراف بوجود «إسرائيل».

3- التنظيمات الإسلامية المحلية والعالمية: قرّر الباحث أن هذه المنظمات، إلى جانب إيران، ستستمر في تحديد «إسرائيل» كعدو يجب تدميره، لا سيما أنّ إيران مرشحة للتدخل في مواجهة بين «إسرائيل» وسورية وحزب الله، كما أن سورية وحزب الله قد يتدخلان في مواجهة حربية بين «إسرائيل» وإيران.

وهنا لا بد أن نفنّد مسألة بدت كما لو كانت حقيقة بديهية لدى عديد من المحافل الإقليمية والدولية، خاصة المخابرات الصهيونية، حيث عكف المتحدّثون باسم الحكومة والبرلمان ووسائل الإعلام على امتداح الدور الكبير والحاسم الذي تقوم به الأجهزة الاستخبارية الصهيونية في الحروب التي تشنُّها «إسرائيل» للقضاء على أعدائها في الداخل والخارج.

ويشدِّد قادة الجيش على أنه لولا المعلومات الاستخبارية التي توفِّرها هذه الأجهزة، لما استطاع أن يحارب قوى المقاومة، ومن ثم فإن هناك تخوفاً صهيونياً من أن يحظى الحيز الأمني والاستخباري بنصيب وافر من المواجهة العسكرية القادمة، في أي من الجبهات الحربية المتوقعة، ما يعطي له تركيزاً ملحوظاً يزيد على ما سواه من الجوانب الأخرى العملياتية والميدانية.

:: مجلة البيان العدد 304 ذو الحجة 1433هـ، أكتوبر-نوفمبر 2012م.

أعلى