الاحتلال الأمريكي يدير المالكي وأتباعه

هذه الثورة نتيجة الظلم الواقع على الشعب العراقي وليست وسيلة لتخفيف الضغط عن الثوار في سورية كما يرى البعض.



تشهد المدن العراقية منذ عدة أسابيع ثورة عارمة ضد حكومة نوري المالكي، ومن عوامل وأسباب هذه الثورة الظلم المتراكم والاضطهاد المتواصل والفشل السياسي وانعدام الحد الأدنى لشروط الحياة البسيطة، وقبل ذلك رفض الاحتلال وتوابعه؛ كلها عوامل أسهمت في حصول ما حصل. أما بخصوص ما يردده البعض بأن الثورة لها علاقة بما يحدث في سورية، فإن هذه القضية لها حضور لكن ليست هي السبب الرئيسي في ذلك، فالجماهير العراقية لأول مرة يتاح لها الخروج والتظاهر من قبل السلطات المحلية في هذه المناطق؛ ولذا خرجوا بقوة للتعبير عما يعانونه متجاوزين الأمرين المذكورين إلى المطالب الأساسية والضرورية للجماهير الثائرة، التي لم يعد بينها شيء منهما.

هذه الثورة نتيجة الظلم الواقع على الشعب العراقي وليست وسيلة لتخفيف الضغط عن الثوار في سورية كما يرى البعض؛ فالعراقيون ثاروا لأسبابهم الخاصة التي سبق بيانها، ولكن بلا شك سيكون ذلك عامل تخفيف عن ثوار سورية ووسيلة إلهاء لنظام المالكي عن تقديم الدعم الكبير والمتواصل لنظام الحكم في سورية.

ورغم طائفية الحكم في العراق واضطهاد أهل السنة هناك، فإننا نرى أن الثورة شملت الكل بلا استثناء، ولا أعتقد أن يتحول الوضع في العراق إلى صراع طائفي؛ لأسباب عديدة ومعروفة لدى العارفين بالوضع العراقي، وأما الصراع المسلح فهو مرهون بتطور الأحداث وطريقة تعامل الحكومة مع المطالب الجماهيرية.

وقد اتضح جلياً أن الموضوع لا يتعلق بأهل السنة، وإنما بأصحاب خيار الخلاص من الأوضاع السياسية التي يعيشها العراقيون، وها هو خيارهم يتحقق على أرض الواقع متمثلاً في (مظاهراتهم واحتجاجاتهم) و(مطالبهم المعلنة)، بعيداً عن أدعياء السياسة من (السنة) الذين أسهموا في إرساء دعائم النظام السياسي الحالي بكل موبقاته وآثاره السيئة. ومن هذه الموبقات: الدعوات المشبوهة لتقسيم العراق تحت عنوان الفيدراليات، وهو مشروع أعداء العراق والأمة، ولا توجد مقارنة بين ما يدعون إليه من فيدراليات وبين الوضع في كردستان.

أما بخصوص دخول التيار الصدري في أحداث الثورة، فإنني أرى أن وراء ذلك توجهات سياسية خاصة، وإحساساً بالمتغيرات الجديدة في المنطقة، ومحاولة للاستفادة من المتغيرات الجديدة في العراق لغرض تحسين قواعد اللعبة السياسية وتحسين الصورة ما أمكن، وإلا فإنه شريك لغيره في سنّ هذه القوانين الجائرة، ولا يزال متمسكاً بها مثل قانون الاجتثاث ومادة (4) إرهاب.

وكما يرى أصحاب العقل والبيان، فإن أمريكا لم تخرج من العراق نهائياً، بل ما زالت موجودة فيه بطريقتها الخاصة، وما زال العراق خاضعاً للاحتلال بصورة رسمية وفقاً للبند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، كما أن الأيدي الأمريكية واضحة جداً في تسيير الأمور بالبلاد، فضلاً عن تواجد كمٍّ لا بأس به من قواتها في العراق، وعودة جزء من قواتها المقاتلة إليه في الأشهر الماضية. وستعمل الولايات المتحدة على العودة الظاهرة والمباشرة بالطريقة المناسبة لها ولمصالحها في العراق، اقتصادياً وسياسياً، إذا رأت أن العودة إليه لا تكلفها كثيراً.

كما نستهجن تجاهل الإعلام العربي لقضية الشعب العراقي وثورته، وهذا التجاهل ليس مستغرباً؛ فمعاناتنا مستمرة من هذا الإعلام، الذي إن كان سابقاً خاضعاً للطغاة فإن كثيراً منه المفروض أنه تحرر الآن وأصبح أكثر استقلالية في تعامله مع أحداث المنطقة؛ لكن أين هو الآن؟

ونرى أن مستقبل العراق - بإذن الله تعالى - أفضل مما مضى طيلة العشر سنوات الماضية؛ فهذه الأزمة هي محاولة لتصحيح الأوضاع في العراق وإعادته إلى وصفه الطبيعي والمأمول. وفي الختام نسأل الله السلامة للعراق وأهله، ولسورية وأهلها، ولكل المسلمين. 

:: مجلة البيان العدد 308 ربيع الآخر 1434هـ، مارس 2013م.

أعلى