نتائج الانتخابات الصهيونية على الفلسطينيين

انتهت الانتخابات الإسرائيلية التاسعة عشرة لعام 2013، وستوضع ملفات دسمة ثقيلة العيار على أجندة الحكومة القادمة، لكن الصراع الدائر مع الفلسطينيين يبدو الأكثر سخونة في ظل انسداد أفق التسوية بصورة غير مسبوقة.


انتهت الانتخابات الإسرائيلية التاسعة عشرة لعام 2013، وستوضع ملفات دسمة ثقيلة العيار على أجندة الحكومة القادمة، لكن الصراع الدائر مع الفلسطينيين يبدو الأكثر سخونة في ظل انسداد أفق التسوية بصورة غير مسبوقة.

محاورة حماس:

لم يعد سراً أن التعامل مع المستجد الفلسطيني الأكثر سخونة على الساحة الإسرائيلية، شكل القاسم المشترك الأكبر بين الأحزاب المتنافسة سابقاً، والفائزة لاحقاً، وبرز ذلك في دعايتها الانتخابية، لا سيما حزب «الليكود» الذي أخذ يزايد على غريمه الخاسر «كاديما»، واتهامه بالتساهل مع حماس.

وقال أحد رموز الليكود، رئيس لجنة الخارجية والأمن البرلمانية السابق ووزير المالية الحالي، «يوفال شتاينيتس»: حماس جزء من حركة الإخوان المسلمين العالمية، وهي كباقي الحركات الإسلامية؛ قد تتغير تكتيكياً وبصورة مؤقتة، لكنها لن تتخلى أبداً عن الأيديولوجية الكامنة في صلب جوهرها، لذلك لا يجوز لإسرائيل القبول بدولة حماس مسلحة بجانبها؛ لأنها ستكون في تحالف وثيق مع أعدائها خارج الحدود، حتى إن أظهرت زعامتها مرونة براغماتية في الطريق لهدفها النهائي المتمثل بتدمير إسرائيل.

ولعل الموقف الأكثر وضوحاً لحزب الليكود في التعامل مع حماس عبّر عنه «بنيامين نتنياهو» زعيمه الفائز بأقل مما كان يتوقع وفقاً للنتائج المعلنة، حين رأى أن صعود الحركة يشكل خطراً على الدولة؛ ففي غزة يتمثل الخطر بصعود «دويلة مسلحة» بقيادتها، وفي الضفة يتمثل الخطر بانهيار السلطة الفلسطينية، وإقامة دولة أخرى لحماس أكبر، تتبنى نموذج غزة، وتهدد القدس وتل أبيب.

في المقابل، فإن ما يطرحه اليمين، الفائز مجتمعاً بـ 61 صوتاً مقابل 59 للوسط واليسار؛ يختلف عما يتبناه حزب العمل تحديداً، الذي لم يعر انتباهاً كثيراً في اختلاف القيادة الفلسطينية، سواء كانت بزعامة فتح أو حماس، رغم تفضيله للأولى؛ لاعتقاده أن إسرائيل أعلنت شروطها للحوار مع أي زعامة فلسطينية، وهي: وقف العنف، تجريد المنظمات من سلاحها، الالتزام بالتعهدات والاتفاقيات الموقعة، الاعتراف بإسرائيل، وحذف البنود الداعية لإبادة إسرائيل الواردة في ميثاق حماس.

وأبدى الحزب عبر دعاية رئيسته الفائزة «شيلي يحيموفيتش»، مرونة ملحوظة بإمكانية محاورة حماس، مع التزام الأخيرة بالشروط السابقة، وإذا ما أعلنت الأخيرة التزاماً بذلك، يؤكد الحزب المرشح للدخول في ائتلاف حكومي متوقع، أنه لن يبقى من سبب يمنع اعتبار الحركة أهلاً للحوار في إطار مفاوضات تجرى في المستقبل.

ورغم أن حزب «الليكود - بيتنا» صاحب النصيب الأكبر من مقاعد الكنيست، يعتقد جازماً بعد أن خاض حرب غزة الأخيرة ضد حماس أن إسرائيل كسبت معركة، لكنها خسرت حرباً في صراعها الدائر مع الفلسطينيين، لكن عسكريين وأمنيين بارزين دخلوا اللعبة الانتخابية على مختلف القوائم الحزبية، ومن أبرزهم: «موشيه يعلون، عمرام ميتسناع، يعكوف بيري، وعمير بيرتس»، وغيرهم، أثبتوا هذه الحقيقة العملياتية عبر عقد مقارنة بين حرب إسرائيل ضد الفلسطينيين، والحرب الأمريكية ضد تنظيمات القاعدة، على النحو التالي:

1- تكتيكياً: جاءت إنجازات إسرائيل في مجالات الاستخبارات والدقة والحدِّ من الخسائر، أفضل من الولايات المتحدة وبريطانيا في أفغانستان، ونجحت في الوصول لصورة استخبارات جيدة إزاء حماس، بما فيها اغتيال وتصفية قياداتها السياسية والعسكرية، وآخرهم أحمد الجعبري، قائد كتائب القسام، وهو ما مُني فيه الأمريكيون بالفشل ضد القاعدة، باستثناء «ابن لادن».

2- استراتيجياً: خسرت القاعدة قواعدها في أفغانستان، وفقدت قدرتها على التجنيد وتعبئة وتدريب آلاف الشبان، وتعرضت ركيزتها السياسية المتمثلة في نظام طالبان للإزالة، فيما أقامت حماس في قطاع غزة قواعد تدريب علنية تدرب فيها آلاف المتطوعين، وصناعة صواريخ وتطوير أسلحة بصورة شبه علنية، وتعززت مكانتها السياسية نتيجة حربها الأخيرة، وظهورها كـ «منتصرة» أمام إسرائيل.

مستقبل المفاوضات:

على الصعيد السياسي مع السلطة الفلسطينية، فإن ما أعلنه «نتنياهو» في الآونة الأخيرة من عزمه الانسحاب داخل حدود الضفة الغربية من طرف واحد، ودون اتفاق مع السلطة، لفرض وقائع على الأرض ترسم حدود الدولة الفلسطينية القادمة؛ قد يصطدم بعقبة ائتلافه المتوقع، لا سيما إن كان يمينياً صرفاً، حيث يعتبر الضفة جزءاً من إسرائيل، واعتباره أن هذه الخطوة - إن تمت - ترسخ اعتقاد الفلسطينيين بأنها هروب إسرائيلي حتمي تحت ضربات القوى المسلحة!

ولذلك يعتقد زعماء اليمين الإسرائيلي الفائزون أن مواجهة الجماعات المسلحة، وعلى رأسها حماس، تأتي ضمن محاربة مكثفة يومية ومتطورة ومتقدمة، وكما أسماها «موفاز» وزير الدفاع الأسبق فإنها «سباق ماراثوني طويل، وليس عَدواً لمسافات قصيرة»، وقد تخطت إسرائيل العوائق التي وضعت في طريقها ممن يتربصون بها، وباتت من الدول المتصدرة للكفاح العالمي ضد تلك الجماعات، للدرجة التي دفعت «نتنياهو» مثلاً لأن يبارك العملية الفرنسية الأخيرة في مالي باعتبارها امتداداً لمحاربته حماس في الأراضي الفلسطينية!

وهنا تتزايد الاتهامات الموجهة للحكومات المتعاقبة برئاستي «أولمرت ونتنياهو» في إخفاقهما عن الرد على المقاومة الفلسطينية، لا سيما الصواريخ المتساقطة على المستوطنات المجاورة لقطاع غزة، والإشارة إلى أن خطأهما تمثل بأنهما لم تقوما، بموازاة بناء الجدار الأمني حول غزة عام 1994، ببناء جدار مشابه في الضفة، فهل يكون هذا على رأس المشاريع المتوقعة في الحكومة القادمة؟

أما حزب العمل – الذي استفاق انتخابياً بصورة غير متوقعة بعد أن شهد تراجعاً مريعاً في شعبيته خلال السنوات الأخيرة - فيتخذ لنفسه موقفاً وسطاً بين هذه الاتهامات المتبادلة بين الساسة والعسكر، ويرى أن النصر الميداني على الفلسطينيين لا يُقاس بالمرات التي احتل فيها الجيش مدن رام الله وجنين ونابلس، أو عمليات الإحباط التي قام بها الشاباك، بل يتجه في هذا المحور يساراً نحو مواقف «ميرتس» معترفاً بالخطأ الجسيم الذي ارتكبته إسرائيل في السنوات الأخيرة، سواءً بفهمها المغلوط للهدف السياسي، والاستخدام الخاطئ للقوة العسكرية.

في الوقت ذاته، تعتقد قطاعات واسعة في حزب العمل بالقاعدة العسكرية القائلة: «من يسعى لقتلك، سارع لقتله»! لتكون منطلقاً بعمل الجيش ضد الجماعات الفلسطينية المسلحة، وفي الوقت ذاته تستعيد مخططات آباء الحزب الأوائل «إسحق رابين وشمعون بيريس» من حيث الإسراع ببناء الجدار في الضفة، وإحداث فصل من خلال إقامة معابر على امتداده، وفتح الجسور والمعابر إلى الأردن ومصر، والامتناع قدر الإمكان عن إقامة حواجز ونقاط مراقبة وتفتيش بين التجمعات الفلسطينية.

أخيراً.. فإن بقاء حماس مسيطرة على قطاع غزة، وتقويتها أكثر فأكثر عسكرياً وسياسياً وإقليمياً، مقابل التراجع المتواصل للسلطة الفلسطينية، مالياً وسياسياً؛ قد يجعل الأحزاب الإسرائيلية في حالة تغيير متوقع لمواقفها المعلنة منها، إن بقي الحال على ما هو عليه، ومرهوناً بطبيعة الائتلاف المتوقع تشكيله الأسابيع القادمة.. لننتظر ونرى.

:: مجلة البيان العدد 308 ربيع الآخر 1434هـ، مارس 2013م.

 

أعلى