التفسير الإسلامي لنشوء الـلغـة ومواردها

تعدُّ مسألة نشوء اللغة من المسائل العويصة التي أشكلت على العقل البشري الذي ما زال يتأرجح بين اعتبارها اصطلاحية أو توقيفية، بصرف النظر عن انتمائه العقدي أو المفاهيمي.


1  - مقدمــة:

تعدُّ مسألة نشوء اللغة من المسائل العويصة التي أشكلت على العقل البشري الذي ما زال يتأرجح بين اعتبارها اصطلاحية أو توقيفية، بصرف النظر عن انتمائه العقدي أو المفاهيمي.

ولعل أهم الأسباب في هذا الاختلاف تعود إلى تنوع اللغات التي ينطق بها البشر وعدم وضوح بدايات ظهورها في ظل نظريات التطور والتحليل البنيوي التي أفرزتها المدارس الفكرية في عصرنا الراهن، أو التأويلات التي مارسها أئمة اللغة والتفسير والأصول والعقيدة عندما توجَّهوا صوب التعامل مع اللغة بوصفها أداةً لتبليغ الخطاب الإلهي ومورداً خصباً لتفسير دلالاته واستنباط الأحكام الشرعية بمختلف تجلياتها من خطابه المعجز.

وسنحاول في هذا المقام مراجعة الآراء التي طُرحت لمعالجة مسألة أصول اللغة في دائرة الفكر الإسلامي الذي يستمد نسقه المفاهيمي من موارد الشريعة الإسلامية، ودائرة الفكر المعاصر الذي يستمد نسقه المفاهيمي من المعالجات اللغوية والبنيوية الصرفة بعيداً عن دائرة الخطاب الديني الذي بات يُتعامل معه بوصفه عقبة مفاهيمية تحول دون انفتاحه على فهم الظواهر الكونية!

2 - أصول اللغة في الفكر الإسلامي:

اللغة مورد أساسي يستمد منه المسلم فهمه لفحوى الخطاب الإلهي، ويؤسِّس من خلالها مراتب الأحكام التكليفية التي فرضها الله عليه في محكم كتابه العزيز وسنة نبيه الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم.. من أجل هذا عُني المسلمون أيما عناية باللغة العربية، وسبروا مادتها، وقعَّدوا قواعدها؛ لتذليل توظيفها في عملية فهم الخطاب وسبر دلالاته.

وقد طُرحت مسألة أصول اللغة في أكثر من موضع في دائرة العلوم الإسلامية عندما عالج أئمة العلم اللغة بوصفها أداةً لفهم الخطاب وتأسيس دلالات مفرداته، حيث اصطلاحات العلوم التي يؤسسون معانيها وتعريفاتها.. لذا نجد هذه المسألة في كتب العقيدة، والتفسير، وأصول الفقه، وعلوم اللغة، وبمستويات معالجة متباينة: تمتد، وتنحسر، بحسب الدور الذي تمارسه هذه المسألة في تأصيل موارد المسائل المطروحة في هذا العلم وذاك.

وقد ذهب الأشعري، والجبائي، والكعبي، وأهل الظاهر؛ إلى أن اللغات كلها توقيفية، بمعنى أن الله تعالى خلق علماً ضرورياً بتلك الألفاظ وتلك المعاني، وأن تلك الألفاظ موضوعة إزاء المعاني، وعليه؛ فإن واضع اللغة هو الله تعالى، وإن الحصيلة اللغوية المتوافرة بين أيدينا مصدرها التلقي من جهة التوقيف الإلهي، وقد ربط مصدرها بالوحي، أو إن الله تعالى خلق الأصوات والحروف وأسمعها لواحد أو لجماعة فخلق لديهم العلم الضروري بها.

من جهة أخرى، ذهب جماعة من المتكلمين إلى أن اللغة وضعية تواضع على كلماتها واصطلاحاتها واحد أو جماعة انبعثت لديهم دواعٍ إلى وضع الألفاظ قبالة معانيها، ثم انتشرت الألفاظ بطريق الإشارة أو التكرار.. وقد استدل أصحاب هذا المذهب بقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم: ٤]، وعدُّوا ما جاء في هذه الآية دليلاً على تقدم اللغة على البعثة والتوقيف[1].

وقد ذهب القاضي أبو بكر ابن العربي، وابن جني، وآخرون، إلى أن كل واحد من هذه المذاهب ممكن بحيث لو فُرض وقوعه لم يلزم عنه محال لذاته، وأما وقوع بعضها دون بعضها الآخر فليس عليه دليل قاطع، والظنون متعارضة يمتنع معها المصير إلى التعيين.

3 - نشوء اللغة ومواردها في القرآن الكريم:

جاء القرآن الكريم بنسق مفاهيمي اتسم بتكامل عناصره ورسوخ معطياته التي جاءت من لدن حكيم خبير، وقد وردت الآية التي وصفت نشوء اللغة ضمن مشهد مفعم بأحداث مهمة على مستوى الحدث الكوني، حيث بدء خلق السموات والأرض، وتسوية خلق آدم من طين، والنفخة الإلهية في الجسد الذي أصبح صاحبه خليفة الله تعالى في الأرض.. وقد عجَّ هذا المشهد بمخلوقات عالم الأمر حيث السموات العلا، وحضر هذا المشهد الملائكة بجميع مراتبهم لشهود خلق آدم - عليه السلام.

ففي خضم دهشة الملائكة من الطبيعة الجديدة التي خلق الله تعالى منها المخلوق الإنساني من طين بدلاً من مادة النور التي تألَّفت منها هياكل الملائكة، والنار التي نشأ عنها هيكل إبليس وذريته، وذيوع خبر أن المخلوق الجديد سيكون خليفة في الأرض في عالم جديد هو عالم الشهادة، وعدم قدرة الملائكة الذين يأتمرون بصورة كلية للأمر الإلهي {لاَّ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: ٦]؛ في خضم هذه الأحداث الجسام علّم الله تعالى آدم - عليه السلام - اللغة لتترسخ حقيقة خلافته في الأرض، ولتغيب الدهشة عن الملائكة الذين أثقلتهم تفاصيل مشهد خلق آدم - عليه السلام - وتداعياته المتلاحقة بأمور جديدة.

لقد وصف الله تعالى في كتابه العزيز بدايات نشوء اللغة بقوله: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْـمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْـحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} [البقرة:31-33].

إن القراءة المتأنية لهذه الآيات المباركة تعرض لنا مجموعة من المشاهد التي تستدعي تأملاً عميقاً، وتحليلاً دقيقاً، للخطاب الإلهي في هذا الموقف العظيم:

المشهد الأول: الأمر الإلهي بجعل خليفة لله على الأرض لقوله تعالى: {وَإذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30].

المشهد الثاني: إن الله تعالى علّم آدم - عليه السلام - الأسماء كلها.

المشهد الثالث: عَرَضَ الأسماء على الملائكة ليؤكد عجزهم عن معرفة أسماء الموجودات دون توقيف مباشر من الله تعالى.

المشهد الرابع: اختبار آدم لتحديد قدرته على إنشاء مسميات للكائنات التي تعرض عليه دون أن تكون لديه معرفة مسبقة بهويتها.

لقد تعجب الملائكة في المشهد الأول من تسمية آدم خليفةً في الأرض بعد أن ربطوا ما يشوب الطين الذي سوّي منه جسده وما يحويه من كدورات تؤثر في إفساد السلوك، بالنور الذي خلقوا منه، حيث لا كدر، وحيث لا يسود كيانهم سوى التسبيح والتقديس لذات البارئ - عزَّ وجلَّ.

وجاء المشهد الثاني فمنح الله تعالى آدم منحة لم يمنحها لمخلوق سواه، فعلمه الأسماء، وتعريف لفظة الأسماء (في الآية الكريمة) يفيد بأن الله علّم آدم - عليه السلام - (علم إلهام) كل اسم؛ ما هو مسماه ومدلوله.

والأسماء في هذا المقام وردت بمعنى التسمية (فيكون من إطلاق اللفظ ويراد به مدلوله)[2]. فألهم آدم بهذا العلم وبعث في نفسه القدرة على وضع مسميات الأسماء، وجُعلت أمانة باقية تلازم وجوده الإنساني.

وعلى هذا الأساس كان التعليم الإلهي لآدم - عليه السلام - بإلقاء علم ضروري في نفسه بحيث يخطر في ذهنه اسم شيء عندما يعرض عليه، فيضع له اسماً يؤسس هويته الوجودية، وقد ترسخت هذه المنحة الإلهية بأنْ ألهمه وضع الأسماء للأشياء ليتمكن من التعامل معها (بوصفه خليفة لخالقه)، وجعله قادراً على وضع اللغة كما قال تعالى: {خَلَقَ الإنسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} [الرحمن: ٣ - ٤].

وكان المشهد الثالث اختباراً لمقدرة الملائكة على ممارسة الفعل ذاته، حيث عُرضت عليهم الأسماء (الموجودات) وأمرهم الله تعالى أن يبيِّنوا أسماءها[3]، فضجّوا معلنين عجزهم عن إطلاق اسم على مخلوق دون علم مسبق من الله تعالى: {سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا} [البقرة: ٢٣]، ثم إن كلامهم هذا يدل على أن علومهم محدودة غير قابلة للزيادة، فهي مقصورة على ما ألهمهم الله تعالى وما يأمرهم به، فللملائكة علم قبول المعاني لا علم استنباطها. وقد فوضوا الأمر لله تعالى في إعطاء هذه الموهبة لآدم - عليه السلام - (دون أن تشملهم العناية الإلهية بهذه الأعطية) عندما أقروا علم البارئ - عزَّ وجلَّ - بجميع مفردات الكون، وحكمته غير المتناهية في منح ما يشاء لمن يشاء، فقالوا: {إنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْـحَكِيمُ} [البقرة: ٢٣].

واختتم الأمر بالمشهد الرابع حيث إثبات استقرار أمر المنحة الإلهية لآدم، واختبار قدرته الفريدة على إنشاء الأسماء التي تطلق على الموجودات، والأشياء التي سينشئها في أثناء وجوده في العالم الأرضي وَفق حروف وألفاظ متناسقة.

قال ابن عاشور:[4] أيَّاً ما كانت كيفية التعليم فقد كان سبباً لتفضيل الإنسان على بقية أنواع جنسه بقوة النطق وإحداث الموضوعات اللغوية للتعبير عمَّا في الضمير. وكان ذلك أيضاً سبباً لتفاضل أفراد الإنسان بعضهم على بعض بما ينشأ عن النطق من استفادة المجهول من المعلوم، وهو مبدأ العلوم، فالإنسان لما خُلق ناطقاً معبِّراً عمَّا في ضميره، فقد خُلق مدركاً، أي عالماً، وقد خُلق معلماً، وهذا أصل نشأة العلوم والقوانين وتفاريعها؛ لأنك إذا نظرت إلى المعارف كلها وجدتها وضع أسماء لمسميات وتعريفَ معاني تلك الأسماء وتحديدها لتسهيل إيصال ما يحصل في الذهن إلى أذهان الآخرين.. وكلا الأمرين قد حُرِمه بقيةُ أنواع الحيوان، فلذلك لم تتفاضل أفراده إلا تفاضلاً ضعيفاً بحُسن الصورة أو قوة المنفعة أو قلة العجمة بلْهَ بقية الأجناس كالنبات والمعدن. وبهذا تعلم أن العبرة في تعليم الله تعالى آدم الأسماء حاصلةٌ سواء أكان الذي علَّمه إياه أسماءَ الموجودات يومئذٍ أم أسماء كل ما سيوجد، وسواء أكان ذلك بلغة واحدة هي التي ابتدأَ بها نطق البشر منذ ذلك التعليم أم كان بجميع اللغات التي ستنطق بها ذرياته من الأمم، وسواء أكانت الأسماء أسماء الذوات فقط أم أسماء المعاني والصفات، وسواء أكان المراد من الأسماء الألفاظَ الدالة على المعاني أم كل دال على شيء لفظاً كان أو غيره من خصائص الأشياء وصفاتها وأفعالها كما تقدم، إذ محاولة تحقيق ذلك لا طائل تحته في تفسير القرآن.

قلت: وفي هذه الآيات الكريمة دليل واضح على أن اللغة الإنسانية قد مُنحت لآدم - عليه السلام - في السموات العلا، وأن ألفاظها قد أُلهمت له فأضحت موهبة يتميَّز بها ابن آدم دون غيره من مخلوقات عالمـَي الأمر والشهادة.

وعلى هذا الأساس فإن جميع اللغات التي تحدَّث بها بنو آدم منذ بداية الخليقة، وما سيحصل فيها من تعديلات في المعنى أو المبنى؛ أصلها بتوقيف إلهامي.. وإن عملية التعليم التي تمت في عالم الأمر مجملة محتملة لكيفيات متعددة، وإن الإلهام الإلهي قد استوعب جميع المتغيرات الكونية فمنح الإنسان القدرة على التكيف مع جميع اكتشافاته، ونجح في توليد أسماء جديدة وأصوات تتناسب معها بعيداً عن جميع أشكال الفوضى المفاهيمية.

ويبقى أمامنا ضابط واحد تجاه التغيرات التي قد تحصل على اللغات وألفاظها يدور حول حُرمة قلب الألفاظ الشرعية، أو تغيير دلالاتها الشرعية، أما غيره فجائز ولا غبار عليه.


:: مجلة البيان العدد 308 ربيع الآخر 1434هـ، مارس 2013م.


[1] الإحكام في أصول الأحكام للآمدي، 1: 26.

[2] قال ابن عاشور في تحريره: لما كان مفهوم لفظ (اسم) من المفهومات الإضافية التي يتوقف تعقلها على تعقل غيرها، إذ الاسم لا يكون إلا لمسمى، كان ذكر الأسماء مشعراً لا محالة بالمسميات، فجاز للبليغ أن يعتمد على ذلك ويحذف لفظ المسميات إيجازاً.. انظر التحرير والتنوير، 1: 217 - 218.

[3] فائدة يمكن اقتناصها من أن ضمير النصب في عرضهم يعود على المسميات، وظاهره أنه للعقلاء، فيكون إذ ذاك المعنى بالأسماء أسماء العاقلين، أو يكون فيهم غير العقلاء، وغلب العقلاء بالخطاب لبيان علو مقامهم بالنسبة إلى غير العقلاء.

[4] تفسير التحرير والتنوير، 1: 218.

أعلى