• - الموافق2026/02/17م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
حضارية الإيمان  بما وراء الطبيعة  (الميتافيزيقيا) (رؤية مقتبسة من بعض الكتابات)

إلى أي مدى يُعدّ الإيمان بالغيب ركيزة بناء الإنسان المتوازن والأمة العادلة، بما يمنحه من رقابة ذاتية وسكينة داخلية، في حين يقود اختزال الحقيقة في العقل والتجربة إلى أزمة أخلاقية وحضارية كما يشهد الواقع الحديث؟


الحديث هنا ليس عن جوانب الإيمان بالغيب[1] وشُعَبِه المتعددة الكثيرة، وليس عن تفاصيل ماهية ما وراء الطبيعة (الميتافيزيقيا)، كما أنه ليس عن أقوال الفلاسفة وعلماء المادة حول محاولات إدراك ما وراء الطبيعة، وليس عن معالجة الشبهات والتشكيك بهذا النوع من جماليات الدين والإيمان ومعجزاته، فالعلوم المادية والتجريبية ووسائل المعرفة الحسية، ليست البوابة الأساسية للإيمان بالغيب أو بما وراء الطبيعة، فالعلم المادي عاجز عن معرفة حقيقة الغيب، التي تختلف اختلافًا جذريًّا عن القوانين الطبيعية المعروفة في الحياة الدنيا. والموضوع المهم هنا هو حضارية هذا الإيمان وجمالية آثاره؛ حيث الأثر الإيجابي لهذا الإيمان على حياة الإنسان والمجتمعات، ورقي الشعوب والأمم والدول في إنسانيتها وأمنها وسلامها وخيريتها، وتحقيق العدالة والتسامح فيما بينها. بهذا الإيمان بما وراء الطبيعة تتحقق الحضارية المُثلى من القِيَم والأخلاقيات للعلاقات فيما بين الأمم والمجتمعات، فضلًا عن أنها عقيدة وعبادة لدى المسلم؛ لأن ما ورد في الوحيين من القرآن والسنة عن الغيب، هو ما يُعطي الإنسان الحياة الآمنة المستقرة السعيدة بهذا الاعتقاد.

ومن أبرز جوانب الإيمان بالغيب: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر، والقَدَر خيره وشره، والإيمان بأن ما جاء به نبي الأمة محمد -صلى الله عليه وسلم- حقّ، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن الميزان حق، وأن الحساب حق، وأن الحوض حق، وأن الله يبعث مَن في القبور.

وقد قال الإمام الغزالي -رحمه الله- عن الإيمان بالغيب واستحالة تحقيقه من خلال العقل، أو المنطق والفلسفة: «إن الفلاسفة من عهد أرسطو إلى عهدنا هذا قد بنوا مذاهبهم في الإلهيات على ظنٍّ وتخمين، من غير تحقيق ويقين، ويستدلون على صدق علومهم الإلهية بظهور العلوم الحسابية والمنطقية، ويستدرجون بهذا ضعفاء العقول، ولو كانت علومهم الإلهية متقنة البراهين نقية عن التخمين كعلومهم الحسابية لما اختلفوا فيها، كما لم يختلفوا في الحسابية والمنطقية»[2].

ولكل هذه الاعتبارات يُهاجم الغزالي المنكرين لحقيقة ما وراء الطبيعة (الميتافيزيقا)؛ لأنهم قد بالغوا في إيمانهم بقدرة العقل على المعرفة بالغيبيات، حتى بسطوا سلطان العقل على الإلهيات نفسها، لقد أخطأوا في توسيعهم سلطان العقل بالفلسفة أكثر مما يمكن أن يتَّسع له من معارف، ولذلك انحرفوا عن الطريق المستقيم[3]

والحق أن مجال العقل ضيِّق، ولا يمكنه أن يتجاوز حدود هذا العالَم إلى العالَم الآخر، فهو لا يمكن أن يَعرِف بالتجربة العلمية ما ينفع أو يضرّ في الآخرة، ولا يمكن للعقل أن يهتدي إلى معرفة طبيعة الحياة ما بعد الموت؛ حيث لا يصل العقل إلى الإدراك إلا عن طريق التجربة، ولا مجال للتجربة في العالم الآخر[4]. فالقوانين الطبيعية مختلفة تمامًا بين عالَم الشهادة في الدنيا وعالَم الغيب فيما بعدها.  

وقصارى القول -فيما يرى الغزالي- أنه لا يمكن الاعتماد على العقل في إدراك ما وراء الطبيعة من أسرار، وإنما يجب الاعتماد في ذلك على الإيمان المطلق وحده. ومن هنا أراد الغزالي أن يهدم هذا الطريق، ولو كانت علومهم الإلهية مُتقنة البراهين نقيَّة عن التخمين كعلومهم الحسابية لَمَا اختلفوا فيها، كما لم يختلفوا في الحسابية والمنطقية بحسب ما ورد في كتابه «تهافت الفلاسفة»؛ وذلك لاختلاف آرائهم وتباين وجهات نظرهم؛ لا سيما فيما يتعلق بما وراء الطبيعة، ويُبيِّن لمن ظن أن مسالكهم نقية عن التناقض وجود تهافتهم ولبس مواقفهم. وأن العقل يمكنه أن يضع براهين وأدلة على إثبات قضية ما، وعلى نفيها في آنٍ واحد، كما هو الحال بالنسبة لتصوراته فيما وراء الطبيعة، فهو لا قدرة له على طَرْق هذا المجال وارتياد آفاقه؛ إذ لا يمكنه أن يَظْفر فيه بحقيقة، ولا يمكن أن نَزِن به أيّ مسألة تتعلق بالأمور الماورائية[5].  

أهمية وثمرات

المؤمنون بالغيب هم الذين يستحقون الأمن والسعادة، والراحة النفسية والطمأنينة في الدنيا والآخرة، أما عُبَّاد المادة من الكفار والملاحدة الذين لا يؤمنون إلا بالمحسوس والملموس، ولا هدف لهم سوى المادة والأنانية المسعورة، فإنهم هم الذين تشقى بهم الأرض، ويَفْقِد أهلها الأمن والراحة والكرامة والعيشة الراضية[6]. ولهذا فقد صنع هذا الإيمان بالغيب أُمَّة من خير الأمم، حينما كانوا أصلح الخلق، وأنفع وأرحم الخلق للخلق، أمة عدل وسلام مع شعوب الأرض، حينما هذَّب أخلاقهم إيمانهم بالغيب. 

وقد كتب «محمد علي النجار» حول أهمية الإيمان بالغيب الوارد في الآية الثانية والثالثة من سورة البقرة ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: 2- 3]، ومما قال: «أثنى الله -سبحانه- على عباده المتقين بجليل من الصفات، فقد ابتدأها بذِكْر أخصّ صفاتهم؛ ألا وهي الإيمان بالغيب، في تأكيد واضح على أن القرآن لن يكون هداية للواقفين مع عقلهم المادي فقط، متجاهلين ما انحصر به العقل البشري من إدراك الماديات والاستدلال بالمعقول على ما وراء المادة من غيب، والتأكد من صحة الأخبار وفهمها، وعدم قدرته على التدخل فيما وراء ذلك مما أثبته العقل ولم يُحِطْ به»[7]. فالإيمان بالغيب وبما وراء الطبيعة يُعدُّ فوق العقول المحدودة، أو خارج نطاق الحواس العاجزة عما وراء الطبيعة.   

كما كتب النجار كذلك عن مخاطر وجناية عقلنة الغيب بقوله: «إن من أكبر الفتن التي عصفت بالجيل المسلم اليوم محاولة عقلنة الغيب، لجعل كل مسألة منه في مَوضِع القبول أو الرد العقلي المطلق، خاصة أمور القَدَر، والثواب والعقاب الرباني للمسلم والكافر، لتبدو قريبة إلى الحس كقرب أيّ مسألة رياضية أو فيزيائية نتوصَّل بمقدمات بسيطة إلى نتائجها القطعية.

والواقع أن محاولة تكييف الغيب وعقلنته حتى يصبح كالمُشَاهَد، قد تخرج بالمؤمن من طور الإيمان الحقيقي بالغيب، لتصل به في مرحلة لاحقة إلى أن تتعارض لديه مبادئ إيمانه العقلي المجرد بمبادئ إيمانه بالغيب»[8].

كتبت «آلاء خضر» عن أهمية الإيمان بالغيب وصُوره المتعددة، ومما قالت: «إن أهمية الإيمان بالغيب جليلة للغاية؛ إذ الإيمان بالغيب هو الذي يُفرِّق بين الكافر والمؤمن؛ ويُفرِّق بين الإنسان والحيوان؛ فهو من الحقائق الكبرى التي يعيش عليها الإنسان المؤمن، وهو من أعظم مسائل وقضايا الاعتقاد والعمل، فأهل السُّنة والجماعة يؤمنون بالغيبِ وما جاءَ بالدليل الصحيح عنه، مما ورد في كتاب الله وسنة النبي -صلى الله عليه وسلم-. ويدخل في الإيمان بالغيب: الإيمان بالله تعالى وبصفاته وأسمائه، والإيمان بالأنبياء والرسل، والإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالقَدَر، والإيمان بالملائكة، فهو الأصل في اعتقادهم وتصديقهم؛ إذ يشتمل على أصول الإيمان العظيمة وأركانه»[9].

وقد أثنى الغربيون المُنْصِفُون على الإيمان بما وراء الطبيعة، وكتبوا عن مَخاطر غياب هذا النوع من الإيمان، الذي هو ركن من أركان إيمان المسلم، وكيف صَنَع هذا الإيمان القِيَم الحضارية لدى المسلمين، وممَّن تحدَّث عن هذا الموضوع الأمير البريطاني تشارلز فقال: ««حافظ [الإسلام] على نظرة ميتافيزيقية وموحِّدة لأنفسنا والعالم من حولنا، التي فقدها الغرب بعد الثورة العلمية»[10].

الإيمان بالغيب وأثره الحضاري

ورد حول حضارية هذا الإيمان وأثره في التصور والسلوك للإنسان، من خلال الشعور برقابة الله تعالى على جميع حركات الإنسان وسكناته، أنه مما يبعث الشعور بالتكريم الإلهي، والشعور بالطمأنينة والأنس والسعادة والرضا بالإيمان بالقدر خيره وشرِّه، وهو ما يدفع الإنسان إلى الصبر بدل اليأس، والصلابة النفسية بدل هشاشتها، ثم إعطاء الحياة الدنيا معنًى إيجابيًّا من خلال استشعار بشرية الإنسان ووحدة خالقه.

ولهذا الإيمان أثر على مستوى السلوك والممارسة لدى المسلم؛ حيث تنفيذ الأوامر واجتناب النواهي، والتخلُّص من العجز والكسل وتحقيق الفاعلية في المجتمع. ثم إعطاء الحياة قيمة سامية بفعل حبّ الخير للنفس وللآخرين، وبكل ما يدفع إلى الاستقرار والسلم الاجتماعي والدولي، وهذا ما يُعزِّز الإنتاجية والتنمية والتحضّر والمدنية. وكل تكذيب بهذا الغيب، يجعل الإنسان يعيش في خوف من الموت، وبالتالي يكون في همٍّ وحزن، وجَشَع وطمع، وضَجَر عند المصيبة، وفجور عند النعم[11].

وحول الأثر والنتيجة لهذا الإيمان، كتب الشيخ عبدالرحمن الدوسري -رحمه الله- عن الإيمان بما وراء الطبيعة (الميتافيزيقيا)، وأوضح أثره الكبير على حياة الإنسان، وحياة الأمم والمجتمعات؛ حيث يصنع الحضارية الحقة، ومما قاله تفسيرًا وتعليقًا حول الآية الثالثة من سورة البقرة ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: 3]: «الإيمان بالغيب يجعل من ضمير الإنسان رقيبًا باطنيًّا، يُراقبه في كل عمل، ويُخوِّفه من عقوبات الله. فالمؤمن بالغيب -على الحقيقة- هو الذي يَستشعر دائمًا مَشاهد القيامة، وكل ما يرى في الدنيا من صنوف اللذات والنعيم يُذكِّر به نعيم الجنة، الذي هو خير منه وأبقى، فيبادر إلى الأعمال الصالحة، ويكون إنسانًا صالحًا، وكل ما يرى في الدنيا من أصناف الشرور وحرّ النار؛ يَذْكر به عذاب جهنم، وشدة حرها، فيرتدع عن الشهوات ويكبح نفسه عن جماحها، ولا يُطلق لها أنانيتها، من أنواع الطمع والشره في مال أو عرض، أو أيّ نوع من أنواع التسلط والاغتصاب»[12].

وحول هذا الجانب المُهِمّ، وهو أثر هذا الإيمان على حضارية الإنسان في الدنيا، كَتَبَ «النجار» فقال: «إن الإيمان بالغيب يحجز الإنسان عن ارتكاب الكثير من المساوئ؛ لأنه يعلم أن الله مُطَّلع عليه في حركاته وسكناته، وأنّ بعد كل عمل سؤالًا وجوابًا ومكافأةً وعقابًا. كما أن الإيمان بما أخبرنا الله به يمنح الإنسان شعورًا تامًّا بالطمأنينة، ويُلهمه الصبر، ويحفظه من اليأس، بينما يفتقد الملحد كل ذلك»[13].

ومما كتبت «آلاء خضر» عن آثار الإيمان بالغيب على النفس وطمأنينتها وسكينتها وسعادتها: إنّ للإيمان بالغيبِ فوائدَ وآثارًا تعود على الفرد المسلم في كافة شؤون حياته؛ من أهمّها:

الاستشعار الدائم من المسلم بمراقبة الله -عزّ وجلّ- له في كل سكناته وحركاته، وذلك مما يزيده خوفًا وخشيةً فلا يظلم نفسه أو غيره.

الالتزام والاستقامة على دين الله -عزّ وجلّ-؛ وتحقيق صلاح العمل والسلوك، وذلك بتنفيذ أوامره واجتناب نواهِيه.

الإيمان بالقضاء والقدَر الغيبي يدفع إلى الإحساس بالأمن والأنس، وزيادة الراحة الطمأنينة؛ وهي نِتاج الصبر وعدم اليأس والجزع[14].  

ومن آثار ثمرات الإيمان بالغيب: أنه يصنع الشعور الإيجابي الفاعل في الحياة، واليقين بالآخرة، فلا تقوم الحواجز الحسية بين الأرواح وصانعها، ولا بين الأرواح وما وراء الحس والطبيعة من حقائق وخلائق وموجودات، كما أن الإيمان بالغيب وبما وراء الطبيعة هو الذي يجعل الإنسان إنسانًا، فيسمو عن الحياة الحيوانية إلى العيش في الكون الكبير الواسع، وأن وراء هذا الكون ما هو أكبر منه، وهو صانعه -سبحانه وتعالى- الذي لا تدركه الأبصار، ولا تحيط به العقول، ولا ترسمه الحواس؛ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11].

وآثار الإيمان بالغيب كبيرة على سلوك الفرد والمجتمع وحضاريتهما؛ فصاحب الإيمان بالغيب يعيش سعيدًا في زمن كثر فيه الشقاء؛ وينعم بالأمان في وقتٍ كثر فيه الخوف؛ لأنه يمتلك ما يتجاوز به تحديات الحياة، ومن هذه الآثار ما يشعر به الفرد من مراقبة الله تعالى له، وأنّ الله مُطَّلعٌ على جميع أفعاله؛ صغيرها وكبيرها؛ كما قال تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: 7]؛ فهو يستشعر معية الله معه في كل حين؛ فإنّ هذه المعية تدفعه إلى المسارعة إلى الطاعات والخيرات وصنائع المعروف مع مجتمعه، فلا ظلم للنفس أو عدوان على الآخرين. ومعية الله مما يجعل المؤمن يستحيي مِن فِعْل كل ضارّ بحقّه أو بحقّ مجتمعه.

ومن الآثار الكبرى للإيمان بالغيب: الشعور بمراقبة الله -عز وجل- في كل قولٍ أو فعلٍ. فالله عالمٌ بكل حركةٍ يتحرَّك بها الإنسان، سواءٌ بفعل الطاعات أو اجتناب المعاصي، وينعكس أثر هذا الإيمان بالغيب على طمأنينة النفس وراحة القلب والعقل، فالنفس المطمئنة وصفها الله -عز وجل- في القرآن بالإيمان بالغيب؛ حيث المؤمن يؤمن بأمور لم يدركها بحواسه، ولم يرها ولم يسمعها، كقصص الأنبياء والمرسلين، فهي غيبٌ لم يدركه النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولا قومه، وصفات الله -عز وجل- هي أمورٌ غيبيةٌ لا تُدرك بالعقل كذلك.

 وهكذا يكون اليقين الغيبي بأن الله -جل جلاله- يراه، وأن الملائكة تُسجِّل كل ما يفعله من خيرٍ أو شر؛ كما قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18]. والإيمان بالقَدَر يُعدُّ من الإيمان بالغيب وبما وراء الطبيعة، وهذا الإيمان يجعل الفرد لا يرجو سوى الله، ولا يلتجئ إلا إليه، فلا ينتحر ولا يقتل غيره. وهذا الإيمان الغيبي، يجعل المؤمن ثابتًا على طاعات ربه، صابرًا أمام المِحَن، وثابتًا في كل حال من السراء والضراء.    

إن آثار الإيمان الغيبي وثمراته لا يمكن حصرها؛ فهي مما يَصنع مجتمعات وأُممًا ودولًا تتحلَّى بحضارية الصلاح والتعاون والتآخي والرحمة؛ حيث انتشار فِعْل الخيرات وترك الشرور والمنكرات، والحكم بعدالة شريعة الإسلام، والابتعاد عن الظلم والأحكام الجائرة بحق البشرية. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ والوفاء بالعهود والمواثيق فيما بين المجتمعات والدول، كما أن هذا الإيمان يُقوِّي الأمانة في المعاملات بين الأفراد والمجتمعات والأمم، ويكون التحلّي بأخلاق وقِيَم البر والإحسان، وكريم الصفات وأجَلِّها. وبالإيمان بالغيب وما عند الله من خير لمن أطاعه، تكون محبة المسلم لإخوانه المؤمنين، والعدل مع الكفار وعدم العدوان عليهم. وبهذا الإيمان يكون تقديم العون والعطاء وكل ما بوُسْعه لكل فقير ومسكين؛ لاستشعاره معنَى أن المسلمين كالجسد الواحد؛ قال -صلى الله عليه وسلم-: «مَثَلُ المُؤْمِنِينَ في تَوادِّهِمْ، وتَراحُمِهِمْ، وتَعاطُفِهِمْ مَثَلُ الجَسَدِ إذا اشْتَكَى منه عُضْوٌ تَداعَى له سائِرُ الجَسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى» [صحيح مسلم: 2586]، وكل هذا من أثر الإيمان الغيبي وحضاريته.

ولهذا فالنفس التي لا تؤمن بالغيب، وتُنكِر عذاب القبر والبعث، والجنة والنار، هي المُحبَطة المترددة، والقلقة الحائرة، وهذه النفس التي لا تؤمن بالغيب، هي أقرب للكفر من الإيمان ولِضَنكِ الحياة وشقائها، بل إن التزكية لا تكون من الله -عز وجل- إلا للمؤمنين بما وراء هذه الحياة الدنيا من الأمور الغيبية، وهذا الإيمان بما وراء الطبيعة، يُمثّل قمة الانتصار على الذات النفسية وَرِقّ الهوى وأَسْره، ليعيش الإنسان الفضل والحرية الحقيقية والرحمة من الله، والمؤمن بالله وبالغيب وبالقضاء والقدر هو مَن يجلب تزكية النفس وإسعادها لنفسه، كما قال -سبحانه وتعالى-: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: 21]، وكما قال تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 9-10][15].

وفي المقابل، فغياب الإيمان بالغيب، يُفْقِد الأمن النفسي والمجتمعي في الحياة الدنيا؛ حيث جميع الخلافات والنزاعات سببها الرئيس عدم الإيمان بالغيب، وهو ما أدَّى ويؤدي إلى الصراعات والحروب، وفساد القلوب والشعوب، فغياب هذا الإيمان لدى الأفراد والمجتمعات لا تُعوِّضه القوانين الصارمة والنُّظم القوية في تحقيق الأمن النفسي والاجتماعي، مما هو ملموس عند حالات اختلال الأمن لدى دول المدنية المادية الغربية على سبيل المثال. فالإيمان بالغيب هو ما يُبْعِد النفس الإنسانية عن الأنانية والنفعية والانتهازية التي تُدمِّر الحياة والعلاقات الأُسرية والمجتمعية والدولية، فضلًا عن التحضُّر والحضارة.   

كَتَبَ الشيخ عبدالرحمن الدوسري -رحمه الله- في تفسير الآية الثانية والثالثة من سورة البقرة ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ *  الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: 2- 3]؛ فقال: «إن غياب هذا النوع من الإيمان المرتبط بالغيب وبما وراء الطبيعة، قد أدَّى إلى هيمنة الماديين الذين شَقِيَ أهل الأرض من جراء أنانياتهم، وجَرُّوا على الإنسانية ويلات الحروب الفتاكة، والذين بسببهم تجري عدة حروب طاحنة في قرن واحد، كالحربين الماضيتين وغيرهما، وكالحروب المقبلة التي يُصنع لها كل سلاح فتاك ستتجرع الإنسانية ويلاته! فالإنسان خُلِقَ ظلومًا بعقل محدود في الغاية من وجوده في الدنيا، لا يرفعه من جهله ولا يردعه عن ظلمه إلا التقوى الصحيحة الناشئة عن الإيمان بالغيب».

 الفلسفة والإيمان في كتابات هوفمان:  

من خلال القراءة والتأمل فيما دَوَّنه المفكر الألماني مراد هوفمان في كتابه «يوميات ألماني مسلم»، يتَّضح أن السبب الرئيس لانحراف الغرب عن ديانتهم النصرانية، هو ذاته السبب الرئيس الذي ساق هوفمان للإسلام. فالغرب الذي كَفَر بدينه النصراني، جاء من نتاج بَحْثه المادي والعقلي البشري والفلسفي عن الحقيقة بصورة محسوسة ملموسة بسبب تقديسه للعلوم الطبيعية! لكن ما هَدَى هوفمان، هو أن جعل وسيلة الإيمان بالله ليست العلوم المادية ولا وسائل المحسوس والملموس ولا علم الفلسفة، وإنما هو التسليم المطلق لله رب العالمين، وتجاوز الإرهاب العلمي، ونَبْذ جدلية الفلسفة التي كرَّر القول عنها بأنها ليست الطريق الصحيح للوصول إلى الحقيقة؛ لأن العقل البشري غير قادر إطلاقًا على الحصول على حقيقة الكون والحياة والإنسان، واستدل بقول الإمام الغزالي -رحمه الله- بعد طول عناء مع الفلسفة بأنها «طريق مسدود» لمعرفة الحقيقة.   

ويقول هوفمان عن الحواس البشرية: إنها لا تنقل سوى السطح، فهي فقط قابلة للقياس الكمي! وهو يرى أن قبول الوحي والاعتراف بالنبي محمد -صلى الله عليه وسلم- أو الأنبياء، ليس قرارًا معرفيًّا أو فلسفيًّا! لكنه قرار إيمان وتسليم لله وحده! وعن هذا ونحوه يقول: «أدركتُ فجأة بإحساسي الدفين، أن حدود ما يمكن أن نعرفه ليست حدود الحقيقة، وهذا هو القرار الذي دفعني إلى الإيمان... وهكذا فقد اخترتُ بوحي من فكري وعقلي وطائعًا مختارًا، أن أُسْلِمَ أمري وفكري وعقلي إلى الحقيقة الكبرى التي أشعر بأنني ذرة صغيرة منها وأسلمتُ لله رب العالمين: الله أكبر كبيرًا، وهو أكبر مما يمكن أن نتصور. وإنني إذ أقول ما قلت، لا أريد أن أقود أيّ شخص إلى منزلق شديد الزلل لتعريف الله -عز وجل-، فإذا استطعنا تعداد أسماء الله الحسنى وصفاته التسعة والتسعين، فإننا لن نستطيع وصفه -سبحانه وتعالى- بلُغتنا البشرية القاصرة المحدودة؛ إذ إنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وكما أننا محدودون بمفرداتنا ومصطلحاتنا اللغوية، فإننا لا نستطيع حتى بما نقرؤه من كلام الله، أن نُعبِّر عن ذاته العظيمة التي ليس كمثلها شيء. ولو أنني قلت المزيد لانتقصتُ من قدر الموضوع».[16] 

وحول غياب الإيمان بالغيب وما وراء الطبيعة وآثاره لدى بعض الأمم الأخرى -كما هو حال الغرب المادي المعاصر-؛ كتب هوفمان عن وهم الحداثة ونَبْذ الدين وما فيه من إيمانٍ بالغيب، وما ترتب على هذا من فقدان الحياة السعيدة لدى الغرب؛ بسبب غياب هذا النوع من الإيمان، ومما قال: «إن جذور الأزمة الأخلاقية الحالية في الغرب تعود إلى 250 عامًا مضت. فإن عملية الشفاء منها تبدأ بنقد جذري لعقلانية الحداثة، وما خَلَقَته من دين بديل. فلن يكون هناك أمل في الشفاء إلا إذا نجحنا في تحرير الغرب من وهم الحداثة التي تحكمه؛ لأننا في هذه الحالة فقط ننجح في وقف عملية التسميم الذاتي العقلاني، التي يُمارسها الغرب ليتمكن من إعادة صلته بالغيبيات، وأن يستعيد المقدس والإلهي مكانته في دائرة اهتمامه، ويكون هذا أمام عينيه»[17].   

وهوفمان وهو يُشخِّص هذه المعضلة لدى الغرب نتيجة إقصاء الدين والإيمان بالغيب، يتمم كلامه عن العلاج والحل الجذري لواقع الغرب بقوله: «إذًا فالأمر يتطلب إعادة الاعتبار للدين كرد فعل عقلاني على حاجة الإنسانية، التي لا بد أن تبدأ بوضع العلوم التطبيقية في مكانها، وليس كبديل عن الدين... إنني أثق في قدرة الإسلام على النجاح في أن يَستبدِل بالنموذج القائم نموذجه القادر على تجاوز فشل الحداثة (وذلك بالرغم من القصور بين أتباعه)»[18].    

والمهم في هذا أن الفلسفة وعلم الكلام والمنطق كلها ليست طريقًا صحيحًا للإيمان بالله والإيمان بحقيقة ما وراء المادة والطبيعة، بل إن الإيمان بالله لا يلزم له برهان فلسفي. وهذا ما يستوجب التسليم المطلق لله في الخلق والتكليف بالعبادة والطاعة. وفي موضوعات الحداثة التي تناولها المفكر الألماني هوفمان[19] كثير من اللفتات العلمية التي تُضيف أبعادًا أخرى حول الفلسفة والشك والعقل والنص والإيمان.


 


[1] الغيب: لغة: هو كل ما غاب عن الحواس، واصطلاحًا: هو ما استأثر الله بعلمه ولم يُطلع عليه أحدًا إلا مَن ارتضى من رسله؛ قال الله تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا} [الجن: 26 -27].

[2] الإمام الغزالي، تهافت الفلاسفة: ص76-77.

[3] بتصرف يسير: إبراهيم طلبة، موقف الإمام الغزالي من الميتافيزيقا، موقع فيلوبوريس، على الرابط التالي:

http://www.philopress.net/2014/12/blog-post20.html  

[4] بتصرف يسير: المرجع السابق.

[5] بتصرف يسير حول هذه الرؤية للغزالي: إبراهيم طلبة، موقف الإمام الغزالي من الميتافيزيقا، موقع فيلوبوريس، الرابط التالي:

http://www.philopress.net/2014/12/blog-post20.html  

[6] بتصرف: عبدالرحمن بن محمد الدوسري، صفوة الآثار والمفاهيم من تفسير القرآن العظيم، ص8.

[7] محمد علي النجار، مقال بعنوان: (الإيمان بالغيب.. كيف يكون؟) مجلة مقاربات، العدد 10، ص96، الرابط التالي: https://bit.ly/44IGBcq  

[8] المرجع السابق.

[9] آلاء خضر ، مقال بعنوان: (الإيمان بالغيب)، موقع ركن المسلم، بتاريخ 08 سبتمبر 2021م، الرابط التالي:

https://bit.ly/3VW2QYv  

[10] الجزيرة نت، بعنوان (الملك تشارلز الثالث قال خمسة أشياء مهمة عن الإسلام والمسلمين... ما هي؟)، بتاريخ 13 سبتمبر 2022م، الرابط التالي:

 https://bit.ly/401qqnW  

[11] بتصرف: الإيمان والغيب - ملخص الدرس، الرابط التالي:

 https://www.alloschool.com/element /78439

[12] عبدالرحمن بن محمد الدوسري، صفوة الآثار والمفاهيم من تفسير القرآن العظيم، مجلد2، ط1، الرياض: دار المغني، 1425هـ (2004م)، ص7.

[13] محمد علي النجار، مقال بعنوان: (الإيمان بالغيب.. كيف يكون؟) مجلة مقاربات، العدد 10، ص98، الرابط التالي: https://bit.ly/44IGBcq  

[14] بتصرف يسير: آلاء خضر، مقال بعنوان: (الإيمان بالغيب)، موقع ركن المسلم، بتاريخ  08 سبتمبر 2021م، الرابط التالي: https://bit.ly/3VW2QYv

[15] انظر عن هذا الموضوع: مقال بعنوان: (آثار الإيمان بالغيب على النفس)، موقع موضوع، الرابط التالي: https://bit.ly/3VX6nG8  .

[16] مراد هوفمان، الرحلة إلى الإسلام، يوميات دبلوماسي ألماني، ص119.

[17] مراد هوفمان، الإسلام في الألفية الثالثة: ديانة في صعود، ص286.

[18] المرجع السابق، ص286، 287.

[19] انظر رؤية هوفمان عن الحداثة: كتاب (المفكر الألماني مراد ويلفرد هوفمان -رؤيته في احتضار الغرب! وصعود الإسلام!)، ص331-342، وانظر: مجلة البيان، مقال بعنوان: (قراءة في كتب هوفمان حول رؤيته في الحداثة وأثرها في أفول الغرب)، العدد 414، بتاريخ 8 سبتمبر 2021م.

 

 

أعلى