حين تتكحَّل العيون بأنوار بيت الله الحرام لدى الشاعر الأردنيِّ غازي الجمل(رحمه الله)

حين تتكحَّل العيون بأنوار بيت الله الحرام لدى الشاعر الأردنيِّ غازي الجمل(رحمه الله)


تفيض شعائر الحجِّ على المسلمين كلَّ عامٍ بأريج أزهارها، وتَشِعُّ بأنوارها وبياضها على الحاجِّين الطـائفين بالبيت العتيق، وتظـلُّ القلوب تهوي للبيت الحرام من كل فجٍّ وصوب؛ إذ تهتزُّ النفوس لهذه المشاعر محلَّاة بالأذكار، مباهية الملائكة الكرام. أمَّا شعرنا الإسلامي فله وقفات ندية عذبة، وأشواق عميقة لبيت الله الحرام، وهذا شاعرنا الأردني الإسلامي (غازي الجمل) رحمه الله يقطف لنا موعداً مورقاً عند الكعبة الغرَّاء في قصيدة له بعنوان: (أشواق قلب) قالها بعد رجوع مواكب الحجيج سالمين بفضل الله وتوفيقه:

دعوا عيني تَقَرُّ بكم... دَعُوني

ومِن أنوارِ مكةَ كــحِّـلـونِـي

فرسمُ الكعبةِ الغرَّاء باقٍ

بأعيُنِكُم يَشِعُّ فصـــدِّقوني

فهاتُوا  لي  شُعاعاً من ضِياه

ومِن أنوارِها  لا  تحرِمُوني

 بدأ الشاعر قصيدته بمطلع فيه قدرة جليَّة على استحضار الموقف والبوح بمناجاة رهيفة مشعَّة بالكثير من المعاني. كما جاءت القصيدة على البحر الوافر، وهو بحر عذب وجميل في إيقاعه وأواصره الداخلية، كما أنَّ الخطاب الشعري لدى الشاعر لم يكن خطاباً فرديّاً يبثُّ لواعج روحية ذاتية فقط. ولكن جاء خطاباً يقتنص فضاءه من محاريب الجماعة، ليحاورها قابضاً على أشواقها، وهو ما وهب قصيدته زخماً وجدانياً وفنياً معبِّراً عن جلال الموقف، وقدسيَّة المكان من خلال المزج الموفَّق بين الضمائر: (أنتم = الحجاج) (أنا = الشاعر) (هي = الكعبة) ومن هنا نستطيع تحليل هذه الموازنة التعبيريَّة، التي تقوم القصيدة أساساً على علاقتها التركيبية في مستواها النحوي واللغوي: (دعوا - بكم ، كحِّلوني - بأعينكم ، هاتوا ـ  ضياها، لا تحرموني - أنوارها، فلتسعفوني - ترياقها...) وهكذا تبثُّ القصيدة مزيداً من المشاركة الانفعالية والفكرية بين الشاعر وحُجَّاج بيت الله الحرام، ونقرأ كذلك: (مُدُّوا - بيمناكم - يميني، لامستم - قلبي، كنتم - حبي، صدِّقوني - ديني...) ويمضي الشاعر في هذه المزاوجة، وهي لم تكن كذلك لولا هذه الأحاسيس الروحيَّة الموغلة الشامخة في حبِّ الله، والاشتياق لتعظيم فرائضه وشعائره:

أَيَا مَن طوَّفوا في البيتِ شوقاً

ولُذْتم في حمى البلدِ الأمينِ 

 ومِنْ رَقْراق زمزمَ قد رويتُم

 تَضَلَّعتم به ونَسيتُمُـونِي

فهاتوا لي بزمزم شُرْبَ ريٍّ

ومِن تريـاقها فَلْتُسعفُونِي

 فَمَا يقوَى على ظمأٍ فؤادِي

وَجَمْرُ الحبِّ يُلهِبُ بالحنينِ

 أفيضُوها  يَلَذُّ بها  فُؤادي

ويَقْطُر من لآلِئِهَا جبينِي

ينزل الحجاج إلى حمى البيت العتيق، تلفُّهم مشاعر الحب والشوق إلى البلد الأمين، وإلى أيام الله المباركة، وإلى زمزم وكل روائها وشفائها الذي يفيض عليهم، وفي نفس الشاعر حنين وظمأ إلى ماء زمزم؛ لعله يطفئ لهيب أشواقه وظمأ قلبه، ثم ينقلنا شاعرنا الإسلامي الأردني (غازي الجمل) إلى مشاهد أخرى مثل مشهد الإحرام في ملابس بيضاء طاهرة ومشهد تقبيل الحجر الأسود، فيصف ذلك بكل دقَّة ورِقَّة:

وفي حُلَلِ البياضِ لبستُمُوها

شفَى عيني مِنَ الدَّمعِ الهَتُونِ

أَلَامَستُم جَنَابَ الرَّكْب فيها

وكنتُم منه في رُكْنٍ ركينِ؟

فمدُّوا لي بأيدٍ لامسَــــــــته

عسى تَحظَى بيمنــاكُم يَـــمـينِي

وهل مسَّت شفاهُكُم بــحقٍّ

 مـكاناً مـسَّه ثَـغْر الأمـيـــــــــنِ؟

 أمِ العُشاقُ موجٌ إثْرَ مـوج ٍ

فأومأتُم إلى الحَـجَر المــصونِ؟

في شعر (غازي الجمل) تفيض الجُمَل سلاسةً وعذوبةً، لكنها العذوبة العميقة التي تأخذنا إلى هناك، إلى أركان الكعبة المشرَّفة، وتمدُّنا بمَعِينٍ لا ينضب من المعاني، ليستقرئ التاريخ وأمجاد الماضي، والحنين لسنَّة المصطفى عليه الصلاة والسلام، ومع هذا نرى بعض العبارات الزائدة التي تعدُّ «حشواً» لا ضرورة لها مثل قوله:

ألامستم جناب الركن فيــها

وكنــــتم منه في ركن ركين؟

فالشطر الثاني زائد لا قيمة له بوجود الملامسة في الشطر الأول؛ فما الفائدة من قوله: «وكنتم منه في ركن ركين» وهناك عبارات مشابهة أخرى في القصيدة، ولم يغب التاريخ عن الشاعر بكل مواجعه وأشجانه:

أهَاجَرُ! كم صبرتِ على بلايا

بوادٍ غيرِ ذي زرعٍ ضـــنــينِ!

وكـم كابرتِ مِنْ عَطَشٍ تلظَّى

وطـفلُك رافضٌ غمْضَ العيونِ!

وسعياً في سَرابِ البيدِ سَبعاً

وهزَّ الموتُ بالحبْل الوتـــينِ

وإذ  جبريلُ هزَّ الأرضَ هزّاً

ففجَّرها بمـــــاءٍ مـن مَعْــــينِ

ولعلَّ في شعر غازي الجمل من الدلالات ما يجعله واحة مزهرة لشفاء ظمأ التائبين العابدين! الرُّكع السجود، ومن ذلك ما نجده في حواره للمكان وتشخيصه ليلقي ظلالاً وارفة عليه، توقظ فينا فيضاً من المشاعر الوجدانية الروحية، فيغدو (جبل عرفات) مشهداً ناطقاً مُحْرِماً وضَّاء الجبين، مع زمرة من زمر الإيمان والتُّقى من حُجَّاج بيت الله الحرام:

ويـــا عرفاتُ يا جبلاً  تبــاهى

بأثوابِ البياضِ على الحـــزونِ

كأنكَ مُحـْــــرِم في خيرِ ثوبٍ

مع الحُجَّـــــاج وضَّـــاءَ الجبينِ

تشابهتِ الثيـــابُ فلستُ أدري

أحجٌّ أنت؟ حارتْ بِي ظنونِي

ويا عجباً لحشرٍ ليـــس فيه

 سوى زمر التُّقى مِن أهلِ ديــنِي

كأني بالرجال طيور خــلد

ويــا طُهْرَ النِّساء كـــحورِ عِيـــنِ

ومـــا زجلُ الطيورِ سوى دعاء

من (الأذكار) و (الحصن الحصين)

 

 


أعلى