علاقة مصر بالحبشة في عصور السيادة

كانت العلاقة بين الحبشة، ودولـة سلاطين المماليك هي علاقة مصالح متبادلة؛ ففي الوقت الذي كان الأحباش خاضعين فيه للكنيسة المصرية، وكان مرور نصارى بلادهم إلى الأماكن المقدسة (القدس) بإذن المماليك، وتحت أعينهم؛ كان المماليك يحاولون اتقاء أذيتهم بسبب تهديدهم لم


من المعروف أن المنطقة العربية شهدت في العصور الوسطى المتأخرة أبشع أنواع الغزو العسكري من جانب الصليبيين عام 647هـ/1250م في الحملة الصليبية السابعة، والمغول عام 657هـ/1260م. ولم ينقذ المنطقة من هذه الكوارث إلا انتقال حكم مصر (قلب العالم الإسلامي النابض) من أيدي الأيوبيين إلى أيدي المماليك، الذين نجحوا باقتدار في الذود عن شرف الأمة العربية، وحياض الحضارة الإسلامية، وتلقين أعداء هذه الحضارة دروساً لا تنسى في فنون الحرب والقتال وقوة العقيدة، ونُبْل القيم والمبادئ، ناهيك عن دورهم الريادي في وحدة العالم الإسلامي الاقتصادية من خلال السيطرة على مصادر الثروة وحركة التجارة وخطوط المواصلات في تلك الحقبة؛ حتى صارت تلك الدولة الناشئة قوة ضاربة يحترمها الأصدقاء ويهابها الأعداء. خاصة بعد جهود الظاهر بيبرس في توحيد مصر والشام تحت لواء سلطنة المماليك، وبذلك تغيرت موازين القوى السياسية والعسكرية في المنطقة العربية بشكل كامل، ومدت سلطنة المماليك حدودها «من الفرات إلى حد مصر»[1].

ومن تلك القوة والسيطرة على المنطقة بشكل عام استطاعت دولة سلاطين المماليك أن تمد علاقاتها إلى أعماق إفريقية وتحافظ على سيادتها في بعض الجوانب الإستراتيجية الهامة التي كانت تشكل تهديداً لمصر في بعض الأوقات، وكانت الحبشة من أهم تلك الدول. ورغم أن العلاقة بين الدولتين قديمـة إلى أبعد من العصور الوسطى، إلا أننا فضلنا إبراز جانب هذه العلاقة في إحدى فترات عصور السيادة الإسلامية بمصر؛ ألا وهي دولة سلاطين المماليك.

كانت علاقـة الدولة بالحبشة يخيِّم عليها الجانب الديني أكثر من أي علاقة أخرى؛ ذلك أن دولة الحبشة دينية فهم قوم يدينون بالنصرانية، ويتشددون في ديانتهم ويتبعون الكنيسة المرقسية في الإسكندرية، في حين أن الحبشة سيطرت سياسياً على جزء من ساحل إفريقيا الشرقي الذي قامت على ترابه عدة إمارات ودويلات باسم الطراز الإسلامي؛ في حين كان يتوجب على مصر تعيين مطران الحبشة مثلما حدث في عام 673هـ/ 1274م، ورغم كراهية نجاشي الحبشة (يكونو أملاك) لمسلمي الطراز الإسلامي بسبب نفوذهم إلا أنه أرسل إلى الظاهر بيبرس يطلب منه مطراناً لكنيسة الحبشة. وفي عام 726هـ/ 1325م أرسل النجاشي رسائل إلى السلطان الناصر محمد بن قلاوون يعبِّر فيها عن غضبه لما حـدث من تخريبٍ لكنائس الأقباط، ويحثه على معاملتهم بالإكرام، ويهدد باضطهاد المسلمين في الحبشة، وسدِّ مجرى النيل... فسخر منه السلطان الناصر محمد وردَّ رسله[2]؛ إذ إن الدولة آنذاك كانت قـوية وقادرة على مهاجمـة الحبشـة وهزيمتها؛ فالجيش عدده كبير وله إقطاعات وفيرة وعائدات كثيرة.

أما في عصر الجراكسة فقد هاجم نجاشي الحبشة (داوود بن سيف أرعد) حدود مصر الجنوبية عام 783هـ/ 1381م، فأمر السلطان الظاهر برقوق باستدعاء بطريرك الأقبـاط، وأمره بكتابة رسالة إلى النجاشي ينهاه عن مهاجمة مصر مرة ثانية، وأدى ذلك في عام 788هـ/1386م إلى أن جاء إلى مصر وفد حبشي بهدايا فاخرة مع خطاب للنجاشي يوكد أواصر الصداقة، والمحبة، ويطلب مرور حجاج الحبشة إلى بيت المقدس، ولا يمنعونهم من زيارة كنيسة القيامة[3]. وهنا تتأكد قوة الدولة مرة ثانية، لأنهـا آنذاك لم تزل تملك كثيراً من القوة، ولا ننسى أن برقوق تحدى تيمورلنك وقتل رسله، وذلك لا يصدر إلا عن سلطان قوي يثق في مقدراته السياسية والاقتصادية.

وتغير الأمر بعد ذلك؛ إذ ساءت العلاقات من جديد بسبب الهجمات التي شنها ملك الحبشة ضد إمارت الطراز الإسلامي كما حدث عام 822هـ/ 1419م؛ وهو ما جعل السلطان المؤيد شيخ يضيِّق الأمر على نصارى مصر، بينما قام السلطان برسباي في عام 825هـ/1421م بغلق كنيسة القيامة في بيت المقدس ردّاً على غارت القراصنة على الشواطئ العربية؛ فانتقم النجاشي بقتل العديد من المسلمين (وهدم ما في مملكته من المساجد) فغضب السلطان برسباي، وفكر في قتل النصارى وبطركهم في المملكة، إلا أنه تراجع عن ذلك[4]. وتكرر الأمر بهجوم النجاشي على دويلات الطراز الإسلامي كما أشار المقريزي في عام 833هـ/ 1429م، وكان ذلك يرجع لتعليمهـم فنون القتال على يد والي قوص الذي هرب إلى بلاطهم، وعلَّم رجالهم لعب الرمح، ورمي النشاب وهو ما زادهم ثقلاً في الجيش[5].

ويجب أن نشير إلى أن إسحاق ملك الحبشة قد فكر في غزو مصر؛ وبالأخص عندما سمع أن المماليك غزو جزيرة قبرص، وأسروا ملكها جانوس عام 830هـ/ 1436م وقد دارت بين ملك الحبشة، وبين ملوك أوروبا مباحثات بشأن القيام بحملة صليبية عام 832هـ/ 1438م لإزالة الدين الإسلامي، بل جهز الثياب المعدَّة لهذة الحملة لكن باءت المحاولة بالفشل بالقبض على أعوانه في الإسكندرية، ومعاقبتهم[6].

على أية حال، في عام847هـ/ 1443م أرسل ملك الحبشة زرع يعقوب سفارة تحمل طلباً بإعادة العلاقات، وتضمنت الرسالة بعض عبارات الاستعلاء، والتهـديد بسد مجرى النيل، وهو ما أثار غضب السلطان جقمق الذي رفض مطالب النجاشي الأمر الذي جعل الأخير يهدد رسوله بالقتل، ولكن كان صبر جقمق طويلاً؛ إذ أمر بطريرك الأقباط بمكاتبتـه من ناحية، ودخل جقمق في علاقات ودٍّ مع مسلمي الحبشة من ناحية أخرى[7].

واستمرت رسل ملك الحبشة من عام 857هـ/ 1453م وحتى عهد السلطان قايتباي عام 886هـ/ 1481م بغرض تعيين نائب لبطـريرك النصارى في الحبشة بالإضافة لمعاملة النصارى بودٍّ، ومنذ ذلك العهد وحتى عام 922هـ/ 1516م انقطعت رسل الحبشة عن القدوم إلى مصر، ولكن في هذه السنة تحديداً وهي الأخيرة من عمر الدولة أشار ابن إياس إلى قدوم وفد من الحجاج الأحباش في طريقهم لبيت المقدس وعددهم ستمئة شخص حيث جاء في الخطاب: «إن قُصَّادنا أتوا إلى مصر ليزوروا القيامة التي بالقدس فلا تمنعوهم» فسمح لهم[8]. ولكن كانت هناك إشارة لضعف الدولة في ذلك الوقت، وتدهور مكانتها في نظرهم من ناحية، وذلك من خلال الهدية التي جاؤوا بها، وهو ما جعل السلطان الغوري يوبخ من أحضرها «ويحضر له قوائم بهدايا ملوك الحبشة إلى الملوك السالفة مثل الأشرف برسباي، والظاهر جقمق». ومن ناحية آخرى يُرجِع ابن إياس ذلك لضعف موارد البلاد عمَّا كانت عليه من قديم الزمان[9].

لذا كانت العلاقة بين الحبشة، ودولـة سلاطين المماليك هي علاقة مصالح متبادلة؛ ففي الوقت الذي كان الأحباش خاضعين فيه للكنيسة المصرية، وكان مرور نصارى بلادهم إلى الأماكن المقدسة (القدس) بإذن المماليك، وتحت أعينهم؛ كان المماليك يحاولون اتقاء أذيتهم بسبب تهديدهم لمسلمي الطراز الإسلامي الخاضعين لسيطرتهم سياسياً لأن دولة المماليك اعتبرت نفسها مسؤولة عن حماية كل مسلمي العالم المعروف آنذاك. وأما التهـديد المتكرر بتحويل مجرى نهر النيل، وتحريض البابا للأحبـاش على غزو مصر فلم يكتب لهم النجاح؛ رغم أن هذا التهديد - خاصة تحويل مجرى النيل - هو ما يقلق الشعب المصري والسلطة الحاكمة في مصر على مرِّ العصور، وقد أيقنت الحبشة وشعبها هذا الأمر جيداً، وحاولوا التلويح به من وقت لآخر.


 


[1] المقريزي، السلوك لمعرفة دول الملوك، (دار الكتب، القاهرة، 2009م): 1/ 433. ولمزيد من التفاصيل انظر: قاسم عبده قاسم، في تاريخ الأيوبيين والمماليك، (عين، القاهرة، 2001م)، ص197 وما بعدها.

[2] القلقشندي، صبح الأعشى، (دار الكتب، القاهرة، 2010م): 5/ 324 - 333، 8/ 119 - 120. المقريزي، السلوك: 2/ 270. رسائل المقريزي، الإلمام بأخبار من بأرض الحبشة، (دار الحديث، القاهرة، 1998م)، ص232.

[3] المقريزي، المصدر السابق: 3/ 555. ابن حجر، إنباء الغمر، (المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، القاهرة، 1998م): 1/ 236. ابن إياس، بدائع الزهور، (دار الكتب، القاهرة، 2008م): 1/ 379. انظر: عاشور، العصر المماليكي في مصر والشام، (النهضة العربية، القاهرة، 1976م)، ص253 - 259.

[4] المقريزي، السلوك: 4/ 493 - 494، 4/ 649. ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة، (دار الكتب، القاهرة، 2006م): 14/ 81 - 84 - 260.

[5] المقريزي، السلوك: 4/ 838 - 840، ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة: 14/ 349 - 350.

[6] المقريزي، المصدر السابق: 4/ 795 - 797؛ ابن تغري بردي، المصدر السابق: 14/ 324 - 326. ابن إياس، بدائع الزهور: 2/ 108 - 123. انظر: عاشور، العصر المماليكي، ص260.

[7] ابن تغري بردي، حوادث الدهور، (المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، القاهرة، 1990م): 1/ 210. السخاوي، التبر المسبوك، (دار الكتب، القاهرة، 2005م): 1/ 164 - 173. ابن إياس، مصدر سابق، 2/ 239.

[8] ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة: 16/ 33. ابن إياس، مصدر سابق: 3/ 180، 5/ 10 - 12.

[9] ابن إياس. بدائع: 5/ 12.

 

 


أعلى