الصراع على الهوية في تونس

الهوية دائماً تجمع ثلاثة عناصر، هي: العقيدة التي توفر رؤية للوجود، واللسان الذي يجري التعبير به، والتراث الثقافي طويل المدى.

 

هكذا صرخت مدربة الرقص التونسية سهام بلخوجة متوعدة بالقتل أهل العاصمة التونسية إذا هم لم يهتفوا لرئيس فرنسا إيمانويل ماكرون أثناء سـير موكب الرئيس الفرنسي في المدينة عندما زار تونس منذ ثلاثة أعوام.

وفي لقاء تلفزيونـي معها علـى هامش الزيــارة افتخـرت سـهام بأن الرئيس الأول للجمهورية التونسية الحبيــب بورقيبة كـان مـن الآباء المؤسسين للمنظمة الدولية للفـرنكوفونيـة إلـى جانـب الرئـيس الأسبـق للسنغـال سينغــور والرئيــس النيجيـــري هامانـي ديــوري والأميــر الكمبودي نورودوم سيهانـوك. فالفرنسـية بالنسـبة لسـهــام هــي سـلاح تركه بورقيـبة للتونسـيــين، فهــي تحب لغــة مولييــر كــما تقول لأنها لغة الشعر والحرية وَفْقَ تعبيرها.

وإن كان تهديد سهام بلخوجة قد شكل صدمة لغالبية أهل تونس، إلا أنه كشف في الوقت نفسه عن أزمة عميقة تشهدها تونس حالياً وإن تمظهرت بمظهر الصراع السياسي؛ ألا وهي أزمة الهوية في هذا البلد الإسلامي العريق.

بين الهوية والأيديولوجيا:

الهوية في أبسط تعريف لها: هي إجابة عن تساؤل محدد: من (أنا)؟ وما علاقتي بالآخر؟ سواء كان هذا الـ (أنا) فرداً أو جماعة أو دولة، فهُوِية أي أمة أو مجتمع هي صفاتها التي تميزها عن باقي الأمم لتعبِّر عن شخصيتها الحضارية.

الهوية دائماً تجمع ثلاثة عناصر، هي: العقيدة التي توفر رؤية للوجود، واللسان الذي يجري التعبير به، والتراث الثقافي طويل المدى.

أما الأيديولوجيا فيحدد الباحث همام عبد المعبود عناصرها بالآتي:

 تقديم تصور متكامل لما يجب أن يكون عليه حال المجتمع في المستقبل.

 وصف الواقع الذي عاصره، وتشخيص مشكلاته، وتحديد أهم قضاياه.

 بيان حجم الهوَّة التي تفصل هذا الواقع عما يجب أن يكون عليه؛ طبقاً للتصور المستقبلي المنشود أو الذي يبشر به.              

 اقتراح الأدوات والوسائل العملية الكفيلة بتحقيق الانتقال من الواقع المرفوض إلى المستقبل المرغوب.

ويفرق علماء الاجتماع بين مصطلحَي (الهوية والأيديولوجيا)، ويأخذ سلطان العامر ألمانيا مثالاً فيقول: هناك أحزاب كثيرة من أقصى اليسار لأقصى اليمين، وكل هذه الأحزاب تختلف في برامجها الأيديولوجية، كلها تحمل إجابات مختلفة عما هو الأنفع للألمان، لكن جميعها تتفق على الهوية السياسية؛ أي أنهم كلهم يتفقون على أنهم ألمان، وعندما تقوم حركة سياسية على هوية غير ألمانية، فهي تتحول فوراً لحركة انفصالية.

الصراع على الهوية في العالم الإسلامي:

منذ أواخر القرن التاسع عشر وعندما استتب للغرب احتلاله لمعظم أراضي العالم الإسلامي شن  حملة لفرض أفكاره وتوجهاته، ولذلك أطلق عليها المفكرون المسلمون في هذه العصور الغزو الفكري، فكان ما اصطُلح على تسميته الغزو الفكري موجهاً للأمة بعمومها، وهو أخطر من الغزو العسكري؛ لأن الغزو الفكري ينحو إلى السرية وسلوك المسارب الخفية في بادئ الأمر؛ فلا تحس به الأمة المغزوة، ولا تستعد لصده والوقوف في وجهه حتى تقع فريسة له، وتكون نتيجته أن هذه الأمة تصبح مريضة الفكر والإحساس تحب ما يريده لها عدوُّها أن تحبه، وتكره ما يريد منها أن تكرهه.

كانت مخططات الغزو الفكري منوطـاً بتنفيذها بشكل أساسي بعضٌ من أبناء الأمة الإسلامية؛ وذلك بعد أن زرع الغرب بينهم بذور الفساد، وأعدَّ فئة منهم إعداداً جيداً للقيام بما يريد أن يقوم هو به؛ حتى تقلَّ التكلفة عليه ويحمل المسلمون التكلفة كاملة.

ولكن بمرور الوقت وتعاقُب الأزمان، وتصدي المخلصين من أبناء الأمة لهذه المحاولات أصبحت هذه الفئة العلمانية معزولة عن الجماهير؛ لا تستطيع التوغل في الأمة بأفكارها ومعتقداتها. ولكن مع تجدد الإستراتيجيات التغريبية بذراعها الأمريكي الأوروبي بدؤوا التفكير من جديد في مرحلة أخرى من الغزو الفكري أصبح يطلق عليها حرب الأفكار.

فبعد أن كان الغزو الفكري موجهاً في أساسه إلى عامة المسلمين؛ يختار منهم الغرب نخبة يربيهم ويحتضنهم في أراضيه، ثم يُنقَلوا إلى بلاد المسلمين؛ ليتولَّوا نشر أفكاره بعـد أن يكـونوا قد تبوؤوا مراكز التوجيه والتأثير... جاءت حرب الأفكار لتجعل تركيزها الأساسي على نخبة الأمة وطليعتها وقواها الحية النابضة، التي شرعت في استنهاض الأمة لتستيقظ من غفوتها. وبعد أن كان الغزو الفكري يحاول تقريب اتجاهات الفكر الغربي إلى عقول المسلمين؛ جاءت حرب الأفكار لتتجه إلى المخلصين من أبناء الأمة في محاولة لتغيير الإسلام نفسه، حتى أن الدول الأوروبية بدأت تستشعر أن الخطر الإسلامي يقترب من أراضيها، بل يهدد وجود الثقافة الأوروبية من أساسها، تلك الثقافة القائمة على المزج بين العلمانية والنصرانية، فأصبحنا نسمع عن الإسلام البريطاني والإسلام الفرنسي إلى آخر هذه المسميات.

الصراع على الهوية في تونس قبل الثورة:

تونس كانت من أوائل المناطق التي دخلها الإسلام في شمال إفريقيا على يد الفاتحين العرب، وهي مشهورة بمدينة القيروان الني أنشأها الفاتح عقبة بن نافع، وفي عام 1881م تمكنت القوات الفرنسية الغازية من احتلال تونس احتلالاً دام ما يقرب من 75 عاماً.

تأثرت تونس بالغزو الفكري وحملات التغريب مثلها مثل الدول الإسلامية الأخرى، وإن كانت دول شمال إفريقيا من بين البلدان الأكثر تأثراً نظراً لقربها الكبير جغرافياً من أوروبا، مصدرِ الهجمة الغربية على العالم الإسلامي في القرنين التاسع عشر والعشرين.

ومع دخول المستعمر الفرنسي إلى تونس سنة 1881م، سلك عدة مسارات لتغيير هوية الشعب التونسي الإسلامية كان أهمها تصديَه للغة العربية ومحاولته إذابتها، ففرض اللغة الفرنسية على مناهج التعليم وجعلها اللغة الأساسية ولغة الارتقاء في التوظيف والصعود في المناصب، كما أصدرت سلطة الاحتلال قوانين عدة في هذا المجال تستبعد من طريقها دراسة التاريخ العربي الإسلامي والتاريخ الوطني المحلي، إضافة إلى عدم دراسة الأدب العربي.

وواصلت الأنظمة التونسية المتعاقبة بعد الاستقلال تعليم الفرنسية إلى جانب العربية واعتمادها لغة أساسية للمواد العلمية والبلاغات الإدارية، وقد صنف تقرير صادر في نوفمبر 2014م عن المنظمة الدولية الفرنكوفونية تونس في المرتبة الثانية إفريقياً من حيث استعمال اللغة الفرنسية.

بينما يلاحظ كل زائري تونس تأثير اللغة الفرنسية الكبير؛ إذ تغلب على لافتات المحلات والمقاهي والمطاعم والصيدليات وغيرها الكتابةُ بهذه اللغة، ويستخدم التونسيون أنفسهم عبارات فرنسية عديدة أثناء التخاطب.

وكمنهج عام للدول الغربية المحتلة لبلاد المسلمين فقد وجدت في بقائها كلفةً اقتصادية وبشرية وسياسية عالية، فاستبدلت وجودها المباشر بمن تأثروا بثقافتها وتغريبها فرحل الاحتلال العسكري ليجيء بأناس من جلدتنا، فكان ما يُعرَف بعهد الاستقلال الذي كان على رأسه الحبيب بورقيبة.

بدأ بورقيبة يُظهر وجهه الحقيقي وولاءه لفرنسا وانبهاره بالثقافة الغربية منذ أيام حكمه الأولى، كما لم يُخْفِ وَلَعَه بكمال أتاتورك الأب الروحي للعلمانيين الأتراك والعرب، وكان يعدُّه مَثَلَه الأعلى وقدوته في الحياة. فأعلن عداءه للإسلام، وحط من قَدْر رموز التاريخ التونسي، وشوه صورتهم وبطش بالمخلصين من الأمة المتشبثين بهويتهم الإسلامية، وشردهم وأذاقهم الويلات. كما سن قانوناً يمنع ارتداء الحجاب ويعده زيّاً طائفياً يشجع على الانقسام داخل المجتمع، وتمادى بورقيبة في حربه على الحجاب فدفع وزير الشؤون الدينية حينذاك لمهاجمة الحجاب، واعتباره ظاهرة تتسبب في تراجع المجتمع التونسي وتخلُّفه، ونشطت الشرطة في مطاردة المحجبات في الشوارع؛ بل إن المحجبة كانت لا تستطيع أن تلد في مستشفيات الحكومة. وقد أدَّى ذلك إلى اعتقال مئات النساء والفتيات المتدينات وتعذيبهن ومحاكمتهن وإيداعهن السجون بسبب اللباس الإسلامي، وهذا ما أدى إلى إصابة كثير منهن بانهيار عصبي.

وعمل بورقيبة كذلك بكل جهده لتسهيل اختلاط الشباب بالفتيات، ففتح البارات وأمدها بالمعونات، كما عمم بورقيبة نوادي الرقص المختلط في جميـع المدن والأرياف، وعمل على ترغيب الجنسين بالانخراط فيها وترهيب أوليائهم من منعهم.

ولم يكتفِ بهذا، فتمادى به الأمر لتحدي الله عز وجل وشتم الدين، فصرَّح بأن القرآن مليء بالمتناقضات، واستهزأ بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وراح يبدل أحكام الله ومن أسوئها حق المرأة في أن تتزوج من غير مسلم، وأراد منْع الشعب التونسي من الصوم حتى في شهر رمضان بدعوى أن الصوم يقلل الإنتاج ويعوق تقدم تونس.

كما فرض يوم الأحد عطلة أسبوعية بدلاً من الجمعة لمنع إقامة صلاة الجمعة، ولجأ إلى إصدار فتاوى من بعض المشايخ تقضي بجواز الجمع بين صلاة الجمعة وصلاة العصر، هذا بالإضافة إلى أن جميع الخطب تأتي مكتوبة وموحدة لجميع المساجد، وعلى الخطباء الالتزام بها، وأغلبها يتحدث عن أهمية الحفاظ على قواعد السير والمرور، وأهمية الحفاظ على الزهور بالشوارع. كما أن المساجد تفتح في أوقات الصلاة فقط، وبعدها تغلق أبوابها فوراً.

واستمرت جرائم بورقيبة ووصلت حدَّ إلغاء المحاكم الشرعية، وإغلاق جامع الزيتونة الأعظم، وتحويل المساجد الصغيرة إلى مستودعات ومخازن، وإلغاء القوامة باعتبارها إهانة للمرأة، ثم حظر الدروس والحلقات القرآنية في المساجد، واعتبار مواظبة الشباب على الصلاة في المساجد دليل تطرف يقضي باتهامهم جزافاً، وهذا ما أدى إلى خلو المساجد من الشباب، وسخَّر قنوات الإعلام الفرنكوفونية السافرة وراقب المصلين وجفف منابع التدين.

وبعد ما خلف بن علي بورقيبة في حكم تونس سار على نهجه في نشر العلمانية، وازداد تتبع المحجبات واضطهادهن، حتى كانت العائلات التونسية تهاجر من تونس عندما تكبر بناتها حتى تجد وسطاً تستطيع فيه البنت أن تلبس الحجاب، وانتشر الفساد في جميع مناحي الحياة التونسية، ووصل حدَّ إعلان وزير داخلية تونس وقتها الهادي مهني أنه على المصلي التقدم ببطاقة خاصة يبدي فيها رغبته في الصلاة، وشدد على أئمة المساجد أن يتأكدوا من أن جميع المصلين داخل قاعة الصلاة حاملون لبطاقاتهم.

يقول الكاتب العلماني والباحث في القانون في الجامعة التونسية أنس كدوسي: لم يكن ممكناً الدفع بالمنظومة التشريعية نحو التحرر والتقدم وتعزيز الحقوق منذ النصف الثاني من القرن الماضي إلا عبر نظام سياسي قوي وكان ذلك زمن الديكتاتورية، ويبين كدوسي أن عملية التحرر مرت بمراحل عدة؛ إذ لم يستسغها المواطنون بداية ثم كادوا يهضمونها بعد أن صارت واقعاً معاشاً، لكن بدأ النكوص (أي العودة للدين) عندما دخلت إلى البيوت جملة من الفضائيات والبرامج الدينية التي تؤسس لمرجعية تقليدية تستند إلى أكثر القراءات الدينية تخلفاً ورجعية.

عودة الهوية الأصيلة لشعب تونس:

ما إن انقشعت أغبرة هذا النظام العلماني على يد الشعب التونسي بثورته في ديسمبر عام 2010م، حتى امتلأت المساجد بالشباب وانتشرت المحجبات في شوارع تونس وبدأ الأمر وكأنه عودة الإسلام مرة أخرى هويةً للتونسيين.

لقد كسرت الثورة التونسية حاجز الخوف فقد كان من بين شعاراتها حرية التعبير، وبات الحديث ممكناً ومتاحاً في الفضاء العام لكل من يريد العودة للإسلام.

ولكن بقيت فئة قليلة متأثرة بالعلمانية المتشددة الإقصائية وحاولت أن ترجع بتونس مرة أخرى إلى حضن العلمانية التي تقصي الإسلام وتشدد على منع مظاهره سواء في الملبس أم في القوانين.

وتلاقت هذه الفئة مع طرفين خارجيين:

الطرف الأول: فرنسا التي تريد الحفاظ على نفوذها في تونس وهو يقوم على أكتاف العلمانية والتغريب الذي يتراجع مع استعادة الشعب التونسي لهويته.

الطرف الثاني: يتمثل في قوى إقليمية رأت في النموذج التونسي نجاحاً للربيع العربي، الذي هو في نظرها ليس تحريراً للشعوب ولكن إشاعة للفوضى في المنطقة.

نجحت القوى العلمانية الإقصائية في تونس في الوصول إلى الرئاسة التونسية عام 2014م بتولي الباجي قايد السبسي المنصب.

وفي عام 2017م شكل السبسي لجنة أطلق عليها لجنة الحريات الفردية والمساواة، وكلفها بإعداد تقرير عن إصلاحات تشريعية ضرورية لتحقيق المساواة بين الجنسين، وأصدرت اللجنة في عام 2018م تقريرها النهائي وأوصت فيه بالمساواة في الإرث بين الجنسين وبإلغاء المهر والعدة بالنسبة للمرأة المطلَّقة أو الأرملة، كما أوصت بأمور أخرى مثل إلغاء عقوبة الإعدام وعدم تجريم المثلية الجنسية، وردَّ الشعب التونسي بتنظيم مسيرات ضخمة مناهضة لتقرير تلك اللجنة، وقد دعت إلى تلك المسيرات التنسيقيةُ الوطنية للدفاع عن القرآن والدستور والتنمية العادلة، وشارك فيها علماء دين وأكاديميون وأئمة مساجد وحقوقيون إلى جانب مواطنين توافدوا عبر الحافلات من مناطق مختلفة من البلاد، ولكن بمجرد وفاة الرئيس التونسي قايد السبسي تراجعت هذه التشريعات المقترحة.

واستمر الجدل والمشاحنات بين أغلبية شعبية ترفض العلمانية وأقلية متغربة تحاول أن تعيد الكُرَة مرة أخرى لملعب العلمانيين، وانتقل التصعيد إلى الشارع التونسي على يد الحزب الدستوري وزعيمته عبير موسي، التي أخذت على عاتقها محاولة استرجاع عهد بن علي وبورقيبة بهجومها الدائم على هوية الشعب الإسلامية ومن يتصدون للدفاع عن هذه الهوية، وشجعها على ذلك الانسداد السياسي بين المؤسسات السيادية الثلاث في البلاد (البرلمان، والرئاسة، والحكومة)، عندما بادر رئيس الحكومة باقتراح تشكيل حكومة جديدة وصادَق البرلمان عليها، في حين رفض رئيس الدولة استدعاء الوزراء المعنيين إلى قصر قرطاج لأداء اليمين أمامه.

ولكن هل الانسداد السياسي الحادث الآن في تونس له علاقة بأزمتها الكبرى المتعلقة بالهوية؟

إنه يبدو كذلك، وهو ما أكده البرلماني اليساري السابق أيمن العلوي حين أرجع الانسداد الحالي إلى الإشكال القديم بين القـوتين المتصارعتين في تونس منذ سبعينيات القرن الماضي: دعاة التمسك بالهوية الإسلامية، والعلمانيين، ذلك أن الصراع اليوم - بحسب رأيه - قد أخذ منعرجاً خطيراً، تداخلت فيه إمدادات خارجية وإقليمية.

ومما يؤكد ما قاله السياسي السابق هو خلفيات الرئيس التونسي قيس سعيد القومية المعادية للهوية الإسلامية للشعب التونسي؛ ففي كلمة ألقاها في أغسطس الماضي بمناسبة الاحتفال بعيد المرأة، قال سعيد بالنص: «إن الدولة ليس لها دين»، كما تجلت تلك الخلفية المناهضة لتوجهات المعبِّرين عن هوية تونس بدخول زعيمة الحزب الدستوري عبير موسي على خط الصراع مؤيدة للرئيس قيس سعيد ضد المتمسكين بهوية تونس الإسلامية.

وساعد على تأجيج الصراع الدعم الخارجي الذي يتلقاه الرئيس التونسي قيس سعيد من فرنسا ودول الإقليم؛ إذ ترى هذه القوى أن مناصرة قيس هو انتصار للطرف المعادي للهوية التي اختارها الشعب التونسي. ففي خطاب في شهر أكتوبر الماضي في ضواحي باريس عن (قانون الانعزال) الذي سيُعرَض للنقاش أمام البرلمان الفرنسي، ومحوره الأساسي مقاومة الإسلام الراديكالي، استحضر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون النموذج التونسي فقال: شاهدوا صديقتنا تونس وهي ليست النموذج الوحيد، فقبل 30 سنة كان الوضع مختلفاً وجذرياً في تطبيق هذا الدين وطريقة عيشه، والتوترات التي نعيشها في مجتمعنا موجودة في هذا المجتمع الذي يعد بلا شك من بين المجتمعات الأكثر تعلماً وتطوراً في المنطقة، هناك أزمة للإسلام في كل مكان.

وهذا الدعم المقدَّم من فرنسا عززته مواقف وتصريحات قيس سعيد أثناء زيارته لفرنسا العام الماضي؛ إذ اصطحب معه في الزيارة عدداً من التونسيين المعادين صراحة لهوية الشعب التونسي ومنهم الراقصة سهام بلخوجة، فضلاً عن المفكر العلماني يوسف الصديق الذي ينفي صحة القرآن، والكاتبة هالة الوردي صاحبة كتاب الأيام الأخيرة لمحمد، ثم ختم هذه الزيارة بتصريح وصف فيه الاحتلال الفرنسي لتونس بـ (الحماية)، وبأنه لم يكن احتلالاً مباشراً كما حصل في الجزائر.

ولكن دائماً ما يثار الجدل داخل تونس أو داخل غيرها من البلدان التي تستعر فيها الحرب على الهوية الإسلامية؛ إذ يتم طرح السؤال بين المدافعين عن هذه الهوية: هل الأولية استعادة الحريات وحقوق الشعوب الإسلامية من الظالمين بالاصطفاف حتى مع من يعادون الهوية الإسلامية للأمة، أم الأَولى الاتفاق على هوية الشعوب الإسلامية النابعة من حضارتهم وتاريخهم وعقيدتهم، قبل الدخول في أي عملية للإصلاح والتغيير؟

أعلى