رَحى (المظلوميَّة)!

ولو كان لأوروبا حظ أوسع من الإسلام والإيمان لقيَّض الله لتجربة الغافقيِّ من أصحاب الأقلام الإسلامية حينذاك مَن ينقدها نقداً وافياً يكشف به أسباب الإخفاق الذي خُتمت به، والذي خسر به الإسلام أهم معاركه هنالك على الإطلاق، لكن الناقد لم يوجد ولم يوجد من يهتم


المسؤولية التاريخية للشعوب لا تحتمل الإنكار، لكنها تحتمل الجهل والشيوع. معناه أن وراء كل حادثةٍ مؤلمةٍ مسؤولاً وإن اختلفنا في تعيينه ما دامت الحادثة خارجةً عن نطاق الكوارث الطبيعية والجوائح؛ وباحتمالها للجهل والشيوع وجدت الشعوب فرصةً للتخلص من أعبائها والبراءة منها، وسلكت إلى ذلك مسالك منها ما يتناوله المقال بالنقد وهو مسلك الغلو في دعوى (المظلومية).

يجب الانتباه لأن نقد الغلو في دعوى (المظلومية) بإنكارها من أساسها غلوٌّ آخر يستحق النقد، فالظلم واقع حاضر، وقديمٌ مؤرَّخ؛ والتظلم والشكوى مكفولان بالعقل والشرع، لذلك فالمسلك المختار مقابلة الغلو بالقسط والاعتدال، ووسيلته هنا: إثبات المسؤولية التاريخية إثباتاً يزيل الجهل والشيوع، بعرض مشاهد من النكبات التي عصفت بالأمة الإسلامية عرضاً يكشف القناع عن المسؤولين هنالك، وعن المسؤولية التاريخية المهدرة في أشباهها من النكبات الجديدة والمعاصرة.

خسارة العواصم الكبرى

على رأس القائمة بغداد والقدس وصقلية وقرطبة وإشبيلية؛ ففي فصل عنوانه: (دور العناصر غير المغولية في سقوط خلافة العباسيين في بغداد) يقول د. سعد الغامدي: «لو رجعنا إلى البحث عمَّن شارك القوات المغولية الغازية، في حملتها المذكورة تلك، لوجدنا أنه لم تشارك عناصر مسيحية في هذا الغزو المدمر فحسب، بل كان المسلمون أنفسهم ممن اشترك في هذه الكارثة، التي حلت بالمسلمين الآخرين. وقد لعب أولئك المسلمون دوراً بارزاً، وفعَّالاً في نجاح العمليات العسكرية، التي ننسبها دائماً إلى المغول، والتي قادها هولاكو خان»، ثم عيَّن في دراسته أسماء نخبةٍ من الحكام والمثقفين المسلمين (من داخل أراضي الدولة العباسية ومن خارجها) شهد عليهم المؤرخون بإعانة المغول ضد دار الخلافة من باب الرغبة والرهبة، وختم بقوله: «من الخطأ أن نقول بأن سقوط بغداد، ونهاية الدولة العباسية، كان قد قام به المغول فقط؛ إذ إنه لولا تعاون ومشاركة أولئك المسلمين في الإطاحة بحكومة العباسيين لوجد المغول من الصعب جداً أن يحققوا ما حققوه في حملتهم تلك، ولربما أخذت مجريات الأحداث التاريخية سبيلاً غير السبيل الذي نعرفه»[1].

وللدكتور عمار النهار كتاب عنوانه: (هكذا سلم هؤلاء بيت المقدس للفرنج الصليبيين)[2]، هو دراسة لما نقله مؤرخون من أمثال ابن كثير وابن الأثير والمقريزي وابن خلدون من رواياتٍ تذكر أن الملك الكامل بن العادل الأيوبي هو من سلم بيت المقدس إلى الصليبيين سنة 626هـ؛ أي: بعد الفتح العظيم بأربعة عقود لا أكثر! إثر مراسلاتٍ أراد منها وقوف الإمبراطور الروماني إلى جانبه في النزاع الدائر بينه وبين أخيه عيسى المعظم على تقسيم التَّرِكة الأيوبية.

وانتقالاً من الشرق إلى الغرب نجد أن صقلية الإسلامية التي استغرق فرض النفوذ الإسلامي عليها عقوداً متطاولة قبل أن يعمرها الإسلام قرنين من الزمان، بدأت رحلتها إلى السقوط والضياع بنزاعٍ شبيه استنجد فيه ابن الثمنة حاكم سِرَقوسة وقطانية بحكام مالطة على صهره حاكم قصريانة، فوقف فرنج مالطة إلى جانبه على شرط إطلاق أيديهم للعبث بأكبر جزيرة في البحر المتوسط[3]. ثم نجد ذلك البأس الشديد هو هو سرّاً كامناً في سقوط كُبريات قلاع الإسلام وحصونه في الأندلس وعلى رأس القائمة قرطبة وإشبيلية، فتسقط الأولى ضحية تخاذل محمد بن يوسف بن هود وقواته المهيبة عن نجدتها، وتسقط الثانية ضحية تحالف محمد بن الأحمر أمير غرناطة المسلم مع ملك قشتالة الصليبي... لا علة للأمرين (أي: التخاذل والتحالف) إلا أنهما من آثار تنازع النفوذ ونسيان العدو المشترك[4].

فهل يتحمل المسلمون شعباً وجنداً وحكاماً المسؤولية التاريخية عن تلك الحوادث وعن الأسباب التي مهدت لها والمسالك التي أدت إليها؛ أم يرفعها عنهم ما وقع عليهم من ظلمٍ أو تآمر؟ الحقيقة أن من الناس من يغلو في الاحتماء بدعوى (المظلومية) مع أنه لا يقبل أن يُخلي (فريقه المفضَّل) من مسؤوليته إذا تلقَّى هزيمةً في مباراةٍ لكرة القدم!

 دلالة الاستدراك والاسترداد

من كان وجوده جزءاً من الحل كان غيابه جزءاً من المشكلة. معناه أن المسؤولية التاريخية التي يعتريها الجهل والشيوع وقت وقوع النكبة يكشفها ويزيل الشكوك عنها معرفة الفاعلين في الاستدراك والتصحيح، إذا لم يبعد العهد ويتبدل الجيل. مثال ذلك من صور النكبات (نكبة بَربشْتر) وهي مدينة منيعة من مدن شمال شرق الأندلس حاصرها عشرة آلاف فارس من النورمانديين القادمين من جنوبي فرنسا سنة 456هـ، وراحت ضحية نزاعِ ولَدَي سليمان بن هود (أحمد المقتدر، ويوسف المظفر)؛ إذ استغاثت بمدينة سَرقُسطة غير البعيدة عنها فانشغل الأخوان بمعارك النفوذ عن نجدة المدينة المسكينة فاستبيحت أياماً! وارتفعت إلى الله عشرات الآلاف من النفوس المؤمنة، والشاهد من قصتها أنها حُررت بعد تسعة أشهر فقط من تاريخ النكبة!

حصل ذلك بعد أن غلت الدماء في العروق! وانعكست أولويات الأمس! وتناقل الناس الأخبار، وانطلقت دعوة الجهاد في الأندلس، واصطلح المتخاصمون، وتوَّج ذلك تحركٌ عسكري تكفل بإسدال الستار على شهور المأساة المروِّعة، فتعيَّن بذلك الانعكاسِ التامِّ للأحداث المسؤولون عن النكبة من الجماعات والأفراد معاً، ممن عرفوا واجباتهم المضيَّعة فتداركوها فانقلب الحال واستُرِدَّت المدينة، ومنحونا بذلك منفذاً ثانياً إلى تعيين المسؤولية التاريخية[5].

بين (أحد) و (بلاط الشهداء)

طابقت المصادر الغربية بين معركتي (أحُد) و (بلاط الشهداء) من حيث أسبابُ الإخفاق، وَفْقَ ما نقله د. عبد الله عنان في بحوثه الأندلسية[6]، وإهمالُ المصادر الإسلامية تفنيدَ ذلك أو تأكيدَه محلُّ استهجانٍ ونقد، فقد عقَّب القرآن على معركة أُحُد تعقيباً طويلاً، توَّجَه بقوله: {أَوَ لَـمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 165]، وقد اهتم الصحابة بنقل تفاصيل المعركة بما فيها تصرُّفُ الرماة على ما هو معلوم، ولولا الضرورة والفائدة لما عقَّب القرآن ولا فصَّل الصحابة، ولو كان لأوروبا حظ أوسع من الإسلام والإيمان لقيَّض الله لتجربة الغافقيِّ من أصحاب الأقلام الإسلامية حينذاك مَن ينقدها نقداً وافياً يكشف به أسباب الإخفاق الذي خُتمت به، والذي خسر به الإسلام أهم معاركه هنالك على الإطلاق، لكن الناقد لم يوجد ولم يوجد من يهتم لغيابه.

أما بعيداً عن النقد السياسي أو التاريخي المضيَّع فقد استظل الاجتهاد الفقهي بمظلة نقد القرآن لمعركة أحُد وقبول الصحابة له، لا بمظلة الصمت والإطراق المدهش الذي أعقب معركة (بلاط الشهداء)، فلذلك فصَّلت أبواب السير والمغازي من كتب الفقه الكلام في مسائل من نوع: شروط الإمارة، وما يجب قبل الشروع في القتال من دعوةٍ وتخيير، وما يجب من طاعة الوالي وما لا يجب، وما يسع من الجهاد وما لا يسع، ووجوه المفاضلة بين الحرب والموادعة، ومتى يجوز الفرار ومتى يجب ومتى يحرم، ومتى يُعطى الأمان ومتى يتوجب الإثخان، وكيف يعامَل الأسرى، وكيف تحاز الغنائم، وما يجوز في دار الحرب وما لا يجوز، وأحكام الاستعانة بالمشركين والقتال معهم، ومن يجب على المسلمين نصرتهم ومن لا يجب... إلى آخر قائمةٍ تطول من بحوثٍ حقيقتها ترسيخ قواعد المحاسبة ونفي الحصانة عن الفاعلين والمتسببين، أنجزها الفقهاء منتصرين لتعيين المسؤولية التاريخية ورعايتها وتوزيع بنودها على الأفراد والجماعات لا لإهمالها أو مصاحبتها على الجهل والشيوع.

 كان أولى أهل الإخفاق بالاحتماء بالمظلوميَّة وبقبول ذلك منهم مَن يخفقون في ساح الجهاد تحت ظلال الرماح، وأمام شعاع الأسنة، مقبلين غير مدبرين، لعلَّة المجازفة بالأرواح! فإذا اتفقت الجماهير من الفقهاء ثم من عموم النخب المسلمة وغير المسلمة على الإقرار بالمسؤولية التاريخية عن نتائج المعارك الحربية، بتعيينٍ لا يشوبه الجهل أو الشيوع، فما دون المعارك ألصق رحماً بوجوب الإقرار والتعيين وما يراد له من مراجعةٍ ومحاسبة، وأرجى ألَّا يُقذف به في رَحى (المظلوميَّة)، وذلك آخر حجج المقال.

 


 


[1] سقوط الدولة العباسية، د.سعد بن مسفر الغامدي، ص: (317 - 369).

[2] طبعته مؤسسة فلسطين للثقافة عام 2011م.

[3] انظر: تاريخ ابن خلدون (4/268 - 269)، و (الكامل) لابن الأثير (8/471 - 474).

[4] انظر: دولة الإسلام في الأندلس، عبد الله عنان (4/417 - 474).

[5] انظر: (البيان المُغرب)(2/461 - 459)، و (التاريخ الأندلسي) للدكتور عبد الرحمن الحجي، ص: (366 - 359)، دار القلم، دمشق، ط2.

[6] انظر كتابيه: (دولة الإسلام في الأندلس) (1/92)، و (مواقف حاسمة في تاريخ الإسلام)، ص: (75 - 76).

 

 

أعلى