العقل الآري والعقل السامي.. مصرع أسطورة

لكن مهلاً، ألَمْ يكن للعقل السامي (العربي) حضارة امتدت خمسة قرون وأنجبت علماً وعلماء وحكمة وحكماء؟ يجيب إرنست رينان بقوله: نعم!


اعتاد كثير من المفكرين العلمانيين أن يرموا الشرائع السماوية بالأسطورة ويستأثروا لأنفسهم بالعقلانية. وطبعاً كلمة أسطورة عندهم تفيد الذمَ لا المدحَ وكلمة عقلانية تفيد العكس، لكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن؛ فعلى ما يبدو أن العقل العلماني غير محصن من الأسطورة فهو الآخر له أساطيره الخاصة هذا ما تقوله على الأقل محاضرة ألقيت في السوربون بتاريخ 29 مارس 1883م للمستشرق الفرنسي إرنست رينان.

كان لهذه المحاضرة (الإسلام والعلم) صدى عالمي فقد ردَّ عليها كوكبة من العلماء في العالم الإسلامي والعالم الغربي، ومن بين من ردَّ على هذه المحاضرة جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده والشيخ رشيد رضا صاحب المنار، وما زالت أطروحة إرنست رينان حول تفوق العرق الآري[1] على العرق السامي[2] حية عند من يؤرخون للفكر الإسلامي فهي موجودة في كتاب تكوين العقل العربي وفي كتاب ضحى الإسلام وفي كتابات عبد الرحمن بدوي.

تناول إرنست رينان في محاضرته أطروحتين:

الأولى: العرب باعتبارهم مجموعة إثنية وعلاقتهم بالعلم والفلسفة.

والثانية: الإسلام باعتباره ديانة سامية وعلاقته بالعلم والفلسفة.

وطبعاً لا ينتظر القارئ الكريم حكماً إيجابياً على العرب ولا على الإسلام والمحاضر مستشرق فرنسي والجمهور جمهور نصراني وتاريخ المحاضرة هو القرن التاسع عشر تاريخ بزوغ العنصرية الغربية. إن الحكم في الأطروحتين سلبي سواء على العرب أم على الإسلام.

تقول هذه النظرية أو الأطروحة الأولى من النظرية (العرب وصلتهم بالعلم والفلسفة) التي ضمنها كتابه (تاريخ اللغات السامية) وكثفها في المحاضرة المذكورة: إن هناك جنسين الجنس الآري والجنس السامي وهما يشكلان عقلين: العقل الآري والعقل السامي، وتقول إن الجنس السامي دون الجنس الآري، وإن العقل السامي لا يقوى على الإبداع الفلسفي وإنتاج العلم لأن الوحدة والبساطة هما الطابع الذي يميِّزه عن العقل الأول. أمَّا العقل الآري فإنه يمتاز بالكثرة والتعقيد وطابعه متفرِّد بوجود قدرات ثابتة فيه عبر التاريخ.

لكن مهلاً، ألَمْ يكن للعقل السامي (العربي) حضارة امتدت خمسة قرون وأنجبت علماً وعلماء وحكمة وحكماء؟ يجيب إرنست رينان بقوله: نعم! فمنذ حوالي عام 775م وحتى منتصف القرن الثالث عشر تقريباً أي عبر حوالي خمسمئة عام كان في البلدان الإسلامية علماء ومفكرون شديدو التميز. يمكننا القول أيضاً: إن هذه الفترة كانت قد شهدت تفوُّق العالم الإسلامي في الثقافة العقلية مقارنة بالعالم النصراني، لكنه يستدرك بعدها بأن هذا العلم وهذه الفلسفة مكتوبة باللغة العربية فقط وليست علماً عربياً ولا فلسفة عربية؛ بل هي علم آري وفلسفة آرية مقتبسة من اليونان، وحَمَلَة هذا العلم والفلسفة ساسانيون. يقول إرنست رينان: ذلك هو المجمل الفلسفي العظيم الذي تعودنا على تسميته بالعربي لأنه قد كتب بالعربية إلا أنه في الحقيقة يوناني ساساني، والأقرب إلى الصواب أن نقول يوناني لأن العنصر الخصب قد جاء في الحقيقة من اليونان.

خطأ تاريخي وقع فيه المؤرخون عندما نسبوا علماء وفلاسفة إلى الإسلام والعرب لمجرد أنهم كتبوا الأبحاث بالعربية، هكذا يقول رينان، والعرب لم ينتجوا سوى فيلسوف واحد فقط هو أبو إسحاق الكندي! ويستمر إرنست رينان قائلاً: ثمة سوء فهم كبير عندما نضيف العلم والفلسفة العربية لحساب الجزيرة العربية مثلما نضيف كلَّ الآداب النصرانية اللاتينية وكلَّ السكولائية وكلَّ النهضة وكلَّ علم القرن السادس عشر والسابع عشر لحساب مدينة روما لأن كل هذا كان قد كتب باللاتينية! إن ما هو جدير بالملاحظة بالفعل هو أنه بين صفوف الفلاسفة والعلماء ممن يطلق عليهم عربٌ واحد فقط هو الكندي من أصل عربي بينما ينتمي الآخرون جميعهم إلى فارس وما وراء النهر وإسبانيا وبخارى وسمرقند وقرطبة وإشبيلية.

نحن أمام نصوص خطيرة لا شك في هذا؛ فمن أين نبدأ بتفكيك هذه الأسطورة؟ نبدأ من مقولة العرق الرينانية نفسها إذا كانت مقولة العرق هي مقولة لغوية فإن الفلسفة والعلم اليوناني نفسه مكتوبة باليونانية لا غير فإن أغلب فلاسفة اليونان لم يكونوا من أثينا أو من أصول آرية بل من أصول مصرية وسورية وإن أثينا لم تنجب سوى فيلسوفين فقط هما سقراط وأفلاطون، هذا كلام فريدريك نيتشه أكبر سلطة في الحضارة اليونانية الرومانية؛ فلماذا يعدُّ فلاسفة اليونان في الجنس الآري بمجرد أنهم كتبوا باللغة اليونانية، ولا يعدُّ فلاسفة الإسلام عرباً رغم أنهم كتبوا بالعربية؟

ومن الممكن أن نجيب أيضاً بأن العرب أتنجوا فلسفة فإذا كان السيد إرنست رينان لا يَعدُّ ابن طفيل وابن باجة وابن رشد عرباً لأنهم لم يولدوا في الجزيرة العربية فَلْيعلم السيد رينان أن العرب لم يفقدوا جنسيتهم بمجرد فتح الأندلس وأن العرب عرب قبل الفتح كما بعد الفتح، وهم أنفسهم لم يعدُّوا أنفسهم جنساً آرياً فإنهم كانوا يرون أنفسهم امتداداً لسيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام وليس امتداداً لإرنست رينان.

ومن الممكن أن نجيب أيضاً بأن العرب أو الجنس السامي بتعبير رينان أنتجوا علماً وفلسفة؛ فماذا يكون إنشاء إمبراطورية وإخضاع شعوب وأمم مختلفة الأديان والعادات والتقاليد وإدارة هذه الإمبراطورية إن لم يكن علماً؟ أليست الحرب علماً؟ أليست الإدارة علماً؟ وماذا يقال عن الانتقال من لغة عامية خطابها هو السليقة إلى لغة علمية لها قواعد وأصول من الممكن تدريسها للعموم إن لم يكن علماً؟ والأمر نفسه يقال عن علم البلاغة وعلم الفقه (أي القانون بالتعبير المعاصر)، وما الفرق بين رسالة الشافعي في أصول الفقه ومقال في المنهاج لديكارت؛ أليس كلاهما تشريعاً للعقل وتوجيهاً له كيف ينتج علماً صحيحاً؟

والسيد رينان يعترف بأن العرب لم تنتجوا سوى فيلسوف واحد هو أبو إسحاق الكندي، لكن هذا الاستثناء دحضٌ للأطروحة لأن الكندي عربي؛ فكيف يصح أن يقال بأن العرب لم ينتجوا فلسفة ولا فلاسفة، ولا علماً ولا علماء؟ هذا الاستثناء المعترف به على استحياء، له دلالة فلسفية معترَف بها وسوف يعترف بها رينان نفسه بمجرد إلقاء الضوء عليه وهي أن هذا الاستثناء يقول بأن الفرق بين الجنس الآري والجنس السامي فرق في الدرجة وليس في النوع؛ فالحكمة والعلم موجودان لدى الجنس الأول والثاني والفرق هو أنها موجودة في الأول أكثر من الثاني والمنطق الصوري لا يسمح بإسناد صفات للأول وتجريد الثاني منها.

لكن ماذا لو أن العلم نفسه الذي أوحى لإرنست رينان بهذه الأسطورة وجعله مرجعاً وفيصلاً تجاوز أطروحة العرق الرينانية؟ فلو أن العلم قال بأنه لا توجد خصائص مادية يمكن تمييز الأعراق بها سوى خصائص روحية مثل الدين والتاريخ والثقافة إذا كانت لها استمرارية تاريخية معيَّنة تكون الأطروحة لا بقاء لها، وبالفعل هذا هو الكلام الذي سوف يقوله العلم بعد قليل من أطروحة السوربون، وهذا الكلام موجود عند فيلسوف فرنسي آخر هو إيميل دوركهايم في كتابه الانتحار، وبناءً على هذا التعريف الجديد للعرق يكون كل العلماء وفلاسفة الدين أُخرِجوا من العرق السامي بمحاضرة وكتاب، قد عادوا مرة أخرى باسم العلم نفسه... كم هو متقلب هذا المعبود الأرضي!

سمعنا كثيراً في المحاضرة قولاً مثل فيلسوف وفلسفة لكن ما هو الشيء الذي يتميز به الفيلسوف عن العامة؟ وإذا أخذنا واحداً هناك إجماع على أنه فيلسوف مثل أرسطو فسوف نجد أن الموضوعات التي اشتغل عليها هي أربعة: (الله، الكون، الإنسان، المجتمع) وعلاقة هذه الموضوعات بعضها ببعض نفياً وإثباتاً وهذه الأمور والقضايا طرحت وما تزال على بساط التفكير باستمرار وفي كل الأمم، ونحن لا نجد أمة أو جماعة ليست لها أحكام في هذه الموضوعات أو ليست لها رؤية كونية تكون هذه الأربعة أركانها، وعلى هذا يكون الفرق بين العامي والفيلسوف هو فرق في الدرجة وليس في النوع ويصح القول كل الناس فلاسفة.

وفي الختام نقول: لا ينبغي ولا يصح التمييز بين الشعوب والأفراد على خصائص عرقية ليس لهم يدٌ فيها؛ بل يجب التمييز على أساس أخلاقي (المجتمع الفاضل والمجتمع السافل) (الفرد الفاضل والفرد السافل): «يا أيُّها الناسُ! إنَّ ربَّكمْ واحِدٌ ألا لا فضلَ لِعربِيٍّ على عجَمِيٍّ ولا لِعجَمِيٍّ على عربيٍّ ولا لأحمرَ على أسْودَ ولا لأسودَ على أحمرَ إلَّا بالتَّقوَى إنَّ أكرَمكمْ عند اللهِ أتْقاكُمْ»[3]، ينبغي التمييز على أساس الفضيلة؛ من يدعوا للخير وينهى عن الشر لا على أن هذا يتكلم بلغة سامية وهذا يتكلم بلغة آرية {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْـمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْـمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْـمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران: 110].


 


[1] نسبة إلى متحدثي اللغات الهندية الأوروبية.

[2] الساميَّة: اسم يُطلَق على مجموعة من الشعوب في الشرق الأوسط، يتكلَّمون بلهجاتٍ مُتقاربةٍ تطوَّرت إلى لغاتٍ، سُمِّيت فيما بعد بالساميَّة.

[3] صححه الألباني في كتابه غاية المرام.



أعلى