مستقبل أذرع إيران العسكرية في العراق

بحسب الباحث العراقي صهيب الفلاحي فإن عدد المجموعات المسلحة الشيعية العراقية يتجاوز الأربعين ميليشيا، تختلف في تشكيلها وتسليحها وأعدادها وحتى تنظيمها ومدى قدرتها على القتال.


«مَن يريد أن يضرَّ بهذا المخلوق فهناك طرق أقل تكلفة وأكثر ضماناً»

هذا ما صرَّح به أبو علي العسكري المسؤول الأمني لكتائب (حزب الله) العراقية الشيعية، وقلل فيها من أهمية الهجوم على منزل رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي في محاولة اغتيال بواسطة طائرة مسيَّرة مفخَّخة استهدفت مقر إقامته ببغداد في الأسبوع الأول من شهر نوفمبر 2021م، وقال أبو علي العسكري في تغريدة إنه لا أحد مستعد لخسارة طائرة مسيرة لاستهداف منزل مَن وصفه بأنه رئيس وزراء سابق.

وتثير هذه التصريحات الساخرة والمستفزة كثيراً من علامات الاستفهام حول ما تلعبه أمثال تلك القوات غير النظامية الشيعية في العراق (التي يحق أن نسميَها ميليشيات) ومدى تحكُّمها كلاعب أساسي في المشهد السياسي العراقي؛ خاصة أن الشكوك الأكبر والشبهة الأعظم في هذا الهجوم ما زالت تحيط بهذه الميليشيات، إذ جاء القصف عقب مواجهات عنيفة اندلعت بين متظاهرين مناصرين لهذه الميليشيات رافضين نتائج الانتخابات، وبين القوات الأمنية التي تصدَّت لمحاولتهم اقتحام المنطقة الخضراء حيث يعتصمون أمام اثنتين من بواباتها الأربع.

وتزامنت تلك الأحداث مع ما نفَّذته منذ ما يقرب من شهر ميليشيات الحشد الشعبي الشيعية من مجزرة في حق أهل السنة في محافظة ديالى، حين أعدامت عشرات المدنيين وأحرقت البيوت والمساجد.

فما حقيقة تلك الميليشيات؟ ومتى تكونت؟ وما هي الأدوار التي تمارسها؟ وهل هناك أجندات خارجية وقوى إقليمية تدعمها، ولماذا؟ ثم الأهم: ما هو مستقبل العراق في ظل وجودها؟

ميليشيات العراق النشأة والأجندات:

بحسب الباحث العراقي صهيب الفلاحي فإن عدد المجموعات المسلحة الشيعية العراقية يتجاوز الأربعين ميليشيا، تختلف في تشكيلها وتسليحها وأعدادها وحتى تنظيمها ومدى قدرتها على القتال. وفي دراسة ميدانية للباحث الأمريكي فيليب سميث في معهد واشنطن لدراسة الشرق الأدنى، قام بها على مدار عقدين من الزمن حول الميليشيات الشيعية في سوريا ولبنان والعراق توصل إلى أنه اعتباراً من عام 2019م، تعمل في العراق ولبنان وسوريا أكثر من 100 جماعة شيعية مسلحة مختلفة، وهي المحركات الرئيسية للنفوذ الإيراني.

يتصدر قائمة هذه المليشيات الأكثر تأثيراً في العراق:

فيلق بدر: الذي تأسس في طهران عام 1981م على يد الحرس الثوري الإيراني ليكون الجنـاح المسلَّح لما يُعرف بالمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، وتم تجنيد عناصره من أسرى الحرب العراقيين الشيعة المحتجزين لدى إيران والمعارضين لصدام حسين، ويتزعمه حالياً هادي العامري (نائب في البرلمان ووزير النقل ومسؤول ملف ديالى الأمني وقائد عمليات الزحف على المحافظات)، ويقدَّر عدد مقاتليه بـ 12 ألف مقاتل، انخرط معظمهم في مؤسسات الدولة الأمنية كوزارة الداخلية والدفاع وجهاز الاستخبارات، ومن ثَمَّ فهم يتحركون الآن بصفتهم الرسمية مع فصائل شيعية أخرى تحت مسمى الحشد الشعبي.

جيش المهدي: تأسس في عام 2003م بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، ويُعد الجناحَ المسلَّح للتيـار الصدري الذي يتزعمه مقتدى الصدر بهدفٍ أساسي معلَن هو حماية المراقد الشيعية في أعقاب سقوط نظام صدام حسين. وفي عام 2007م قدَّرت مجموعة دراسة العراق (المعروفة أيضاً باسم لجنة بيكر هاملتون) أن عدد أفراد التنظيم بلغ 60 ألف فرد، وقد اشتُهر عنه سابقاً معاركه ضد القوات الأمريكية في محافظة النجف، وانتهت بتسليم أسلحته للجنة عراقية أمريكية، كذلك كان له دور رئيسي في المذابح ضد أهل السنة التي مرَّ بها العراق عام 2006م واتُّهم بأنه مارس القتل على الهوية بالوقوف وراء عمليات قتلٍ جماعي واختطافٍ وتهجيرٍ ضد أهل السنة.

وفي عام 2014م وبعد خمس سنوات من إعلان الصدر تجميد تنظيمه المسلح، قام جيش المهدي بتغيير تسميته إلى سرايا السلام، وأقام استعراضاً عسكرياً كبيراً في بغـداد شارك فيه آلاف المقاتلين وهم يحملـون الأسـلحة الثقيلة والمتوسـطة والخفيفـة، والمفاجأة كانت بحمله صواريخ (مقتدى واحد) التي يُعتقد أنه تلقاها من إيران.

عصائب أهل الحق: أول تشكيل لهذه الميليشيا كان تحت اسم المجاميع الخاصة باعتباره فصيلاً منضوياً تحت جيش المهدي، وكان يقودها القيادي في التيار الصدري قيس الخزعلي، وفي عام 2006م عملت المجاميع الخاصة بشكل مستقل عن التيار الصدري (خاصة بعد قرار تجميده)، حتى جاء عام 2007م عندما انشق الخزعلي عن تياره الصدري رسمياً مكوناً عصائب أهل الحق وتبعه في ذلك نحو 3000 من المقاتلين.

على إثر ذلك تأزمت العلاقة بين الخزعلي والصدر وطالب الأخير إيران بوقف تمويله بعد أن اتهمه بارتكاب جرائم طائفية... وكأن ميليشيات الصدر المسماة جيش المهدي لا يتم تمويلها من إيران! وكأنها أيضاً لم ترتكب جرائم طائفية! وفي عام 2011م أعلنت العصائب تخليها عن العمل المسلح والانضمام للعملية السياسة، وكان الخزعلي ذا حظوة عند رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، إلا أن العصائب عادت من جديد لتمارس نشاطها العسكري في بغداد وديالى وهي مناطق يغلب عليها أهل السنة. وتمتاز العصائب بتسليحٍ عالٍ وإمكانيات مادية متفوقة تصل إلى خمسة ملايين دولار شهرياً بسبب قربها من قائد فيلق القدس التابع للحـرس الثوري الإيراني الـمُغتَال قاسـم سليماني (كما يرى ذلك مراقبون)، كما ذكر ذلك أيضاً رئيس أركان الجيش الأمريكي راي أوديرنو، ويُقدر عدد أعضائها الآن بنحو 10.000 مقاتل يتوزعون بين العراق وسوريا، وتوصف بأنها من أشد الجماعات تشدداً على مخالفيها، ويضم هذا الفصيل أربع تشكيلات عسكرية هي: كتائب الإمام علي، وكتائب الإمام الكاظم، وكتائب الإمام الهادي، وكتائب الإمام العسكري.

لواء أبو الفضل العباس: تأسس عام 2011م بالتزامن مع اندلاع الثورة السورية على نظام بشار الأسد، وأعلن عن تأسيسه المرجع الشيعي قاسم الطائي ويقوده علاء الكعبي، وكان الهدف من تأسيسه هو مساعدة النظام السوري والدفاع عمَّا يدعون أنه مرقد السيدة زينب بدمشق وحمايته، وبالرغم من أنه قد ركَّز عمله في بداية تأسيسه على سوريا، ولكن انسحب جزء كبير من مقاتليه إلى العراق للقتال ضد تنظيم الدولة.

يختص لواء أبو الفضل العباس بأنه يضم شيعة أجانب ولا يقتصر على شيعة العراق، فإلى جانب المقاتلين العراقيين القادمين من العراق، مقاتلون عراقيون كانوا مقيمين في سوريا، إضافة إلى مقاتلين من لبنان وسوريا وإيران.

وبث هذا الفصيل فيديو يُظهر مقاتليه يتنقلون بطريقة محترفة وبلباس موحد، ويتقنون القنص والقصف بمدفعية المورتر، وقذائف صاروخية من طراز آر بي جي، ورافق ذلك إنشاد قصيدة عنوانها (يا زينب) بلهجة عراقية صافية، ويضم الفصيل 12 تشكيلاً عسكرياً يطلق عليها أسماء أئمة الشيعة الاثني عشر.

حزب الله العراقي: تشكَّل هذا الفصيل من اندماج جماعات خاصة يديرها فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني في الفترة بين عامي 2005 - 2007م، ومؤسس هذه الميليشيا وأمينها العام واثق البطاط الذي قتل بتاريخ 22 ديسمبر 2014م في مدينة العظيم بمحافظة ديالى في المعارك الدائرة هناك، والبطاط الذي ولد عام 1973م في منطقة الأهوار، عاش فترة طويلة في إيران وانخرط في تنظيمات قاتلت الجيش العراقي في عهد صدام حسين، وقد كان يجاهر بارتباطه بالمخابرات الإيرانية، وانضم إلى جيش المهدي وبقي فيه حتى عام 2006م، ثم سافر إلى لبنان وشكَّل هناك حزب الله العراقي المرتبط بالولي الفقيه في إيران، في إشارة إلى تكرار تجربة حزب الله اللبناني في العراق، كما أن دلالة لبنان جاءت من أن قائد حزب الله اللبناني عماد مغنية وقتها قد ساهم في تأسيس الجناح العسكري له، ويقدَّر أتباعه بنحو 40 ألف مقاتل.

استهدف حزب الله معسكر ليبرتي الذي يضم قوات منظمة مجاهدي خلق الإيرانية المعارضة بنحو 50 صاروخاً، كما اتُّهم بقصف مناطق على الحدود السعودية وتنفيذ أعمال عسكرية ضد الكويت؛ وهو ما أثار تساؤلات ومخاوف من امتلاكه قوة عسكرية كبيرة.

وشارك حزب الله في المعارك الجارية في سوريا وسيطر على طريق بغداد - دمشق، إضافة إلى بعض الأماكن المهمة داخل سوريا، ويتحدث حزب الله عن أن مقاتليه استخدموا جميع أنواع الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة في معاركهم. ونظراً لاستهدافه القوات الأمريكية فقد أدرجته الولايات المتحدة الأمريكية على قوائم الإرهاب عام 2009م.

الحشد الشعبي: تشكل هذا التكتل المسلح عام 2014م بعد فتوى الجهاد التي أطلقها المرجع الشيعي علي السيستاني، بعد سيطرة قوات تنظيم الدولة على محافظة نينوى، فتوقيت تأسيسه كان لمحاربة تنظيم داعش، ولكنْ كثير من المعطيات تُظهر أن داعش كانت دائماً حجة لتأسيس كيانٍ موازٍ للدولة داخل العراق، وليكون أداة أساسية للإستراتيجية الإيرانية داخل العراق.

تشكِّل قوات الحشد الشعبي تنظيماً يعمل شكلياً بإذنٍ من الدولة ويأتمر من الحكومة الاتحادية، لكنه على الأرض يخضع لسيطرة ميليشيات متحالفة مع إيران يصل عددها - وَفْقَ المصادر الغربية - إلى 17 فصيلاً، مثل عصائب أهل الحق، وكتائب حزب الله، وكتائب سيد الشهداء، ومنظمة بدر. وهذه المنظمات الأربع رأس الحربة الفاعلة بالنسبة لقوات الحشد الشعبي وتتبع قائدها الفعلـي هـادي العامري زعيـم منظمـة بدر، ونائبه أبو هادي المهنـدس زعيـم كتائب حزب الله الـذي قُتِل مع قاسم سليماني عندما استهدفت سيارتَهما غارةٌ أمريكية.

وبعد سقوط نينوى بيد قوات تنظيم الدولة تولى هادي العامري بأمر رئيس الوزراء السابق نوري المالكي الإشراف على العمليات العسكرية في محافظة ديالى، وظهر العامري عدة مرات بمرافقة قائد الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، وهما يخوضان المعارك ضد تنظيم الدولة، في حين يُتهمان بأنهما يعملان على إحداث تغيير ديموغرافي في محافظة ديالى من خلال تهجير سكانها السنة وحرق المساجد والبيوت.

وقد عدَّت كل الفصائل والأحزاب الشيعية الحشدَ الشعبي مؤسسة عُليا تحاول تجميع كل الفصائل العسكرية الشيعية، ولهذا فإن أعضاء الحشد الشعبي انقسموا إلى فئتين:

الأولى: هي الفصـائل الكبيـرة والمنظمة: مثل كتائب حزب الله، وسرايا السلام، ومنظمة بدر... وغيرهم، وهؤلاء في معظمهم مدربون ويملكون خبرة قتالية متراكمة.

الثانية: هم من استجابوا لنداء المرجعية من الشباب وكبار السن، وهؤلاء في غالبهم لا يُجيدون القتال وليس لديهم خبرة عسكرية، ويُعَدُّون المحرقة الرئيسية في القتال مقابل تنظيم الدولة، ويقدَّر عدد مقاتلي الحشد الشعبي بين 350 - 400 ألف مقاتل.

وتتكون هيئة الحشد الشعبي من أقسام يُطلَق عليها مديريات مختلفة تشكل عملها، كمديرية الاستخبارات والأمن والتدريب، وتنسِّق مع القوات الحكومية في عملها وتحركاتها.

ويتمتع أعضاء الحشد الشعبي برواتب شهرية وإجازات ورعاية صحية مساوية لما تتمتع به تشكيلات الجيش العراقي، وعوائل (شهداء) الحشد يتمتعون بامتيازات ومخصصات مماثلة لشهداء القوات المسلحة العراقية.

وعند التأمل في واقع هذه المجموعات المسلحة نجد الآتي:

أولاً: لم تصل الميليشيات الشيعية العراقية بَعْدُ إلى مرحلة السلطة والهيمنة على القرار السياسي للدولة العراقية أو حتى الهيمنة على غالبية المكون الشيعي نفسه، مثل التي يمتلكها حزب الله في لبنان.

ثانياً: الميليشيات الشيعية لم تتصادم فقط مع أهل السنة في العراق، بل اصطدمت مع الأكراد ودخلت في نزاع معهم للسيطرة على مناطق النفط في شمال العراق، كما اصطدمت الميليشيات الشيعية مع قِطاعات شعبية شيعية باتت تشعر بالمكانة المتدنية التي أصبحت الدولة العراقية تقبع فيها، من تفكُّك الدولة وانهيار الاقتصاد، والتدخل الإيراني وتحكُّمه في مجريات السياسة العراقية.

ثالثاً: بالرغم من ارتباط كل المجموعات الشيعية المسلحة العراقية بإيران سواء من حيث النشأةُ أو التمويلُ أو التدريبُ والتسليح، ولكن تختلف درجة ارتباط كل مجموعة مسلحة شيعية بإيران؛ فهناك مجموعات أكثر قرباً، وتظهر أخرى أحياناً بشكل أكثر استقلالاً ربما لاعتبارات الشعبية بين أوساط متزايدة من الشيعة العراقيين، الذين باتوا يدركون أن مشكلة العراق الكبرى هي في التدخل الإيراني.

هذا الاختلاف النسبي الحقيقي أدى إلى نزاعات كثيرة بين الميليشيات الشيعية حول الأفكار الشيعية وكيفية تطبيقها، وهناك أيضاً خلاف حول الوسائل السياسية والمصالح التجارية، وهذا الخلاف أدى في بعض الأحيان إلى الاقتتال فيما بينها.

وفي هذا الخلاف تبرز ظاهرة مقتدى الصدر ومواقفه الغامضة المتذبذبة بين هجومٍ على بعض الفصائل العسكرية الشيعية وانتقادٍ خفي للدور الإيراني، وأحياناً أخرى يبدو متعاطفاً مع إيران وموالياً لها.

يفسر الكاتب والصحافي العراقي الشيعي حيدر البدري هذا الغموض بأن الحديث عن خروج الصدر عن المحور الإيراني غير منطقي؛ إذ إنه في الداخل العراقي يلعب على وتر الضد النوعي لمنافسيه السياسيين من قادة الفصائل المسلحة لكنه لم يخرج من المحور الإيراني، ويرى البدري أن خصومة الصدر مع قادة الفصائل المسلحة لا تتعدى حدود المنافسة السياسية في العراق، لكنه يشترك معهم في الخطوط العامة، مبيِّناً أن تصريحاته المعادية للتدخلات الإيرانية كانت غايتها الكسب السياسي محلياً لكنه في المواقف الرئيسية يندرج ضمن المحور الإيراني ذاته.

في حين يفسر آخرون تردد وتذبذب مواقف مقتدى الصدر بأنه لا يستند في حركته إلى أي أفق إستراتيجي أو سياسي حقيقي بقدر ما يسعى إلى البقاء في الصورة.

الميليشيات الشيعية العراقية في الإستراتيجية الإيرانية:

هناك منظوران يمكن بهما فهـم دور ميليشيات الشـيعة في العـراق وموقـع هـذا الـدور في الإستراتيجية الإيرانية:

يتعلق المنظور الأول بإدراك حقيقة ارتباط تأسيس هذه التنظيمات العسكرية العراقية من قِبَل إيران بمفهوم تصدير الثورة.

فمنذ الإطاحة بنظام الشاه استعمل الخميني لفظ تصدير الثورة أكثر من مرة حتى أن أنصاره جمعوا كلامه عن ذلك التصدير في رسالة وأطلقوا عليها (تصدير الثورة كما يراه الإمام الخميني)، وورد في هذا الكتيب عبارات كثيرة منها قوله: إننا نعمل على تصدير ثورتنا إلى مختلف أنحاء العالم.

كما تجلى ذلك في خطابٍ للخميني في فبراير عام 1980م بمناسبة مرور عام على قيام الثورة عندما قال: إنَّنا نصدِّر ثورتنا للعالم كله. ثم تراجع الخطاب المعلن بالتدريج ليحاول تحقيق انفتاح على المستوى العلني مع الجيران والقوى الإقليمية والدولية وتقديم النظام السياسي نفسه على أنه نظام منفتح إقليماً ودولياً.

ومع بُعد زمن الثورة يظن بعض المحللين أن الثورة قد تحولت إلى دولة وغلب فيها الطابع السياسي البراغماتي على الطابع الثوري، ولكن يعود الساسة الإيرانيون ليعلنوا تمسكهم بالنهج الثوري الذي من أبرز خصائصه رغبتهم وعملهم في تصدير الثورة؛ ففي سياق الاحتفالات بذكرى الثورة الإيرانية عام 2015م أعلن قائد فيلق القدس في الحرس الثوري حينها قاسم سليماني أن «مؤشرات تصدير الثورة الإسلامية باتت مشهودة في كل المنطقة من البحرين والعراق إلى سوريا واليمن وحتى شمال إفريقيا».

وتبقى إستراتيجية النظام الإيراني الرئيسية غير المعلنة هي تصدير الثورة السياسية، أو بمعنى أدق: النموذج الإيراني الشيعي للعالم الإسلامي، وهذا ما يؤكد عليه مركز كارنيجي الأمريكي في تقرير له صدر عام 2016م ذكر فيه أن السياسة غير المعلنة المتعلقة بتصدير الثورة درَّت على إيران مكاسب إستراتيجية، لكنه أسفر أيضاً عن تعميق التصورات حول تحيُّزاتها الطائفية، فسياسة تصدير الثورة - بحسب مركز كارنيجي - هي مبدأ أصيل في السياسة الخارجية الإيرانية، وقد ثبت لقادة إيران أنهم إذا ما أرادوا حقاً حماية الثورة يتعيَّن عليهم نشر أيديولوجيتها وسياساتها خارج حدود البلاد وأفضل دفاع في تقديرهم كان الهجوم الجيِّد.

أما المنظور الثاني لفهم علاقة المجموعات المسلحة الشيعية في العراق بالإستراتيجية الإيرانية، فهو ما يتعلق بمفهوم السيطرة على الدولة بوجود كيانات عسكرية مستقلة عن الكيان العسكري الرسمي للدولة.

فتعدد الأذرع العسكرية يمثل حماية للمشروع السياسي للنظام من تسلط قوة عسكرية وحيدة، ففي إيران على سبيل المثال الحرس الثـوري يستقل في إدارته وقيـادته عن الجيـش الإيراني، وفي لبنـان يوجد حزب اللـه قـوة موازية تفـوق قدرات الجيـش اللبناني، وهكـذا صار في العـراق كيانات عسكرية موازية للجيش العراقي.

قد يكون هذا الأمر مقبولاً في إيران نظراً لوجود طائفة تمثل غالبية السكان، ولكن يبدو الأمر مستفزاً مع الدول متعددة الطوائف كالعراق ولبنان.

وفي النهاية فإن مستقبل هذه التنظيمات العسكرية الشيعية العراقية يعتمد على عاملين أساسيين، هما:

1- عامل خارجي إيراني وهو معرَّض لاهتزاز كبير يتعلق بتراجع القوة الإيرانية ومحاصرتها إقليمياً ودولياً، كما تتراجع موارد إيران الاقتصادية ومدى استمرار الدعم المالي والتسليحي لتلك الميليشيات.

2- عامل داخلي مرتبط بانهيار المشروع الإيراني لدى شيعة العراق، وانكشافه بأطماعه في ضم العراق وهذا ما باتت ترفضه نخب شيعية عراقية متزايدة من عشائر قبلية ومثقفين.

وهناك العامل الأهم والحاسم ويتمثل في يقظة متوقعة لأهل السنة في العراق، يتم فيها استدراك وتجاوز للموقف الضعيف الذي وجدوا أنفسهم فيه، وحشروا به بين مطرقة داعش وسندان حكومة طائفية تخضع للنفوذ الأجنبي سواء كان أمريكياً أم إيرانياً.

فأهل السنة هم المرشحون لجمع أطياف وطوائف الشعب العراقي للخروج بالعراق مرة أخرى من الوهن واستعادة دوره المتوقع في نهضة الأمة.

 


أعلى