أثر الثقافة العربية في ثقافة الطوائف اليهودية

إذا كان لليهود بعض الخصائص الثقافية التي تميزهم؛ فمن المؤكد أنها كانت ثقافة فرعية ذات أصول دينية نمت داخل الإطار العام لثقافة المجتمع الإسلامي


دائماً ما يسرف الباحثون والمؤرخون الإسرائيليون في استخدام مصطلحات مثل: الأدب اليهودي، الشعر اليهودي، الثقافة اليهودية، وهم يتحدثون عن تميز اليهود الذين عاشوا في رحاب الحضارة العربية الإسلامية؛ في محاولة لاختلاق جذور ثقافية وحضارية وتاريخية، من غيابات الأوهام والأساطير والتعصب الديني والعنصري!

إذا كان لليهود بعض الخصائص الثقافية التي تميزهم؛ فمن المؤكد أنها كانت ثقافة فرعية ذات أصول دينية نمت داخل الإطار العام لثقافة المجتمع الإسلامي، خاصة في العصر الوسيط، ولقد أدى النشاط الثقافي الهائل الذي شهدته حقبة إشراق الحضارة العربية الإسلامية إلى تخلي اليهود في جميع أرجاء العالم الإسلامي - خاصة في مصر - عن اللغة الآرامية واللغة العبرية، واتخاذهم اللغة العربية لغة للكتابة والإنتاج الفكري.

عصر الدولة الإسلامية في الأندلس:

قبيل الفتح الإسلامي للأندلس لاقت طائفة اليهود الأندلسيين عنتاً ورَهَقاً، واضطُهدت اضطهاداً شديداً، وفرَّ كثير منهم إلى المغرب العربي، الذي كان ينعم بعدالة وسماحة الحكم الإسلامي، وقد استنجد بالعرب كثير من يهود الأندلس، حتى أمنوا على حياتهم وحريتهم وأموالهم ومعتقداتهم.

وكان للثقافة العربية أثر رائع في اللغة والآداب العبرية في ذلك العصر خاصة؛ فقد أسهمت بقدْر كبير في تطور اللغة العبرية، والمحافظة عليها من الانقراض، ودأب علماء اليهود الذين عاشوا في الأقطار الإسلامية، على وضع الكتب اللغوية على نسق المؤلفات العربية في قواعد اللغة، وتناولت فنونُ الشعر العبري جميعَ الأغراض المعروفة في الشعر العربي، وبدا تأثُّر شعراء اليهود - لا سيما الأندلسيين - واضحاً بالآداب العربية ونسجوا على منوال ما درسوه من الاتجاهات الشعرية العربية، كذلك انتهجوا الأساليب البلاغية العربية الشائعة نفسها، كما قلدوهم في نظم الأحاجي والألغاز، وانفرد الشعراء اليهود بفن واحد هو (الحنين إلى أرض الميعاد)، ولم يؤلف اليهود كتاباً علمياً في قواعد اللغة العبرية إلا بعد أن تتلمذوا للعرب، وبعد أن نشؤوا في مهد الثقافة الإسلامية نشأة مكَّنتهم من فهم العلوم العربية على اختلاف أنواعها.

يأتي على رأس الأدباء اليهود الفيلسوف الشاعر (شلومو بن جبريول) الذي وُصِف بأنه سيد شعراء أهل ملَّته في عصره، وقد صبَّ شعره في قوالب الشعر العربي، كما أنه درس جميع اتجاهات الفلسفة باللغة العربية حتى أنه وضع فيها كتابه (ينبوع الحياة) وترجم هذا الكتاب إلى اللاتينية، ويُنسَب إليه نظم قصيدةٍ بلغت نحو أربعمائة بيت، ضمَّنها كلَّ ما كان معروفاً من قواعد العبـرية التي كان يجيـدها، وقد أبدى في كتاباته ألماً وحسرة على تَرْك أبناء ملَّته لغتَهم وتمسُّكِهم باللغة العربية.

كما ظهر من أدباء اليهود (مناحم بن سروق الطرطوشي) الذي كتب في الأدب العبري نظماً ونثراً، منتهِجاً نهج الأدباء العرب.

ومن يهود الأندلس من كتب في الرياضيات والطب وعلم الأخلاق، الذي برع فيه (يحيى بن يوسف بن فاقوذا) صاحب كتاب الهداية الذي يدعو فيه إلى إصلاح الحكم والأخلاق، وقد تأثر في هذا بكتابات الإمام أبي حامد الغزالي. ومنهم (سليمان بن زقبيل) الذي حاكى الحريري في مقاماته.

ومن الشعراء العبرانيين الذين تأثروا بالشعر الأندلسي في تراكيبه وأغراضة شاعر غرناطة (موسى بن عزرا) الذي برع في فنون الشعر وقصص الحب والغزل ووصْف مجالس اللهو، متأثراً تماماً بالبيئة الأندلسية وشعرائها كما أن له عدة مؤلفات في الفلسفة وهو صاحب المؤلف المشهور (المحاضرة والمذاكرة) في تاريخ النظم والنثر في اللسانين العربي والعبري والموازنة بينهما في اللغتين، كما برع موسى بن عزرا و (الحريزي) في فن النقد الأدبي.

وأمير الشعر العبري هو (يهوذا هاليفي) الملقب بـ (أبي الحسن اللاوي) ويُعدُّ أيضاً من كبار فلاسفة اليهود، وله كتاب مشهور في الفلسفة الدينية بعنوان (الخوزري) ألَّفه بالعربية ثم تُرجِم إلى العبرية. ومنهم (أبراهام بن عزرا) الذي أمضى شطر حياته الأول في قرطبة ساحة العلم والأدب حيث درس أصول الدين والحكمة. ثم (يهودا بن داود حيوج) المعروف عند العرب بأبي زكريا يحيى، و (يونا بن جناح) القرطبي المعروف بأبي الوليد، اللذان سلكا أيضاًً مسلك النحاة العرب؛ خاصة النحوي الكبير سيبويه. وإن نظرة سريعة في كتابَي (الأصول) و (اللمع) لابن جناح، تطلعنا على مقدار ما للعرب من فضل على اليهود.

وقد نقل اليهود إلى لغتهم كثيراً من العلوم الإسلامية، كالتوحيد والطب والفلسفة وغيرها، مثل مؤلفات (ابن سينا) وكتاب (تهافت التهافت) للإمام الغزالي وكتاب (تهافت الفلاسفة) لابن رشد، وهو ما كان له أبلغ الأثر في تهذيب العقيدة اليهودية فيما يتعلق بالذات الإلهية وصفاتها.

ومن المناسب أن نعرض لرأي البروفيسور (دافيد يالين) أستاذ الأدب العبري في العصر الأندلسي، بالجامعة العبرية بالقدس في كتابه (فن الشعر الأندلسي)؛ إذ كتب: «لقد كان العصر الأندلسي عصراًً زاهراًً في الأدب العبري، وهو العصر الذهبي الثاني للأدب العبري، إذ كان العصر الذهبي الأول هو عصر الكتاب المقدس... ومما يؤسف له أن ذلك الشعر الأندلسي الجميل كاد أن يندثر؛ فمنذ جلائنا عن الأندلس عشنا في أقطار شتى، وتأثرنا بآداب متنوعة... اتخذ شعراؤنا من الشعر العربي في ذلك العهد نموذجاًً ينسجون على منواله، وكان الشعر العربي قد بلغ الأوج في الازدهار والإبداع كما كان العلماء والأدباء والشعراء اليهود ينهلون من الثقافة العربية التي كانت تمثِّل وقتئذٍ ينبوعاًً للثقافة والتفكير اليهودي».

ومما لا شك فيه أن دراسة التاريخ اليهودي قد أفادت كثيراً من وثائق الجنيزا، التي ترجع إلى الحقبة الممتدة من عصر الدولة الفاطمية حتى عصر الدولة الأيوبية؛ أي من نهايات القرن العاشر الميلادي حتى أواسط القرن الثالث عشر، وتوجد وثائق أيضاً من العصرين المملوكي والعثماني؛ بل إن هناك أيضاً بعض الرسائل والوثائق يرجع تاريخها إلى منتصف القرن التاسع عشر.

 

عصر الدولة الإخشيدية:

في عصر الدولة الإخشيدية، كان في تاريخ يهود مصر شخصيتان بارزتان تشهد مكانتهما العلمية على أن الطائفة اليهودية في مصر (في القرن التاسع الميلادي) قد عاشت مناخاً يسوده التسامح، وفَّر لها قدراً من النشاط وتحصيل العلوم:

الأول هو: الطبيب الفيلسوف (إسحاق بن السموءل) الذي هاجر من مصر إلى القيروان عام 900م، حيث عمل طبيباً في بلاط حكام المغرب من الفاطميين.

والثاني هو: الفيلسوف واللغوي الشهير (سعيد سعديا بن يوسف الفيومي)، ويعدُّه اليهود أبَا النحو العبري؛ إذ كان أول النحاة العبريين الذين وضعوا قواعد النحو العبري، على غرار قواعد اللغة العربية في كتابه (المجموعة)، كما ألَّف كتابين آخرين: (اللغة العبرية)، وكتاب (الفصاحة)، وقد أخذ كثيراً من العلوم الإسلامية وتأثر بمذهب المعتزلة، وفي كتابه (بستان العقول) نلمس بوضوح أثر الفقه الإسلامي، كما أخذ عن الكرماني مؤلف كتاب (راحة العقل). وقد عَظُم شأن سعديا حتى أصبح من أشهر رؤساء معاهد العراق، وكان قبيل رحيله إلى العراق، قد أمضى عدة سنوات في فلسطين، وتولى رئاسة معهد (سورا) بالعراق.

عصر الدولة الفاطمية:

انتزعت القاهرة الفاطمية مكانة بغداد، وأصبحت بفضل سياستها الاقتصادية المنفتحة والمتسامحة - كما يشير مارك كوهن - أكثر مفترقات الطرق التجارية نشاطاً في العالم الإسلامي، في هذه الظروف سرعان ما وجد يهود مصر أنفسهم وقد توافد إليهم المهاجرون اليهود في أعقاب الفتح الفاطمي.

اسمان يهوديان برزا في العصر الفاطمي، هما:

(يعقوب بن كلس) الذي أشهر إسلامه عندما كان مستشاراً لكافور الإخشيدي أملاً في تقلُّد منصب الوزارة، ثم تقرب إلى الخليفة المعز لدين الله إلى أن قلَّده العزيز بالله بن المعز منصب الوزارة عام 977م.

والثاني: (بلطيال بن شفطيا) وكان معاصراً لابن كلس وطبيباً في بلاط الخليفة المعز، وتذهب بعض الآراء إلى أن الفاطميين استخدموا الكتَّاب والأطباء اليهود لضمان ولائهم للحكم. ومن الواضح أن عصر الدولة الفاطمية كان بالنسبة لليهود في مصر «فترة اندماج حقيقي في الحياة السياسية العامة للدولة»!

  الدولة الأيوبية وعصر سلاطين المماليك:

شهدت الحقبة ما بين القرن الثاني عشر ومنتصف القرن الرابع عشر ازدهاراً ثقافياً لليهود المصريين، كان بداية هذه النهضة الثقافية حوالي عام 1165م، عندما رحل إلى مصر (موسى بن ميمون) أشهر شخصية يهودية نبغت في ظل الحضارة الإسلامية، حاملاً معـه تراثاً ثقافياً أندلسياً، وقد تلقَّى علومه بجامعة القرويين في فاس قبل هجرته إلى مصر، وأفكارُه الفلسفية تشهد بمكانته العلمية، وقد أنشأ في مصر (سلالة من الأدباء والعلماء) هيمنوا أيضاً على زعامة الطائفة.

تولى ابن ميمون منصب (رئيس اليهود) عام 1171م مع استقلال صلاح الدين بمصر وتأسيس الدولة الأيوبية، وظل في منصبه حتى عام 1177م ثم تولاه مرة أخرى في الفترة 1195 - 1204م، كما اشتهر بأنه طبيب خاص لصلاح الدين. وقد تأثر في كتاباته الطبية بمؤلفات ابن سـينا والرازي، وأشهرُ مؤلفاته كتاب (دلالة الحائرين) الذي أتم تأليفه باللغة العربية عام 1195م ثم ترجم إلى العبـرية بعد ذلك كتاب (قواعد الشريعة اليهودية).

وتشير كتابات ابن ميمون إلى ممارسة بعض اليهود للصوفية على النمط الإسلامي، وقد تأسست حلقة صوفية يهودية في القاهرة وأخرى في الإسكندرية، ومارس (أبراهام بن موسى بن ميمون) ورفاقه طقوساً مماثلة للتصوف الإسلامي، وأكثروا من الصيام، وأضافوا إحناء الرؤوس والسجود في صلواتهم، وحذا أبراهام حذو أبيه موسى بن ميمون الذي اتبع سلوكاً إسلامياً تقشفياً في إقامة الشعائر بالمعابد، وقد حاول أبراهام نشر هذه الطقوس بين الطائفة غير أن بعض وجهاء اليهود شكوه إلى السلطات الأيوبية لمحاولته إدخال (البدع) إلى الديانة اليهودية.

وقد عرض (أبا إيبان) وزير الخارجية الإسرائيلي الأسبق لتجربة اليهود في الأندلس والمغرب في كتابه (My People) الذي أقر فيه بازدهار اليهود اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً في ظل الحكم العربي فكتب: «شهدت الطوائف اليهودية في إسبانيا والشمال الإفريقي ازدهاراً في جميع مجالات الإبداع على مدى قرنين من الزمان (في أقل تقدير) تحت ظل الوصاية العربية، هذا الازدهار لم يتحقق من قبلُ على مدار تاريخ الشتات الذي تعرض له اليهود».

 


أعلى