ما وراء الحرب الاهلية في إثيوبيا

يحاول الكثيرون تجاهل دور الدين في الصراعات داخل إثيوبيا، بالرغم من أن الأحداث على الأرض لا تدعم هذا التجاهل، وحتى عام 1991م كان يحظر على المسلمين العمل في المصالح الحكومية.


«نحن الآن نخوض المعركة الأخيرة لإنقاذ إثيوبيا في ظل توحُّد كل أعدائنا بالداخل والخارج»

هذه تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، التي أعلن فيها أنه سينضم للقتال في الخطـوط الأمامية؛ وذلك على خلفيـة احتدام الاشـتباكات بين قوات الجيـش الإثيوبي وعناصر الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي المتمردة، التي باتت تتقدم نحو العاصمة أديس أبابا.

هذه التصريحات تدفعنا إلى إعادة النظر في هذا النزاع المسلح الدائر الآن في إثيوبيا، هل هو مجرد شأن داخلي ومحلي محض؟ أم هو صراع يتأثر بما يحدث من تنافس دولي وإقليمي؟

فثمة حقيقة لا يمكن تجاوزها؛ وهي أنه لا يمكن إدراك طبيعة الحرب الأهلية الدائرة في إثيوبيا والإلمام بها واستشراف مستقبلها إلا بفهم عنصرين: طبيعة الدولة الإثيوبية جغرافياً وعرقياً، ثم السياق الخارجي والصراع الدولي في اللحظة الراهنة.

إثيوبيا من الداخل:

إثيوبيا دولة لها تاريخ طويل، وقد عُرفَت ببلاد كوش وأُطلق عليها حديثاً (إثيوبيا) ومعناها (الوجه المحروق) عند الإغريق، وعرفها العرب باسم (الحبشة)، وهو الاسم الذي اشتهر لها في التاريخ العربي والإسلامي.

كانت إثيوبيا موطناً لمملكة أكسوم القديمة، وفيها وُجِد أقدم هيكل بشري عمره 4.4 مليون سنة، كما أنها موطن الكنيسة الأرثوذكسية الإثيوبية إحدى أقدم الكنائس النصرانية، كما أنها كانت أيضاً إحدى أقدم النظم الملكية في القارة التي لم تنتهِ إلا من خلال الانقلاب العسكري عام 1974م.

جغرافياً: تقع إثيوبيا في شمال شرق إفريقيا التي يطلق عليها القرن الإفريقي، وتُعدُّ أكبر بلدان هذه المنطقة، ويحدها من الشمال إريتريا ومن الشمال الشرقي جيبوتي، ومن الجنوب والجنوب الغربي كينيا، ومن الشرق والجنوب الشرقي الصومال، ومن الغرب والشمال الغربي السودان، وتبلغ مساحة إثيوبيا أكبر قليلاً من مليون وثلاثمائة ألف كم مربع، وتنتشر هذه المساحة في أربع مناطق جغرافية رئيسية هي من الغرب إلى الشرق: الهضبة الإثيوبية، والوادي المتصدع العظيم، والهضبة الصومالية، وهضبة أوغادين، وتغطي الهضبة الإثيوبية أكثر من نصف مساحة الدولة ويتركز فيها 70% من السكان0

وعاصمة البلاد هي مدينة أديس أبابا التي تقع في منتصف إثيوبيا ومعناها باللغة الإثيوبية (الزهرة) الجديدة، ويُشار إلى أنَّ إريتريا انفصلت عن البلاد عام 1993م، وكانت هذه الدولة إحدى المقاطعات الإثيوبية على ساحل البحر الأحمر، وبعد الانفصال لم تعد إثيوبيا بلداً ساحليّاً بل دولة منغلقة جغرافياً مثل أفغانستان.

ويسكن إثيوبيا ما يقرب من 77 مجموعة قومية موزعين على 11 إقليماً تتمتع بحكم ذاتي؛ كلٌّ منها له حكومته وعَلَمه الخاص، وهي: أمهرة، تغراي، أوروميا، عفار، الصومال الإثيوبي، بني شنقول جموز، شعوب جنوب إثيوبيا، جامبيلا، السيداما، هرر، وأضيف الإقليم الـ 11 في سبتمبر عام 2020م تحت اسم إقليم جنوب غربي إثيوبيا، كما تُعد إثيوبيا واحدة من أكبر الدول التي تتعدد فيها لغات السكان لتصل إلى نحو مائة لغة.

يبلغ تعداد السكان في إثيوبيا أكثر من مائة مليون نسمة طبقاً لتعداد عام 2017م، وهي بذلك ثاني أكبر دولة إفريقية من دول إفريقيا جنوب الصحراء من ناحية السكان بعد نيجيريا وذلك وَفْقاً لتقديرات البنك الدولي الأخيرة، أما وَفْق موقع وورلد ميتر فإنه في هذا الشهر يبلغ تعداد سكان إثيوبيا ما يقرب من 120 مليون نسمة، وهو ما يضعها في المركز 12 عالمياً من حيث ترتيب دول العالم سكانياً.

يمثل (الأورومو) أكثر القوميات من حيث العدد ويسكنون وسط إثيوبيا ويشكلون نحو 40% من عدد السكان ويتحدثون اللغة الأورومية، ويعملون بالزراعة والرعي، في حين تبلغ نسبة القومية الثانية (الأمهرا) حوالي 25% من السكان ويتحدثون اللغة الأمهرية، وهي اللغة الرسمية للجمهورية الإثيوبية، وتبلغ نسبة قومية التيغراي التي تسيطر على الحكم منذ فترة طويلة ما يقرب من 6% فقط من جملة عدد السكان وأغلبهم يعيش في شمال البلاد، وهم أيضاً الأكثر سيطرة على اقتصاد البلاد.

من حيث الدين، تتفاوت الإحصائيات فيما يتعلق بنِسَب الذين ينتمون إلى النصرانية والمسلمين في إثيوبيا، فالمصادر الرسمية تقول إن نسبة النصارى بجميع طوائفهم (الأرثوذكسية والبروتستانتية) تبلغ ما يقرب من 80% من سكان البلاد في حين تبلغ نسبة المسلمين الخُمْس، أما كتاب الحقائق الذي تصدره المخابرات الأمريكية فيقول: إن نسبة النصارى هي الثلثان فقط، ووَفْقاً لإحصائيات مركز بيو الأمريكي للأبحاث، فإن عدد المسلمين في إثيوبيا في سنة 2020م قد قُدِّر بنحو 36 مليون نسمة، تقريباً 36%. أما المصادر الإسلامية فترفع عدد مسلمي إثيوبيا إلى 55% من عدد السكان، وتبدو هذه النسبة أقرب للحقيقة إذا ما تمَّت إضافة نسبة مسلمي منطقة أوغادين الصومالية التي ضمتها إثيوبيا إليها، وهذه المنطقة غالبيتها الساحقة من المسلمين، كما أن قومية الأورومو الأكثر سكاناً تَدِين غالبيتها بالإسلام، وهذا التضارب معروف في أكثر دول إفريقيا التي تعاني من عدم وجود إحصائيات دقيقة للسكان وتخضع نِسَبهم دائماً للميول العاطفية سواء كانت عرقية أم دينية، ولكن نظراً لأن الدولة الإثيوبية أقيمت في مناطق الأمهرا التي أغلبها من النصارى ثم توسعت واحتلت بقية الأقاليم، فأصبحت بذلك الكتلة السكانية النصرانية المتماسكة والمتقاربة جغرافياً وتاريخياً هي المسيطرة على الحكم في هذه الدولة.

ويحاول الكثيرون تجاهل دور الدين في الصراعات داخل إثيوبيا، بالرغم من أن الأحداث على الأرض لا تدعم هذا التجاهل، وحتى عام 1991م كان يحظر على المسلمين العمل في المصالح الحكومية.

وحديثاً في عام 2019م - أي منذ سنتين - حرق متطرفون نصارى أربعة مساجد في بلدة موتا بمنطقة غوجام في إقليم أمهرا، فاندلعت على إثرها مظاهرات حاشدة في أنحاء البلاد تنديداً بالاعتداء على المساجد والمحلات التجارية المملوكة للمسلمين.

وفي الحرب الأخيرة فقد بدأ الصراع عرقياً، وليس في إقليم مسلم في غالب سكانه، وليس للدين علاقة به؛ وإنما هي أزمة نزاع ضد انفراد أقلية قومية التغراي بالحكم في الدولة منذ عهد ملس زيناوي الذي ينتمي إلى هذه القومية، ثم مع وصول آبي أحمد إلى الحكم تحالفت قومية الأمهرا مع الأورومو لإبعاد أقلية التغراي من الانفراد بالسلطة.

ولكن دخول طائفة الأورومو الأكثر عدداً وفي الوقت نفسه يشكل المسلمون غالبية فيها، أحيا لدى المسلمين الآمال لاستعادة حقوقهم التي ساهمت طائفة التيغراي في ضياعها عندما هيمنت على السلطة في إثيوبيا لعقود، ومما يعزز إشكالية وضع المسلمين في هذه الدولة، أنه في هذه الحرب نجد أن غالبية الجنود في الجيش الإثيوبي هم من المسلمين في حين يسيطر النصارى على غالبية مناصب الضباط سواء من الأمهرا أو التيغراي.

لا شك أن المؤشرات تتزايد فيما يتعلق بالانقسام العرقي والمناطقي والديني في إثيوبيا، ووصوله إلى درجة أنه بات ما لا يقل عن 13 مجموعة عرقية مختلفة تطالب حالياً: إما بمزيد من الحكم الذاتي، وإما بالانفصال الذي يكفله الدستور، وهذا الانقسام يمتد حتى داخل الطائفة الواحدة وفي كل إقليم، وتحول إلى تحالفات بين جزء من هذا العرق مع نظيره من عرق آخر في مواجهة تحالف يضم الطوائف المنقسمة نفسها، واللغة السائدة هي لغة السلاح.

ولكن هذا الانقسام الداخلي يغذيه عوامل أخرى.

دور الخارج في الأزمة الإثيوبية:

هل من الصدفة البحتة أن يتزامن الاقتتال بين الأعراق في إثيوبيا مع تصاعد الأزمات على الصعيد الدولي أو الإقليمي؟

هل كان لزيادة حدَّة التنافس بين الصين والولايات المتحدة على زعامة النظام الدولي في أعقاب وصول جو بايدن إلى الحكم في البيت الأبيض تأثير على الحرب الأهلية الإثيوبية عندما عدَّ التنافس مع الصين هو من أولويات الإستراتيجية الأمريكية؟

ما هو تأثير النزاع الإقليمي بين المحاور المتنافسة في القرن الإفريقي على الوضع الإثيوبي؟

هل كان لمصر والسودان دور في تأجيج النزاع داخل إثيوبيا على خلفية فشل مباحثات سد النهضة كما تحاول المصادر الإثيوبية الإيحاء بذلك؟

سوف نقتصر في هذا المقال على تحليل الصراع الدولي وتأثيره على الحرب في الداخل الإثيوبي.

التنافس الدولي في إثيوبيا:

لقد نظرت الدول الكبرى سواء كانت دولية أم إقليمية لإثيوبيا على أنها القوة الكبرى في منطقة القرن الإفريقي وبالتعاون معها تستطيع هذه الدول الهيمنة والتحكم في تلك المنطقة الحيوية.

ولكن ما أهمية القرن الإفريقي الإستراتيجية؟

يعرِّف الدكتور جلال الدين محمد صالح القرن الإفريقي بتعريف جامع وفي الوقت نفسه بسيط حين يقول: إن القرن الإفريقي هو ذلك القرن الناتئ في شرق القارة الإفريقية، الذي يضم كلّاً من الصومال، وجيبوتي، وإثيوبيا، وإريتريا، ويلحق به السودان، وكينيا، وأوغندا، تأثُّراً، وتأثيراً.

تتجلى الأهمية الإستراتيجية للقرن الإفريقي في ثلاثة عناصر:

أنه مجاور للمحيط الهندي، كما أنه يمثل نقطة اتصال مع شبه الجزيرة العربية الغنية بالنفط، إضافة إلى وجود مضيق باب المندب الذي يعدُّ ممراً هاماً تستخدمه ناقلات النفط والغاز والبضائع والأسلحة.

ولذلك تتصارع القوى الكبرى عليه سواء أمريكا أم الصين أم روسيا، كما تشهد المنطقة تدافعاً غير مسبوق للقوى الإقليمية للتحكم فيه وأبرزها: تركيا والإمارات وإسرائيل وإيران.

ولكن يبقى التنافس الأمريكي الصيني هو الأخطر؛ خاصة أنه ركز على الدولة الأهم في تلك المنطقة الجغرافية وهي إثيوبيا، باعتبارها الدولة الأكبر مساحة والأكثر سكاناً، وباعتبار التاريخ والميول الإمبراطورية وأن لديها حلم التوسع والهيمنة.

فإثيوبيا تأتي أهميتها ليست فقط من هيمنتها في القرن الإفريقي، ولكن باعتبارها مقر الاتحاد الإفريقي فهي بذلك مع دولة جنوب إفريقيا تعدَّان الأكثر تأثيراً في تلك القارة السمراء.

لقد تغيرت نظرة الولايات المتحدة لإثيوبيا في أعقاب سقوط الحكم الشيوعي في البلاد في أوائل تسعينيات القرن الماضي، وصعود ميليس زيناوي لحكم البلاد وقد ظل مسيطراً على مفاصل الحكم حتى عام 2012م، فراهنت على هذا الرجل القوي وعدَّت نظامه ركيزة أساسية للسيطرة على المنطقة.

ففي عهده استعانت الولايات المتحدة بالقوات الإثيوبية للسيطرة على الصومال وتأديب الصوماليين الذين تجرؤوا وقاوموا القوات الغازية الأمريكية بعد أن ألحقوا بجنود المارينز خسائر فادحة، كما كان زيناوي الركيزة الأساسية الأمريكية في احتواء نظام البشير وحصاره لميوله الإسلامية، الأمر الذي أدى في النهاية لفصل الجنوب السوداني.

وبما أن نظام زيناوي كان يستمد شرعيته وقوَّته من قومية التيغراي، فإن الرهان الأمريكي تركز على هذه الطائفة العرقية لضمان استمرار تحالفها مع إثيوبيا وضمان تحقيق واستمرار المصالح الأمريكية في القرن الإفريقي.

لكن بوصول آبي أحمد المنتمي لقومية الأورومو للحكم في إثيوبيا عمل على تفكيك حكم التيغراي، ومن ثَمَّ كان لا بد أن يصطدم مع حليف التيغراي وهو الولايات المتحدة والتحالف مع منافستها وهي الصين، ومن هنا بدأت العلاقات في التدهور بين إثيوبيا وأمريكا في حين تعززت علاقاتها مع الصين.

وهذا ما بدا من ميل أمريكي لدعم التيغراي وحديثها عن ضرورة وقف المعارك الضارية بين نظام آبي أحمد وبين التيغراي.

ومع هذا التدهور في العلاقات لم تشأ أمريكا أن تترك الساحة خالية للصين، وفي الوقت نفسه لم يشأ آبي أحمد قطع روابطه بأمريكا رغم تعاونه الوثيق مع الصين.

أما الصين فقد رأت في إثيوبيا الفرصة السانحة ليس للهيمنة على المنطقة الإستراتيجية الأهم وهي القرن الإفريقي؛ بل رأت فيها بوابة للتغلغل في إفريقيا، ومن ثَمَّ الصعود في سلم النظام الدولي.

ولكن هل للصين أحلام توسعية في العالم؟

في الكتاب الذي أصدره في عام 2010م تحت عنوان (الحلم الصيني) دعا العقيد في الجيش الصيني (ليو مبينغ) إلى أن تتخلى الصين عن تواضعها فيما يتعلق بأهدافها على الساحة العالمية، وأن تتحدى الولايات المتحدة على الزعامة العالمية. ويعكس ليو في كتابه الطموحات القومية الصينية المتصاعدة؛ إذ جاءت الدعوة للتخلي عن التواضع فيما يتعلق بالأهداف العالمية والقفز لكي تصبح الصين رقم واحد في العالم، كما حذَّر أيضاً من أن صعود الصين سيزعج واشنطن وهو ما يزيد من خطر الحرب وإن كانت بكين تأمل في صعود سلمي. وقال ليو: إن هدف الصين الكبير في القرن الحادي والعشرين أن تصبح رقم واحد في العالم (القوة العليا). وكتب ليو - وهو أستاذ في جامعة الدفاع الوطني ويدرب الضباط الشبان في جيش الصين -: إذا لم تتمكن الصين في القرن الحادي والعشرين من أن تكون رقم واحد في العالم أي أن تكون القوة العليا فإنها ستصبح - حتماً - مهمشة.

لقد بَنَت الصين إستراتيجيتها للمنافسة في ترتيب النظام الدولي على أساس نظري فيما أطلقت عليه (إستراتيجية الصعود السلمي)، وهي في جوهرها تعني الانتقال تدريجياً إلى مرتبة لاعب أساسي في العلاقات الدولية ولكن دون تهديد أمن واستقرار النظام الدولي، أو هي التسلل الناعم لأحشاء النظام الدولي.

وبالتدريج أخذ هذا المفهوم يظهر في خطابات زعماء الصين السياسيين؛ ففي عام 2003م صرَّح رئيس وزراء الصين (وين جياباو) خلال زيارته الرسمية للولايات المتحدة قائلاً: الصعود الصيني هو صعود سلمي لأن الصين تتطور بالاعتماد على قواها الخاصة، وفي مستوى العلاقات الخارجية أيَّدنا دائماً علاقات التعاون والصداقة بين الدول المختلفة التي نعُدُّها دائماً مثل إخوتنا وأخواتنا.

وظلت أهم ركائز الإستراتيجية الصينية في العالم تعتمد بدرجة أساسية على ما يُعرَف بالأخطبوط الاقتصادي وهو ما حصل مع إثيوبيا.

لقد تجلى التنافس الأمريكي الصيني داخل إثيوبيا في مظاهر عديدة:

فوفقاً لإحصائيات مبادرة أبحاث الصين وإفريقيا في جامعة جونز هوبكنز الأمريكية، فقد وقَّعت الحكومة الإثيوبية اتفاقيات قروض مع مقرضين صينيين خلال الفترة الممتدة من عام 2000 إلى عام 2018م بمبالغ تُقدَّر بـ 13.7 مليار دولار.

وفي المقابل على مدار الأعوام العشرين الماضية، بلغت استثمارات الولايات المتحدة طويلة الأجل في إثيوبيا أكثر من 13 مليار دولار، من بينها 4 مليارات دولار في السنوات الخمس الماضية، ونلاحظ اقتراب هذه الأرقام الأمريكية والصينية من بعضها وهو ما يدل على شدة التنافس بين القوتين على النفوذ والهيمنة في تلك الدولة.

ولكن المعركة الكبرى تتجلى في سوق التكنولوجيا، فقد ساهمت الصين بإطلاق إثيوبيا أول قمر صناعي إثيوبي في ديسمبر 2019م بدعم من الحكومة الصينية، وفور إعلان إثيوبيا إستراتيجيتها الرقمية الأولى في مايو 2020م، أكدت المتحدثة باسم رئيس الوزراء الإثيوبي، أن إثيوبيا ترحب بالدعم الصيني لتنفيذ هذه الإستراتيجية، وهو ما يعني مزيداً من التعاون التكنولوجي بين إثيوبيا والصين.

لكن في المقابل يبدو أن الزعيم الإثيوبي آبي أحمد يريد أن يلعب باحترافية بين القوتين، فهو لا يريد قطع علاقته كليّاً بأمريكا، ويعزز تلك الفرضية ما ذكرته صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية ونقلته قناة روسيا اليوم، فقد أعلنت الحكومة الإثيوبية منذ عدة أشهر عن فوز تحالف الشراكة العالمية من أجل إثيوبيا بمناقصة لبناء شبكة اتصال من الجيل الخامس في البلاد، ولفتت الصحيفة الأمريكية إلى أن هذه المناقصة التي تصل قيمتها مليارات الدولارات تحظى بتمويل أمريكي لتقديم بديل عن التمويل الصيني لمشاريع البنى التحتية في الدول النامية، وتعرض هذه الشركة الحكومية الأمريكية قروضاً بفائدة مخفضة لكن ذلك شريطة عدم استخدام هذه الأموال لاقتناء معدات من إنتاج شركتَي HUAWEI و ZTE الصينيتين اللتين ترى فيهما واشنطن تهديداً استخباراتياً.

ولكن الدعم الصيني المتزايد لإثيوبيا، وتركيز إدارة بايدن في ملفات سياستها الخارجية على التمدد الصيني في العالم باعتباره يشكل التهديد الأكبر للهيمنة الأمريكية في العالم، كل تلك الأمور دفعت بالإدارة الأمريكية لأن تنتهز الحرب الإثيوبية للحدِّ من النفوذ الصيني في المنطقة، فضغطت على آبي أحمد حين قامت الخارجية الأمريكية بفرض قيود على منح تأشيرات لأي مسؤول أمني أو حكومي إثيوبي حالي أو سابق ثبت ضلوعه في الانتهاكات التي تُرتكَب في إقليم تيغراي، فضلاً عمَّا أعلنه وزير الخارجية الأمريكي من فرض قيود واسعة النطاق على المساعدات الاقتصادية والأمنية التي تقدمها الولايات المتحدة لإثيوبيا، مؤكداً مواصلة مساعدة إثيوبيا فقط في مجالات الصحة، والأمن الغذائي، والتعليم الأساسي، ودعم النساء والفتيات، وحقوق الإنسان، والديمقراطية والحكم الرشيد، وتخفيف حدة النزاعات.

وردَّت الحكومة الإثيوبية على هذا الإعلان ببيان لوزارة الخارجية الإثيوبية يفيد بأن إثيوبيا ستراجع علاقتها بالولايات المتحدة.

إذا كانت الأزمة في أوكرانيا هي النقطة الفيصلية التي تخوض فيها أمريكا صراعاً مريراً للحدِّ من توسع النفوذ الروسي باعتباره قوة عالمية؛ فهل تَعدُّ أمريكا الحرب الأهلية في إثيوبيا بمثابة قص أجنحة المنافس الصيني في إحدى أهم مناطق نفوذه الاقتصادي العالمي (إفريقيا)؟

 


أعلى