حوار مع د.عبد الحي يوسف
يمر السودان بأكبر اختبار في تاريخه، وقد تفرز انتخابات أبريل 2010م، أوضاعاً قاسية على هذا البلد المسلم الذي يعيش منذ خمس سنوات حالة من السلام الهش؛ بموجب اتفاق السلام بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية المتمردة، الذي انعقد في يناير 2005م؛ حيث يقضي هذا الاتفاق بإقامة انتخابات عامة على المستوى الرئاسي والبرلماني في السودان عامة وفي جنوب السودان في الوقت ذاته، وينص الاتفاق أيضاً على استفتاء السودانيين الجنوبيين على اختيار الوحدة أو الانفصال في يناير من العام المقبل 2011م، ويُجمِع المحللون على أن الانتخابات المقبلة ستؤثر بصورة مباشرة على اختيار الوحدة أو الانفصال. في هذا السياق التقت - البيان - فضيلة الشيخ الدكتور (عبد الحي يوسف) أستاذ الثقافة الإسلامية بجامعة الخرطوم وأحد أبرز علماء السودان وفقهائه المعدودين، وقد نال فضيلته درجة الماجستير في موضوع: (الدولة في الإسلام)، وتناولت أطروحته للدكتوراة قضية: (الاستبداد السياسي في القرآن الكريم). ولاشتغاله - حفظه الله - (فكراً ودراسة) بموضوع الفقه السياسي واطلاعه الدقيق على مجريات الواقع في السودان، قدَّم إجابات صريحة ودقيقة عن أسئلة - البيان - التي دارت حول الموقف من الانتخابات القادمة وحيثيات الواقع ومآلات الأوضاع والموقف الشرعي الواجب على المسلمين في هذا البلد والدور المتعلق بالعلماء في هذه المرحلة. - البيان -: تمر البلاد بفترة حرجة من تاريخها، ولكن السودانيين منقسمون؛ فإلى أي شيء تردُّون انقسامهم؟ السودانيون فيهم المسلم والكافر والبَّر والفاجر، وهم على اختلاف أديانهم وأعرافهم وثقافاتهم مختلفون فيما بينهم؛ لا على أساس الدين - في الغالب - بل لاختلاف الأهواء والأغراض؛ ولذا قلَّ أن تجد حزباً أو جماعة أو طائفة إلا وقد انشطرت إلى قسمين أو أكثر؛ وهذا الانقسام ليس بالأمر الجديد عليهم؛ فهذا هو العهد بهم منذ الاستقلال، بل ما قَبْله، ومردُّ ذلك إلى اختلاف الأهواء؛ فالسودانيون منذ زمن بعيد لا تجمعهم مرجعية واحدة، بل هم شيَع وأحزاب وطوائف، والعجب أن بعضهم ما زال ينتمي إلى أفكار وأحزاب صارت من تاريخ الغابرين: كالشيوعيين والناصريين - مثلاً - وما زال لحزب البعث أنصاره ومروجو خرافاته في الجامعات وغيرها؛ ولذلك تجدهم مختلفين فيما بينهم ومع غيرهم حول قضايا مصيرية. والإسلاميون - في الأعم الأغلب - ليسوا بأحسن حالاً؛ فلا توحِّدهم وِجهة ولا تجمعهم أهداف مشتركة، بل يكيد بعضهم لبعض ويُبدُون العداوة والخصام؛ إلا من رَحِم الله، والذي يمكن عمله - بالنسبة للإسلاميين - أن يتفقوا على مرجعية شرعية مستقلة يصدرون عنها في تقرير مواقفهم؛ لا أقول في الأمور التفصيلية، بل في القضـايا العـامة التي ما ينبغي أن يختلف عليها الناس. - البيان -: الانتخابات القادمة تُعَدُّ فاصلة في تحديد مصير السودان؛ فكيف يراها العلماء؟ وأين يقفون منها؟ بالنسبة لي (ولا أتحدث نيابة عن غيري) ليس لديَّ تحفُّظ شرعي على الانتخـابات كوسـيلة مناسـبة - وَفْـقَ المتاح - ليختار الناس من يحكمهـم، بدلاً من الاحتكـام للبندقية التي انتشرت ثقافتها، والتـي أفضـت إلى المآسي المتمثلة فيما يحدث في دارفور وجنوب السودان، وهي بديل مناسب عن الحكم الاستبدادي الديكتاتوري الذي لا ينال الناسُ من ورائه خيراً، وغايته إذلال العباد ونَهْب ثروات البلاد؛ هذا مع علمي بأن الانتخابات تشوهها ندوب وتعتريها جملة محاذير، لكنني أقول: هذا هو المتاح الآن وليس أمام الناس إلا أن يشاركوا، كما أن للانتخابات في السودان فائدة مهمة في هذه المرحلة، وهي: أنها ستبيِّن الأوزان الحقيقية لسائر الكتل والأحزاب السياسية التي يدَّعي كلٌّ منها أنها الممثل لأهل السودان أو لجهة منه، وهذا لا يتحقق إلا إذا كانت هذه الانتخابات نزيهة حرة، وصار لدى الناس وعي؛ بحيث يكون التصويت لمبادئ وبرامج، لا لأشخاص وأحزاب. وحبذا لو اجتمعت كلمة العلماء على موجِّهات عامة، منها: 1 - وجوب مشاركة المسلمين في هذه الانتخابات، وعدم جواز التقاعس وعدم المبالاة؛ لئلا يفضي ذلك إلى أن يثب على الحكم من لا يرجو لله وقاراً. 2 - أن يصدر تصوُّر شرعي عام فيما ينبغي عمله في هذه النازلة: من حيث حرمة شراء الأصوات وبيعها، وأنه لا يجوز تزكية ولا انتخاب من أحاطت به أسباب الفسق وخوارم المروءة، ووجوب وحدة أهل الإسلام ودعمهم لمن كان لله أقرب وهو على شعائر الدين أحرص. 3 - حبذا لو كانت هناك قائمة للمرشحين مزكاة من قِبَل أهل العلم والفضل؛ حتى يريحوا كثيراً من الناس ممن يصدرون في مواقفهم عن رؤية شرعية، وليس هذا من باب الوصاية على اختيار الناس، بل من باب التعاون على البر والتقوى، ومن باب تعديل من يجهل كثيرٌ من الناس قَدْرَه - البيان -: كثير من الإسلاميين يرون أن اتفاق نيفاشا الذي أوقف حرب الجنوب، كان جائراً بحق الشمال وحق المسلمين، وهو السبب في أكثر الأزمات السياسية التي يمر بها السودان ... ما هو الموقف الشرعي من اتفاق نيفاشا الذي يُقتَرح أن يكون مَثَلاً لحل مشكلات التنوع الديني والعرقي في العالم الإسلامي عامة وفي إفريقيا على وجه الخصوص؟ المعلوم أن مفاوضات نيفاشا، وقَبْلها ميشاكوس، وقَبْلها أبوجا، جرت في ظل غياب إسلامي عربي تام، وكانت تحدث تحت إشراف الأمم المتحدة ومعها النرويج وإيطاليا وبريطانيا وأمريكا وما يسمى بـ: (دول الإيقاد)، وهي - كما ترى - مجموعات صليبية يهودية، ليس فيها جهة إسلامية معتبرة، وكان العرب والمسلمون - خاصة الدول المجاورة - يتصرفـون وكأن أمر السودان لا يعنيهم، ولم يتكرم أمين الجامعة العربية إلا بحضور التوقيع النهائي، بعدما قُضِي الأمر؛ فكان شاهداً على أمر لا يدرِك أوائله ولا مآلاته. وهذه الاتفاقية لا تخلو من حسنات، من ذلك: أنها أوقفت الحرب؛ ولو إلى حين، وأقرَّت حكم الشمال بشريعة الإسلام، وأتاحت - نظرياً - التبشير بدين الإسلام في الجنوب؛ لكنها مع ذلك اشتملت على جملة من الطوام التي تكلَّم عنها الناس في حينه في مناصحات سرية وعلنية، ومن ذلك: أولاً : أخطر ما في نيفاشا أنها ألزمت الحكومة بسحب معظم الجيش السوداني القومي من الجنوب؛ وبذلك صار الجنوب - عملياً - تحت رحمة عصابات وميليشيات الحركة الشعبية، التي لا تبالي بقتل وسحق وإيذاء كل من يخالفها في قليل أو كثير، وقد أثَّر ذلك على المسلمين وغيرهم في الجنوب ثانياً : اتفاقية الترتيبات الأمنية ألزمت الحكومة - في حال اختيار الجنوبيين للوحدة - أن يكون الجيش السوداني نِصْفه من الحركة الشعبية التي تعادي الإسلام وتتبنَّى العَلمانية، مع أن هذه النسبة جائرة وظالمة جداً؛ إذ ليست الحركة الشعبية هي نصف السودان من أجل أن تُعطَى نصف الجيش؛ فإذا تصورنا أن الحركات المسلحة في دارفور سـتطـالب - حـال الاتفـاق معها - بشيء مثل هذا أو قريب منه، وهي حركات - في أغلبها - قائمة على أُسُس عَلمانية؛ فانظر كيف سيكون حال الجيش؟ معنى ذلك: أن الجيش السوداني ستكون أغلبيته معادية للإسلام وشريعته وللعروبة. ثالثاً: الاتفاقية أفضت إلى إنشاء مفوضية لغير المسلمين في الشمال؛ وهو ما أضعف الحكم الإسلامي غاية الضعف؛ لأن هذه المفوضية التي يرأسها جنوبي غير مسلم ظلت تمارس الضغط على حكومة الشمال، بدعوى عدم تضييع حقوق غير المسلمين؛ وهو ما أفضى إلى التفلت الذي يظهر بادياً للعيان في الشوارع، وقل مثل ذلك في التعامل مع الخمور وغيرها من القضايا التي ما كانت تظهر قبل عشر سنوات - مثلاً - إذ كانت الحشمة والوقار والتزام آداب الشريعة ظاهرةً للناس، وقد أدى ذلك أيضاً إلى أن يُطِل المنافقون برؤوسهم ثانية تحـت دعـاوى الحرية والتحول الديمقراطي؛ فظهر الجمهوريون أتباع الهالك محمود محمد طه، وتمدَّد الشيوعيون والعَلمانيون في فضاء الجامعات والمدارس، وإلى الله المشتكى. رابعاً: هذه المفوضية التي أُقرَّت لغير المسلمين في الشمال، ليس هناك مثلها في الجنوب بمعنى: أن المسلمين في الجنوب لا بواكي لهم، وهو ما أفضى إلى إلغاء كثير من مظاهر الإسلام التي كانت قائمة في الجنوب؛ فأُغلِق فرع جامعة القرآن وديوان الزكاة والبنوك الإسلامية، بل عُطلَت بعض المساجد ومُنِع الأذان، ومُنِعت المسلمات من الحجاب، وصار التعليم في المدارس قائماً على المنهج الكيني... وهكذا. خامساً: أعطت الاتفاقية للحركة الشعبية حكم الجنوب كله؛ ولك أن تتصور أن حكومة الجنوب فيها اثنان وعشرون وزيراً ليس من بينهم مسلم واحد، ومعظمهم نصارى مع أن أغلب الجنوبيين وثنيون وليسوا نصارى، وفي الوقت نفسه تشارك الحركة الشعبية في حكم الشمال، والآن بلغ بهم الاستخفاف والأماني أن يرشحوا شيوعياً شمالياً (وهو نائب الأمين العام للحركة) لمنصب رئيس الجمهورية خامساً: التناقض والتشاكس الحاصل في الحكومة المركزية من جراء مشاركة الحركة الشعبية العنصرية؛ حتى إنه ليبدو للناظر أن في الشمال حكومتين لا حكومة واحدة؛ ففي بعض القضايا المصيرية، كقضية المحكمة الجنائية الدولية، ترى للحكومة رأيين وكلمتين؛ فبينما رئيس الجمهورية ونائبه ومعظم أعضاء مجلس الوزراء والمجلس الوطني يرفضون قرار الجنائية الدولية، تسمع من وزراء الحركة الشعبية وعلى رأسـهم سـلفاكير ووزير الخارجية، ما يخالف ذلك؛ إنْ تصريحاً أو تمليحاً، وهو وضعٌ لا تكاد تجد له مثيلاً في الدنيا - البيان -: هل ترى أن وحدة السودان ضرورية للبلاد ومستقبل الإسلام، ولماذا؟ المسلم لا يرفض الوحدة، بل يسعى إليها ويحرص عليها؛ لكن في ظل المعطيات الحاصلة الآن يحتاج الأمر إلى نظرة فقهية قائمة على نظرية المصالح والمفاسد؛ والواقع الآن أننا - أعني المسـلمين في الشمال والجنوب معاً - ضعفاء، وكفار الحركة الشعبية ومن يسارعون فيهم من منافقي الشمال يحاولون من خلال الوحدة المدَّعاة، أن يفرضوا العَلمانية على السودان؛ فيقولون: لا بد من محفِّزات حتى تكون الوحدة جاذبة، وأُولَى هذه المحفِّزات عندهم أن تتاح حرية الكفر والفسوق والعصيان، وأن تُعطَّل القوانين الشرعية، وهم في ذلك مدعومون من قوى إقليمية ودولية تحت عناوين شتى؛ ولذلك يرى بعض الناس أنه في ظل التشرذم الإسلامي والضعف والتخاذل من قِبَل الدول العربية؛ فإن الأفضل أن يضحي الناس بالوحدة في مقابل الحفاظ على أصل الدين في الشمال. ويرى آخرون أن انفصال الجنوب لن يزيد الضغوط على الشمال إلا قسوة، وأن التنازل في بعض المطالب سيفتح الميدان لمزيد من التنازلات. والغرب لن يرضا إلا بإذلال السودان وإضعافه، وينبغي على أهل العلم والفقه أن يدرسوا ذلك بعناية وحرص. - البيان -: بعض العَلمانيين يرون أن من محفزات الجنوبيين على الانفصال هي مواقف الحركات الإسلامية: من تأييد تطبيق الشريعة الإسلامية ومناصرة الهوية العربية الإسلامية للسودان، باعتبار أن تطبيق الشريعة يُبعِد غير المسلمين من رئاسة الجمهورية من حيث المبدأ ويجعلهم مواطنين من الدرجة الثانية؛ فهل هذا صحيح؟ إنني أسأل هؤلاء: هل من الديمقراطية التي تبشرون وتتبجحون بها أن تحكم الأقليةُ الأغلبيةَ؟ أين نجد ذلك؟ هل في البلاد التي هي مَثَلكم الأعلى: كأمريكا وبريطانيا يتاح للمسلم أن يحكم؟ ألم يتعرض أوباما حين تقدَّم للترشيح للرئاسة الأمريكية لحملات هجوم عاتية لمجرد أن أباه كان مسلماً بالانتماء؟ وهو ما اضطر معه إلى أن يؤكد مراراً نصرانيته المتأصلة، وأنه حريص على الصلاة في الكنيسة كل يوم أحد، وهل من الديمقراطية أن تفرض الأقلية رؤاها على الأغلبية؟ ثم إنهم يلجؤون إلى المغالطة كثيراً حين يزعمون أن الناس معهم؛ إذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا يحتكمون إلى صناديق الاقتراع؛ ليروا إن كان الشعب المسلم يريد للشـريعة أن تحكـم أم لا؟ وأنا أقـول ذلك تنـزلاً لا إقـراراً منـي بأن الحكم بالشريعة متـــوقف على رضا الناس. وهذه الفـرية يروج لها المنافقون الداعــون إلى العَلْمـانية في سـائر البـلاد لا في السودان وحده؛ ليجعلوا من وجود غيـر المسـلمين تُكـأة لرفـض حكـم الله - جل جلاله -: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: ٩]، {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ} [محمد: ٦٢]. - البيان -: من كنسيةٍ بجوبا دعــا سلفــاكير الجنوبيين إلى التصويت لصالح الانفصال فــي عــام 2011م؛ حتــى لا يظلوا مواطنين من الدرجة الثانية... من واقع معايشتكم للأوضاع في السودان بحكم انتسابكم إليه: هل هناك تمييز بين المواطنين لهذه الدرجة التي عبَّر عنها رئيس حكومة الجنوب؟ لو طرحنا جملة أسئلة لأمكن من خلال الجواب عنها معرفة قيمة هذه الفرية: - هل الجنوبيون محرومون من فرصهم في التعليم في المدارس والجامعات؟ - هل هم محرومون من سُكنى أحياءٍ بعينها، مثلاً؟ - هل يُمنعون من ركوب المواصلات العامة؟ - هل هم محرومون من تولي المناصب العامة؟ - ألم يكن نائب الرئيس جنوبياً منذ عهود بعيدة؟ - ألم يكن في مجلس السيادة عقيب الاستقلال عضو من الجنوب؟ - هل تعرض مواطن شمالي لأي جنوبي في الشمال بالعدوان في أي يوم من الأيام؛ حتى في أيام الحرب لما سقطت الطائرة التي كان يستقلها الشهيد - بإذن الله - الفريق الزبير محمد صالح نائب رئيس الجمهورية وزعمت الحركة الشعبية من خلال إذاعتها كاذبةً أنهم مَنْ فعل ذلك؟ هل عدا المواطنون من أهل الشمال على الجنوبيين فأحرقوهم أو قتلوهم أو آذوهم؟ اللهم لا! لكن بالمقابل ما الذي حصل يوم الإثنين الذي هلك فيه قرنق؟ - البيان -: ما هو واجب العلماء والدعاة في هذه المرحلة؟ أعظم واجب عليهم، هو: الدعوة إلى الوحدة الإسلامية القائمة على أخوة الدين لا الحزب ولا الجماعة، وتغليب مفهوم الولاء والبراء على المفاهيم القَبَلية المنتنة، والعنصرية المقيتة، والعصبية الجاهلية، ومن الواجبات كذلك تذكير الناس بأن العاقل ليس من يعرف الخير من الشر، بل العاقل هو من يعرف خير الخيرين وشر الشرين، مع تذكيرهم بنعمة الله علينا في فتح أبواب الدعوة وإتاحة الحريات للناس بقدر مناسب. - البيان -: إذا اختار الجنوبيون الانفصال، كيف ترون مستقبل المسلمين في جنوب السودان، ومالواجب تجاههم؟ المسلمون الجنوبيون هم الطرف الخاسر حــال الوحــدة أو الانفصال؛ لأن الاتفاقية ابتداءً لم تتعرض لهم بشيء مذكور؛ ولا شك أن مستقبلهم - حال الانفصال - أكثر ظلاماً؛ لأن الحركة الشعبية تحركها عنصرية بغيضة تجاه غيرها من الأعراق الأخرى، بالإضافة إلى عداوة شديدة تجاه المسلم أياً كان عرقه؛ أي: حتى لو كان من بني جلدتهم، وهم - لضيق أفقهم - ينظرون إلى المسلم الجنوبي وكأنه طابور خامـس أو جاسوس لأهل الشمال، هذا في الوقت الذي يتباكون فيه على الحريات ويطالبون غيرهم بها! وليس أمام المسلمين الجنوبيين حال الانفصال إلا أن ينافحوا عن دينهم ويدافعوا عن وجودهم، ويصبروا على ما يصيبهم في سبيل ذلك حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً؛ والواجب على إخوانهم في الشمال أن يدعموهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، وإذا تعذَّر ذلك، فَلْيهاجروا كما هاجر النبي # وأصحابه عملاً بقول ربنا - سبحانه -: {إنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْـمَلائِكَةُ ظَالِـمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: ٧٩]. - البيان -: جزاكم الله خيراً ونفع بكم فضيلة الشيخ الدكتور عبد الحي يوسف.