مساجد تونس في رمضان من القيود إلى ثورة العبادة

Share
Share
مساجد تونس في رمضان من القيود إلى ثورة العبادة
مساجد تونس في رمضان من القيود إلى ثورة العبادة



ثورة الكرامة، ثورة الياسمين، ثورة الشباب... كلها تسميات لثورة تونـس المبـاركة التي قلبت الموازين وكذبت الخبراء والباحثين وأطاحت بالطاغية (بن علي) وأزلامه الذين حكموا البلاد والعباد بالحديد والنار لأكثر من عقدين من الزمان. أكثروا خلالها الفساد والعناد وحوَّلوا شعب تونس المسلم الأبي إلى خدم وعبيد للعائلة الحاكمة.

ولم يكتفوا بهذا فقط؛ بل سولت لهم أنفسهم الخبيثة سلبَه هويتَه الإسلامية، وطمسَ معتقداته، والتضييق على أداء شعائره الدينية، مستترين بغطاء الحداثة ومحاربة الرجعية بأمر من أجندات وأملاءات خارجية لا تخفى عن الجميع. فكانت الحرب على الإسلام التي بذلوا من أجلها الجهود والأموال في سبيل إعلاء الباطل على الحق وتحقيق مساعيهم الهابطة ومكائدهم الماكرة.

وما كان من هذا الشعب المؤمن إلا أن تمسك بحبل الله في مواجهة هذه الحملة الشرسة فصابَر ورابَط غير عابئ بالتضييق والاعتقالات والسجون، سالكاً طريق الأنبياء والدعاة.

فلم يترك الله - سبحانه وتعالى - تضحيات هذا الشعب الممتزجة بالدماء والأشلاء تذهب سدى فردَّ كيد الظالمين إلى نحورهم وأنزل نصره المبين مزلزلاً عرش الطغاة والمنافقين وفاتحاً الباب لصوت الحق الذي لا يعلوا فوقه صوت. فكان الفجر الجديد فجراً أعاد لهذه البلاد أمر رشدها ونزع عنها أغلال الظلم والاستبداد ورفع الإسلامُ فيها رايته عالياً رغم عواء الحاقدين من أهل الكفر وأتباع الشيطان، الذين زاد في غيظهم وسخطهم قدوم شهر رمضان المبارك وما يصحبه من إقبال شعب تونس على المساجد والعبادات والطاعات.

إن رمضان هذه السنة له طعم مغاير للعادة فالحال غير الحال. كيف لا ومن كان يمنع التونسيين عن دينهم ويجفف منابع إسلامهم قد ولَّى مدبراً. ليدرك الجميع عجائب قدرة الحكيم العزيز.

واليوم يكفي أن تطلَّ على المساجد وترى أجواء شهر رمضان المبارك فيها لتدرك حجم النعمة والفضل الذي منَّ به الله على شعب تونس.

فالمساجد لم تعد تستوعب روَّادها الذين تدفقوا شيباً وشباباً، رجالاً ونساءً، حتى أمست الشوارع المحيطة بها تغصُّ بالراكعين السجَّد، وسابقاً كان المرء لا يأمن على نفسه حتى إذا صلى داخل المسجد. ولا أبالغ إن قلت: إنه في الأعوام الماضية يعتبر ذهاب بعض الشباب الملتحي للمسجد مغامرة غير محسوبة العواقب؛ فأعوان الشر وأذنابهم بأزيائهم المدنية يتربصون بكلِّ من تبدو عليه علامات الإيمان والتقوى.

فهذا أيمن - وهو أحد هؤلاء الشباب - يقول: «كنت أضطر أحياناً لهجر المسجد اتقاءً لشر هؤلاء الفاسقين وهرباً من فحش كلامهم وقلَّة أدبهم؛ فما إن يدخل رمضان حتى تراهم يحومون حول المساجد، خاصة عند خروج المصلين من صلاة التراويح للتضييق عليهم وإرهابهم.

وبوقاحة وجهل يسألونني: لماذا تصلي ولا تجلس في المقاهي؟ ما زلت صغيراً عن الصلاة».

ثمَّ يضيف أيمن: «والله! لقد كنت أتسائل: هل نحن في دولة إسلامية؟».

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ فالمساجد في هذا الشهر الكريم تُغلَق أبوابُها مباشرة بعد كل صلاة، وكلُّ عمل بعد ذلك يعدُّ مخالفة للقانون تستوجب العقاب.

فمنظومة المخلوع بن علي التي ورثها عن سلفه بو رقيبة، والتي تقوم على محاربة الإسلام وتجفيف منابعه، أفرزت من ضمن ما أفرزت «قانون المساجد» سيئ الصيت، الذي خلاصته كما قال أحد الشباب: «صلِّ وأرفع حذائك»؛ لا جلـوس ولا كلام بعد الصلاة. والويل كلُّ الويل لمن سولت له نفسه مخالفة هذا القانون. حينها يكون له موعد مع قصَّة درامية تنتهي به في مراكز الأمن. وإن كان محظوظاً ولم تلفَّق له تهمة، يطلق سراحه ببعض الكدمات وكمٍّ هائل من الألفاظ البذيئة.

وبما أن هذا الشهر هو شهر الطاعات الذي يسارع الناس فيه إلى الخيرات، فإنَّ له تحضيراً خاصاً لا من عامة المسلمين فحسب، بل من السُّلطات أيضاً.

يقول إبراهيم (وهو أحد أئمة المساجد): «ما إن يُطلُّ علينا شهر رمضان حتى يأتي أعوان الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف، ويحذروننا من إقامة الدروس، بل يفرضون علينا الدعاء لـ (إلههم) بن علـي. بصـراحة ما باليد حيلة، ننفِّذ ما يقولون اتقاء شرهم، وهو ما يضعف من عزائم الناس ويظنون بنا الظنون، وهو ما يضعنا بين ناريين».

كانت السلطات تتدخل في كل شيء وتفرض على الناس كيف يعبدون ربَّهم.

أما الآن فالحال قد تغير، ولو يعلم الطاغية كيف عادت المساجد إلى أجوائها الربانية المشرقة طاعات وعلماً ونوراً، لانفطر قلبه كمداً وحسرة.

فبيوت الرحمن، أصبحت مفتوحة على مصراعيها، ليلاً ونهاراً لاستقبال كل من يرجو رحمة الله ويسعى لطاعته، والشيوخ والدعاة يتنقلون بين المساجد لشحذ العزائم وإعلاء الهمم وتعليم الناس أمور دينهم.

وحِلَق تحفيظ القرآن والدروس لا تكاد تغيب عن أيِّ مسجد، بل هناك مساجد تقام فيها دورات علمية في مختلف علوم الدين: كالأصول والعقيدة وعلوم الآلة... وتمَّ فتح الكتاتيب الملحقة بالمساجد لتحفيظ الناشئة القرآن من صغرهم. وفي الوقت نفسه تنشط بعض الجمعيات الخيرية الإسلامية في توزيع الكتب الدينية في المساجد، وتشكلت لجان خاصة بالمساجد تقوم على تنظيم برامج إقامة الدروس والمحاضرات وجمع التبرعات لموائد الإفطار، بالإضافة للاهتمام بشؤون المسجد.

وأصبح معظم الأئمة الخطباء من الشباب الملتحي الملتزم بعد أن كانت وزارة الشؤون الدينية في زمن المخلوع - تلك التي لم نكن نعرف لأي دين تدعو - تفرض أئمة يجهلون أحكام القرآن وأبسط أمور الإسلام ولكنَّهم يجيدون الدعاء والثناء على الرئيس وحرمه، وينسبون لهما الفضل في كل مناسبة، متناسين من بيده ملكوت السموات والأرض.

وفي العشر الأواخر من شهر رمضان كانت الحسرة تدمي قلوبنا ونحن نشاهد عبر الفضائيات شعائر الاعتكاف والتهجد وما يجتمع معها من عبادات وطاعات وتلاوة وذكر ودعاء، تقام في كلِّ بلاد أمتنا الإسلامية ونحن تحرَّم علينا؛ لا لسبب إلا أنهم يخافون تجمُّع المسلمين وتمسكَهم بدينهم.

يؤكد الشاب سامي أنه يُسمَح لأهل البدع والضلال من الصوفية والقبوريين بالتجمع والاعتكاف وإقامة أذكارهم وتوسلاتهم الشركية. ويمنع من يلتزم بكتاب الله وسنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم من القيام بشعائره.

ويضيف سامي: «تغيَّر الحال الآن ولله الحمد؛ فالمصلون والعباد يعمرون المساجد، لإحياء سنن الاعتكاف والتهجد، وعلى رأس هذه المساجد، جامع عقبة بن نافع بالقيروان، وجامع الزيتونة المعمور».

ولا مكان الآن للقبوريين لنشر خرافاتهم وسمومهم بعد أن كانوا مدعومين من السلطات للبس الحق بالباطل وإفساد عقائد الناس.

وفي نهاية هذا الشهر المبارك كانت السلطات تفرض على أئمة المساجد الاحتفال بليلة السابع والعشرين على اعتبار أنَّها ليلة القدر. ويحطُّ بن علي في جامع الزيتونة المعمور بقلب العاصمة وسط تصفيق وهتاف أنصاره الذين لا يتورعون عن إنشاد «طلع البدر علينا» وكأنَّ هذا الظالم هو النبي المختار القائم على أمر الله!

خلاصة المقال: كانت بيوت الله في رمضان في الأيام الغابرة تواجه حرباً شاملة، وقد وصل الأمر إلى إغلاق بعضها ومنع كثير من الأئمة من الصلاة بالناس. وأصبح ما بقي منها مفتوحاً، مرتعاً لأهل الأهواء والضلال ودعاة تقديس الرئيس.

إلا أنه لهذا الدين ربٌّ يحميه، والأيام دول، ودوام حالها من المحال؛ فالمساجد الآن مشرقة عامرة بالمصلين، مشرعة الأبواب لمريدي الأجر والتوبة. وما على الشعب التونسي إلا أن يدرك قيمة هذا النصر الرباني ويسعى للحفاظ عليه وتوفير سبل استمراره. وهذا لن يكون إلا بتمسُّكه بوحدته وعدم التفرُّق واعتصامه بحبل الله وسنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم.

ولا بد من التواصي بالحق والصبر، وإحياء فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فبها يصلح المجتمع ويسود الخير وينزل النصر ويُرفَع البلاء ويقام الشرع.

وليعلم هذا الشعب الكبير، أن الثورة لتوِّها بدأت ولا بدَّ من إكمال بقيَّة مشوارها الذي لن يكون مفروشاً بالورد فأعداء الثورة يتربصون بكم لإجهاض ثورتكم وسلبكم نجاحاتكم؛ فالعمل العمل! والحذر الحذر! والثبات الثبات!


التعليقات

أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
 

الأولى الأخيرة