شهيد المنبر!

Share
Share
شهيد المنبر!
شهيد المنبر!


 

 كان شابّاً طموحاً، تقلَّد مسؤوليةَ الإمامة في مدينةٍ بعيدة عن مسقط رأسِه، وكانت تجربةً أُولَى من نوعها، كان بحقٍّ قدوةً في محرابِه ومنبره، شجيَّ الصَّوتِ، فصيحَ اللِّسان، مسموعَ الكلمة؛ لذلك أصبح محبوباً عند الجميعِ، تجربتُه الجديدة أَمْلتْ عليه أن يكون قدوة ساكنة الحيَّ، ورغمَ أنَّه كان شابّاً لا يتجاوزُ خمساً وعشرين ربيعاً فقد ساعده هندامُه الأنيق، وجلبابُه المغربي الأصيل أن يكون محترماً؛ كما لو أنَّه شيخٌ كبير وقور ذو شيبة. وفي يومٍ من الأيام بعدما أدَّى الإمامُ صلاتَه وأنهى أورادَه، خرج كعادتِه إلى مركز المدينة ليختلطَ بالنَّاس ويتعرفَ على طينتِهم أكثر، وبينما هو كذلك سرقه أحد الأزقة الضيقة، فإذا بشخصين في عراكٍ عنيف بيدِ أحدهما سكينٌ، صرخ الإمامُ فيهما بصوتٍ دافئ أثارَ الانتباهَ، وحُبِسَتْ له الأنفاسُ، اجتمع النَّاسُ حولَ مسرحِ الصِّراع وكلٌّ يحدوه الأمل أن يحولَ الرَّجلُ بين المتعاركَيْن، ثبتَ كلُّ واحدٍ منهما بمكانه، وتقدَّم الإمام بخطًى حثيثةٍ تقدُّمَ الواثقِ من نفسِه، مادّاً يدَه البريئةَ نحو السِّكين، اغتنم الطرفُ الثاني سهوَ صاحبِه فتقدَّم إليه كالبرقِ الخاطف، فرمى الإمامُ بكلِّ جسمه نحوه مانعاً إياه من التقدُّم، ولكنَّ السِّكين الطائشةَ اخترقتْ جلبابَه الأبيض لترديه قتيلاً، جثة هامدة بلا حِراك ليصبحَ شهيد إصلاحِ ذاتِ البَيْن.

 


التعليقات

أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
 

الأولى الأخيرة