تحـدِّي العقيدة

Share
Share
تحـدِّي العقيدة
تحـدِّي العقيدة



اغتيال الثورة لا يكون فقط بتواجد ثورة سياسية مضادة، فهناك نوع آخر من الاغتيالات أراه أقرب للواقع إذا أردنا تصوّر اغتيال فعلي، ويتمثل ذلك في ثورة فكرية مضادة للثوابت العقدية في المجتمع ككل، وحينما أتحدث عن ثورة فلا أقصد التحديات الاعتيادية والهجوم الناعم والحرب المستديمة بين الحق والباطل؛ لكنني أتحدث عن حالة خاصة توصِّف المقومات الأساسية للكلمة وتوظّف عناصرها من حيث الشحن وغسل الدماغ والعزم على نسف القديم بالكلية وإحلال جديد مكانه بقوة الدفع والهجوم الثوري.

أسباب خفوتها قبل الثورة:

فالأفكار المخالفة للعقيدة والمحاربة للهوية ليست حالة جديدة على المجتمع العربي والمصري بوجه خاص، لكنها - خاصة الشاذ منها - كانت كامنة أو مسلوبة القدرة في الإفصاح عن نفسها، ولكي نكون أكثر دقة فقد كانت محفوظة في معظمها في شكل كتب صماء لا حراك فيها وشعارات ممجوجة لا قيمة لها، حتى كان من المستحيل تخيل الجهر بها نتيجة الرفض الشعبي الجارف.

وكذلك بسبب قلة أعداد المنتمين إليها الذين لا يتعدون في الكثير من الأحوال النيف من العدد.

كذلك بسبب القمع السلطوي للنظام السابق الذي رغم اضطهاده الحركات الإسلامية إلا أنه كان لا يزال يحتفظ بالقليل من الهيبة الشكلية للإسلام وأهله كنوع من الديمقراطية أمام عموم المصريين، ولعل أهم الأسباب التي حجّمت تلك التيارات الشاذة سابقاً هو النشاط الدعوي للإسلاميين ونشر دعوتهم للمجتمع بطريقة أفقية عملية والبدء بقاعدة الهرم، حيث إن طريق القمة والزعامة كان مسدوداً بسبب اضطهاد النظام السابق لهم ومحاسبتهم على كل صغيرة وكبيرة والتربص بهم... إلخ، ما حدا بهم إلى الالتحام بالشعب المصري والاندماج الشعوري والفكري بحاجات المجتمع ومعرفة متطالباته، حيث كانوا شيئاً واحداً ولحمة لا تنفصل، بحيث اكتسبوا شعبية عريضة تغلغلت في المجتمع وأنبتت ثماراً جيدة فيما بعد، وذلك على العكس من كثير من الدعوات الباطلة والشاذة التي انتهجت طريق القمة متمثلاً في الدعم السلطوي كسبيل للشهرة والدعوة لأفكارها، فلم يعد لها رصيد في جذور المجتمع المصري الذي يشعر بالنفور الفطري لكل ما هو ضد هويته وشريعته، فتنافرت الأهداف والغايات، ولم يكن هذا النفور فكرياً أو أيديولوجياً فحسب، بل كانت الفجوة الاقتصادية والطبقية الجائرة حائط صد في التماهي بينهم وبين عامة الشعب؛ فتقوقعت تلك النخب حول أهوائها وتراصت حول الطاغية في صف يختلف عن صف الشعب.

وحديثي قبل وحتى نهاية المقال ليس نقداً ولا تبريراً ولا إجحافاً للدعوة وأدائها في الآونة الأخيرة بقدر ما هو وصف وتأريخ للحالة الفكرية، خاصة المصرية قبل وبعد الثورة، فماذا حدث بعد الثورة؟ فقد اختلفت الأسباب السابقة كثيراً بعد الثورة.. ونتج عن الثورة السياسية ثورة فكرية غير مرئية للعيان، إلا أن تأثيرها يكاد يتضح يوماً بعد يوم وملامحها بدت تتشكل، حيث لفظت التيارات الفكرية بفلذات أكبادها واستعدت للهجوم بمختلف الأشكال ومن جميع الزوايا وعلى كافة الأصعدة في جرأة غير مسبوقة متحدية الثوابت الإسلامية بطريقة غير معهودة.

وكانت أهم خصائص تلك الثورة الفكرية التركيز على القاعدة الهرمية والاحتكاك بالأفراد والتعامل بصورة أكثر عملية.. تلك الخصائص التي ربما تخلى الإسلاميون بوعي أو دون وعي عن جزء منها بعد الثورة، وحتى نكون أكثر دقة سنقول إن تلك القاعدة بدأت تتفلت من الإسلاميين لأسباب - أذكرها في نهاية المقال - ليتلقفها آخرون، وذلك بعد انهيار القمة السلطوية ظاهرياً وشعور النخب وأرباب الثورة الفكرية بالدور المؤثر الذي حظت به الطريقة الأفقية في التأثير، ما حدا بهم لإعادة النظر – برأيي - في العمل الأفقي، مع التشبث بما بقى من القمة؛ فتبادل الطرفان الأدوار والأماكن بشكل أو بآخر.

ويمكننا تقسيم هذه التيارات التي بدت منظمة على مستوى الجذر وإن بدت على السطح وكأنها ظواهر شاذة وأحياناً أعمال بالباطن وأخرى حوادث فردية، إلا أن الملحوظ تنامي المنحنى الأفقي (والدعوة الفردية) لها - للثورة الفكرية المضادة - وتمردها وجرأتها وتنوع انتشارها واستهدافها فئات الشباب الملازم للإنترنت والمقيم على صفحات الفيس بوك والتويتر؛ ذلك العالم الذي غاب عن كثير من المؤولين والدعاة إلا من رحم ربي، فترك الشباب فريسة سهلة لكثير من الأفكار التي تحارب العقيدة وتشكك في الثوابت وتجعلها مائعاً في أذهان الشباب الذين ليس لهم حصانة عقدية، وتنامي ذلك بخاصة تحت حالة التشويه المستمر للحركة الإسلامية، والملحوظ أن هذه الثورة ليست كصنوها السياسي المضاد؛ فهي لا تعترف بالحدود، وقد تمتد بمرونة ويسر لدول الجوار لتشكل كتلة ثورية من نوع جديد يتميز بأدائه وأهدافه وأماكن تمركزه، وعلى سبيل المثال لا الحصر نذكر بعضاً من تلك الأفكار.

أولاً: ظاهرة الداعية البديل:

وتتمثل في ظهور بعض الشباب المتألق على الساحة الفكرية يتبنى فكر الطب البديل وعلم الطاقة، لكنه في حقيقة الأمر يتبنى فكرة الداعية البديل عن العالم الرباني والداعية المحقّق المتحدث بالشرع والدليل. ويتحدث الداعية البديل بقليل من الحق والقرآن وكثير من الباطل والبهتان؛ يتقلد فجأة الصفوف الأولى في الإعلام العلماني فيهرف بما لا يعرف لأن الكثير غير متفرغ لنقده وضبطه في هذه الحالة المتأزمَة من تاريخ البلاد، ويتواجد على صفحات الفيس بوك يتبادل الحوار ويغذي المتحاورين بتوجهه الجديد.. ومع الاستقراء والملاحظة ستجد أن أخطر فكرتين لتلك الظاهرة هما: عقيدة الإرجاء وعقيدة القدرية، وباختصار شديد جداً أذكر مثالين:

يرفع الداعية البديل راية التفاؤل والأمل والمحبة وحسن الظن بالله إلى أبعد الحدود، وهذا جيد، إلا أن امتداده ليس بجيد حين يؤصل بها لعقيدة الإرجاء؛ فيحرم التذلل والخضوع لله تبارك وتعالى، ويلغي التعبد إلى الله بالخوف والرهبة ويحصرها على الرغبة والحب العام المتبادل بين العبد وربه، وينشر المحبة بين الجميع من شتى الملل ليؤنسن المجتمع، فيخرج بنتيجة مريحة للضمير.. هذا أولاً، وثانياً: ينتقد المشايخ الذين ينفرون الناس من الدين ويرهبونهم من الله. ومن هنا تتأكد فكرتي على أنه داعية بديل، حيث يتعامل بحرفية مع القلوب المجهدة والنفسيات المتعبة التي تطمح لأي مكسب إثر الثورة، وهذا سيفتح له باباً كبيراً، حيث تركن النفوس دائماً إلى من يدللها ويرتب على أهوائها ولو بالتخدير والنسيان والحديث المدغدغ للمشاعر.

الراية الثانية التي يرفعها الداعية البديل هي التحفيز والدعم النفسي والإصرار على تحقيق الهدف ونيل مكارم الغايات وبث الطموح والأمل في المستقبل، وهذا جيد جداً لو لم يكن بالتمني والتخلي والتذرع بعلوم واهية لا دليل شرعياً ولا علمياً عليها، حيث تتعلق تلك الأمنيات والرغبات وترتبط بعلم الطاقة الحيوية وما تنقله لنا من طاقة إيجابية وسلبية، ولا أريد التعمق في الأمر منعاً للإطالة، إلا أن أخطر ما لاحظته هو إصرارهم على التقهقر إلى عقيدة القدرية الأولى من نفي خلق الله لأفعال العباد، مزيلين ذلك بتأويلات فاسدة لآيات قرآنية وأحاديث نبوية، فأنت – عندهم - وحدك من تحقق فعلك، وأنت وحدك بسلبيتك المتعاركة في الكون من تجني على نفسك، ولا يوجد شيء اسمه ابتلاء، ولا يوجد – عندهم - أن الله إذا أحب عبداً ابتلاه، ولا أشد الناس بلاء الأنبياء، وكل المصائب التي حولك أنت من صنعتها بنفسك، كما أن كل الأفعال الخيّرة أنت من صنعتها فقط بإرادتك، ويعزون ذلك للطاقة السلبية التي جلبتها لنفسك أو الإيجابية التي اكتسبتها من مسارات الكون.. إذاً فقد تم تحويل العبادات وتقعيدها على أساسين:

الأساس الأول أنك من تخلق فعلك وحدك. والأساس الثاني وهو نتيجة للأول ودليل عليه، وهو انتقال إرادة العبد وفعله من كونه إرادة وفعلاً تحت مشيئة الله وإرادته إلى علاقة متناسقة ومنسجمة بين إرادة العبد ومسارات الطاقة الكونية.

ناهيكم عن استيراد فلسفات شرقية وعقائد بوذية وكسوتها بكساء إسلامي وكأنهم اكتشفوا الدين من جديد بعد 1400 عام، وكأن الاجتهاد في أصول الدين مباح ولا مشاحة فيه. والملاحظ في علم الطاقة أنه ابتدع فلسفة جديدة وفريدة من نوعها وشق صفوف الصراع بين أهم اتجاهين على الساحة الفكرية والعقدية، حيث يحتدم الخلاف في غالب الأمر بين اتجاه الفلسفة الغربية القديمة التي تفضل التفكير الكلاسيكي في الإيمان بالإله الخالق المدبر ومن ثم الإيمان بالغيبيات – الميتافيزيقا -؛ والاتجاه الثاني المادي الوضعي الذي لا يؤمن إلا بالدليل والتجربة والملاحظة والنتائج المشاهدة بالحس ولا يفكر في الغيب والماضي.

إلا أن علم الطاقة الوهمي اجتزأ من الاتجاهين مكوناً فكرياً مشوهاً وفريداً من نوعه فمزج الفلسفة التجريبية وزج بها في فلسفة الميتافيزيقا الشرقية المخالفة للعقيدة الإسلامية زاعماً أن علمه جزء من العلوم الفيزيائية، موهماً المتلقي أن تشابه الأسماء يعني تشابه المسميات، وشتان بين الطاقة الفيزيائية التي تقدم تجارب وتعطي ملاحظات ونتائج مادية محسوسة، وبين الطاقة الميتافيزيقة الوهمية التي تعنى بالهالة والجسم الأثيري وتؤمن بالطلاسم والطواطم والأحجار، ودرجة الاختلاف بينهما باختصار هي درجة الاختلاف بين شحنات الطاقة الفيزيائية المختلفة حين تتجاذب وشحنات الطاقة الوهمية المختلفة أيضاً حين تتنافر.

الظاهرة الثانية:

الهجوم الليبرالي الثوري الانتشاري الذي أخذ على عاتقه مبدأ الدعوة الفردية وترصد أماكن الشباب لنشر الفكر الإرجائي في ثوبه الجديد بحيث يعيش الليبرالي في حالة انفصام أيديولوجي؛ فهو مسلم قلباً ليبرالي قالباً!! وإباحة السب والشتم لرموز الإسلام بدعوى الحرية وعدم التقديس. ولقد انتشرت الصفحات الليبرالية وشغلت لها أماكن معتبرة أيضاً في الجامعات وأسَّست الصالونات، وثورتها الفكرية ضد الثوابت مستمرة والحديث عنها يطول.

الظاهرة الثالثة:

والتي لم أكن لأصدقها وأتحقق من انتشارها الملحوظ بصورة غريبة إلا بعد احتكاكي المباشر بهذه الفئة والنزول لأرض الواقع على مواقع التواصل الاجتماعي لأكتشف الكم المعتبر من الصفحات وكذلك المتلقين ونشر الفلسفات الإلحادية الغربية، سواء بالطرق الفلسفية التقليدية، أو بالطرق العلمية (الفيزيائية والبيولوجية...).

على سبيل المثال لا الحصر:

- نشر فكرة النسبية على أنها فكرة بديهية غير قابلة للنقاش، ومن ثم برمجة العقل على هدم جميع الثوابت السابقة على الأقل في نظرته للمخالف؛ فما هو ثابت عندك متغير عندي، وما هو ثابت عندك اليوم ربما لا يثبت عندك غدا، ولا ثابت غير المتغير.

- إنكار وجود الله عز وجل صراحة – تعالى عما يقولون علواً كبيراً -، والجهر بكلمة «أنا ملحد.. أنا لا ديني لا أدري»، والاجتراء الصريح على كثير من الثوابت الإسلامية والسخرية بطرق مشينة.. وأنا لا أدري حقاً من أين أتى هؤلاء وكيف لا يتم تجريمهم؟!

- نشر أفلام وثائقية لملاحدة الغرب مثل ريتشارد دوكنز وستيفن هوكنج، كما يتم نشر أفلام قصيرة لشباب لا ندري عنه سوى صورته المعروضة؛ يؤصلون للإلحاد بالطرق العلمية كإثبات النظرية الدارونية.. وهذا غيض من فيض.

الظاهرة الرابعة:

الدعاوى الحقوقية من قبل الفرق الشاذة الدخيلة على المجتمع، مثل الرافضة والبهائية وغيرها؛ لنيل نصيب من الكعكة السياسية والمحلية وكأن مصر استحالت على مجموعات صغيرة من الأقليات والفرق، كذلك التنصير الذي استشرى في الآونة الأخيرة.

الظاهرة الخامسة:

الجهر بالفجور إلى حد المطالبة بحقوق الفجار، ويرتكزون في الغالب لنشر أفكارهم على الطريقة الانفجارية لإحداث صدمة فكرية للمجتمع، بمعنى تفجير الفكرة فجأة وبصوت عال وجرأة صارخة فتنتشر انتشار النار في الهشيم، ولعل هذه الظاهرة رغم قبحها إلا أنني أظنها أهون مما تقدم، والسبب هو أنه كلما ظهر قبح الشيء قلَّ خطره وزاد استقباحه بين الناس، أما الخطر المحدق بحق فهو فيمن يزعم تبني الحق ويدجل عليك ويبطن لك الشر والكفر.

إن هذه الظواهر وتلك الثورات الفكرية الهائجة، ليست أقل خطراً من إشكالية تطبيق الشريعة والمعارك السياسية التي يخوضها القادة والأكابر في الحركة الإسلامية، والخوف من تفتيت مصر لدويلات ليس أكثر خطراً من الخوف من إحداث هذا التفتيت على المستوى الفكري والأيديولوجي العقدي، ويكمن خطرها في زحفها الهادئ الثابت والخفي الذي يداعب مشاعر العوام ويضع بدائل مريحة وسريعة للثابت الإسلامي وللقدوة الصالحة ليستبدلها بقدوة ناجحة في توقيت حرج ينشغل فيه الجميع عن الدعوة صغاراً وكباراً وتحت حالة عامة من الضغط النفسي للشعب.

أهم أسباب الثورة الفكرية:

أسباب طبيعية، فهي نتيجة للثورة السياسية وما نتج عنها من فوضى تختلق كل ما هو غريب وغير مألوف، وهي نتيجة للانفتاح وغياب القانون والأمن، وإن كنت أرجح أن الثورة الفكرية ثورة ممنهجة هدفها القضاء على العقيدة والهوية.

أسباب طائفية تتمثل في هجوم أصحاب الملل والنحل لاغتنام الفرص في الجلوس على مقاعد شاغرة بعد الثورة وتفخيخ الرأي العام بمذاهب مختلفة وكثيرة وأفكار متعددة؛ لاختلاق حالة من الفوران الذهني والصراع المذهبي، وكذلك تقييد الدعاة والمشايخ في وضع مستديم من الدفاع بدلاً عن الهجوم؛ لأن الفرض العيني أهم من الكفائي.

أسباب سياسية تتمثل في إلهاء الشعوب بقضايا فرعية وإشغالهم عن الغاية الأساسية والسعي نحو خلق حالة من العبث والفوضى الفكرية والضغط النفسي؛ وكل ذلك كفيل بثبات حالة الفوضى الأمنية والزعزعة السياسية في المجتمع ريثما يتم صياغة الهوية أو الهويات الجديدة لهذا المجتمع.

أسباب دعوية نتيجة لأخرى سياسية، وهذا ما أعتبره السبب الأهم والأعمق، ويتمثل في عكوف الحركات الإسلامية في مجملها إلى التركيز على الجانب السياسي - قمة الهرم بعكس خطتهم السابقة - دون الاهتمام بصورة شاملة كاملة بباقي الجوانب، ودون الاحتراز من التغير الإبستمولوجي –المعرفي - للأفراد والمجتمع بعد الثورات، وإن تحقيق المصالح لا أظنه أوقف في الشرع فقط على الجانب السياسي، وليس معنى حديثي هذا أننا نظل إلى الأبد في القاعدة، لكن ثمة أسئلة ينبغي أن تطرح وتناقش، فالحركات الإسلامية بعد الثورة انفتحت على العمل السياسي إلا إنها بسبب الجو العام حوصرت بين خيارين لا ثالث لهما؛ إما تحديد أطر لكيانات دعوية معروفة لكن على أساس سياسي ومن ثم ترسيخ ذلك في الذهن المجتمعي[1] بكل قوة كجماعة الإخوان وكالدعوة السلفية والجماعة الإسلامية، وهذا ما تم بالفعل؛ والخيار الثاني الذي كان يمكن للإسلاميين سلوكه، هو التماهي والاندماج في بوتقة واحدة غير عابئين بالحالة السياسية التحزبية، أو على الأقل يمكن أن يكون هذا التماهي جزئياً لا كلياً بحيث يتم توحيد الخطاب الدعوي والأنشطة الاجتماعية والتنسيق بين المنظومات الفكرية كمحاولة للتوافق والتلاقي ومن ثم لإنقاذ الدعوة والإبقاء على كيانها كما كانت، إلا أن الانفصال السياسي برهن على أنه الذراع الأقوى في كل جبهة وأنه الأجدر على الجذب والبقاء والسيطرة[2].

والسؤال الذي يطرح نفسه: هل انساقت الكيانات الإسلامية وراء المخطط الغربي في تنفيذ الديمقراطية «الشرقية» لتُطبق التحزب المذموم في أكمل صوره، أم أن التعددية الحزبية ظاهرة صحية وعمل يسعى وراء الطموح التنافسي الناجح الذي سيفجر طاقات ربما لم نكن سنراها في التماهي والتوحد؟

إن الديمقراطية الشرقية أُسست في الأصل للتجزئة واختلاق الصراع الداخلي، حيث كان كل حزب قديماً ينتمي لدولة كبرى ويمثلها داخلياً بطريقة غير رسمية؛ فالحزب اليساري مثلاً كان يمثل روسيا، والحزب العلماني يمثل أوروبا، إلا أن تواجد الكتلة الإسلامية بصورة حزبية مجزأة شكّل اضطراباً للخطة وزاد الأمر تعقيداً من الداخل والخارج؛ فكما هو يحقق لهم الاضطراب الخارجي، إلا أنه قد يقيد الحركة الإسلامية داخلياً إلى السعي بآليات لا ترتضيها بشكل كلي شمولي لمستقبل الأمة ما يؤثر تباعاً على حالته العامة أو على الأقل من الجانب الذي يهمنا وهو الدعوي العقدي والفكري، حيث يبقى صراع الهوية بين الداخل والخارج عاملاً ضاغطاً على الأحزاب الإسلامية في توازنات تقوده إلى أسئلة لا متناهية، كل هذا ليس بمعزل أبداً عن التأثير الفردي لأبناء الحركة الإسلامية والتحديات النوعية التي تواجههم، فليس كل المنتمين لحزب ما على مستوى متساوٍ من إدراك وفهم روح التنافس أو فهم أن التعددية تمثل ظاهرة صحية، وليس الجميع يدرك فقه المصلحة والمفسدة، ومن ثم حتى إن أخذنا بتلك الرخص الفقهية فسنجدها على المستوى الاجتماعي والسلوكي لا تحقق هدفها الرئيس، بل ترتد كما وفدت إلينا إلى براجماتية تذرعية عند كثير من أفراد المجتمع، حينها تختلط الأهداف بالوسائل وتتحقق الغايات بطرق نفعية، وهي هكذا لم تزد ولم ترتقِ شيئاً على ما أخذته من أصلها الديمقراطية الأم في كثير من الأحوال؛ فالنظرة الديمقراطية لا تفهم الإيثار ولا تعبأ به، فمرجعيتها الوحيدة هي الأصول التطورية للفكر الغربي «البقاء للأقوى ليفنى كل من حولك من أجلك أنت»، وهذه الفكرة لا تنسجم أبداً مع فرض الاعتصام بحبل الله جميعاً وخُلق التآخي في الإسلام، خاصة ونحن نتحدث عن أمور اجتهادية ينبغي على الأقل أن ترتبط في طرفها بأصول شرعية، فالاختلاف في الاسلام مباح شريطة أن يلتقي في النهاية في جذر واحد ومصب شرعي عام لا يختلف عليه المختلفون، كذلك لو أن نظرية التحزب مباحة أو أننا نحاول أسلمتها فلا بد أن يشترك الجميع في مصب عام نهائي يرتبط بالشرع ولا أظنه بحال هو المصب الديمقراطي.

وبغض النظر عن فقه المصلحة الذي لا أجيده كثيراً، فموضوعي أن تلك العصبيات والتحزبات قد تزيد من وطأة الانفصال الفكري اللاشعوري بين قادة تلك الأحزاب، ومثل هذا الانفصال لا يُرى أثره بين يوم وليلة، ومن ثم تزداد فجوة العزلة الشعورية بين الأفراد الذين هم ليسوا على نفس مستوى الوعي والإدراك الذي يجعلهم يترفعون عن الخلافات، فتظهر العصبيات بين أفراد الأحزاب والتناحر والتراشق والانتصار للحزب وجعله الغاية الأسمى فوق الغاية الأصلية والتي قد تصل لنسيان الأصل وجعل الدعوة للحزب لا لله، وتتلاشى الأهداف وينهدر جدار الدعوة ونشغل الجميع - كما نرى - بالجزء عن الكل وبالسياسة عن الغاية الكبرى.

وبرأيي أن السبب في التماسك السلوكي والنزاهة السياسية في التعامل بين الأحزاب الإسلامية مع بعضها البعض الآن، هو نفس السبب الذي ترفضه تلك الأحزاب للتكتل مع بعضها، ألا وهو إعلاء كلمة الله ولتكون هي العليا، فالتطاحن الخارجي الدائر بين أفرادها من جهة وبين الأحزاب العلمانية من جهة يجعلهم يستشعرون كثيراً هذه الغاية الكبرى ويتذكرون السبب الرئيس، إلا أن ذاك التناقض هو ما سيسبب الأزمة برأيي في يوم ما؛ هذا من جهة، ومن جهة أخرى نجد انتهاز تلك الفرصة من الأحزاب غير الإسلامية بتعمد اختزال الدعوة الإسلامية والتعامل معها من خلال زاوية العمل السياسي فحسب ومن ثم محاولة خلق صراع على أساس سياسي بين الإسلام ككل – والمختزل في صورة أسماء حزبية كحزب الحرية والعدالة وحزب النور مثلاً - وبين الليبرالية والليبراليين مثلاً، ما نتج عنه حالة نفور ملحوظ وعزوف عن سماع مشايخ الدعوة، ناهيكم عن مجرد احترامهم وتوقيرهم كما كان قبل الثورة.. من هنا تفتقد القدوة الصالحة بانهيار الرمزية الدينية لأنهم أصبحوا يمثلون أحزاباً معادية وطرفاً فاعلاً في الصراع السياسي المحتدم، وأنا لا أبرِّئ الحركات الإسلامية من هذه النتيجة التي أظنهم طرفاً فيها بشكل من الأشكال، من هنا يمكننا استنتاج أن السلبيات الحزبية القائمة على النظام الديمقراطي قد تسبب تأثيرات خطيرة على النسق الفكري والأساس العقدي للمجتمع، وأن الحل برأيي في العودة مرة أخرى لاستدراك تلك الفجوات التي سببتها الحالة السياسية السائرة على النظام الغربي وإعادة النظر في أولويات الدعوة بعد الثورة وترتيب أفكارنا بحيث نتملك كما بالسابق زمام المبادرة والهجوم الدعوي – إن جاز التعبير - بعد أن أصبحنا نمثل دور المدافع فحسب، كذلك ينبغي اختزال المنبسط وبسط المختزل، أو بمعنى آخر تقديم الأصول على الفروع وإعطاء الجانب السياسي حجمه الطبيعي بجعله جزءاً من الدعوة لا الدعوة، بحيث لا يطغى على باقي جوانب العمل الدعوي، والتنبه للثورة الفكرية المضادة وعدم التحقير من شأنها فهي تمهيد لثورة قد تفتّ عضد الأمة وتنال من عقيدتها وثوابتها.

والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

:: مجلة البيان العدد 308 ربيع الآخر 1434هـ، مارس 2013م.


[1] وهو ما يهمني في المقال.

[2] وحديثي الذي لا يعدو كونه توصيفاً لواقع وليس نقداً يقلل أو يزيد من شأن الأحزاب الإسلامية التي لها نظرتها والتي تحترم اجتهاداتها في ترجيح المصلحة واختيار أقل الضررين وخير الخيرين.. وهذا ليس موضوعي، لكن ليس معنى تقديم مصلحة على أخرى عدم ذكر السلبيات المترتبة على تلك المصلحة، بل المفترض طرحها ومناقشتها. وما أريده هو الولوج إلى إشكالية المقال وهي التأثيرات السلبية للأحزاب الإسلامية على الدعوة والفكر الإسلامي.


التعليقات

أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
 

الأولى الأخيرة