الأبعاد الإقليمية لأزمة مالي

Share
Share
الأبعاد الإقليمية لأزمة مالي
الأبعاد الإقليمية لأزمة مالي



بعد أن تمكَّنت القوات الفرنسية من محاصرة مقاتلي الشمال المالي وانحيازهم إلى الجبال، تدخل الحرب في البلاد مرحلة جديدة بسيطرة فرنسية وبمعاونة قوات الاتحاد الإفريقي من الدول المجاورة لإعادة تشكيل البيئة السياسية والاجتماعية في البلاد، بقيام فرنسا بإعادة مركز الثقل إلى الأفارقة على حساب الطوارق العرب الشماليين، الذين لديهم قضاياهم العادلة بتطبيق الشريعة الإسلامية والحكم الذاتي لمناطقهم التي تتميز بطبيعة ديموجرافية وثقافية مغايرة لجنوب البلاد ذي الغالبية السمراء.

فالخطوة التالية لفرنسا هي إعادة تشكيل البيئة السياسية الداخلية بما يسمح بإجراء انتخابات ثم إعادة تحديث وتقوية الجيش المالي ليتمكّن من بسط سيطرته على البلاد، التي ترى فرنسا أن من مصالحها العليا أن تظل موحدة من أجل أن يستمر احتكارها للسيطرة على منطقة غرب إفريقيا وتشكيل نظامها الإقليمي طبقاً لمصالحها القومية. فبعد أن شنت فرنسا عمليات عسكرية ضد معاقل الإسلاميين شمال البلاد، استطاعت السيطرة على مدن ديابلي وونا ودوينتزا، واستطاعت السيطرة على المطارات الحيوية في جاو وتمبكتو وكيدال؛ لاستمرار قدرتها على شحن المعدات العسكرية واللوجستية لعملياتها في مالي، واستطاعت صدّ هجمات الإسلاميين القادمين من الشمال، كما سمحت الهجمات الفرنسية بتقدم القوات الإفريقية من الدول المجاورة وانتشارها في شمال البلاد، والتي سيصل قوامها إلى سبعة آلاف جندي من قوات الاتحاد الإفريقي المخطط لها أن تسيطر على الشمال بعد انسحاب القوات الفرنسية وحصولها على الدعم اللوجستي من فرنسا، ويصل قوام تلك القوات الإفريقية حتى الآن إلى 3800 جندي.

فقد تدخلت قوات من بوركينافاسو من العاصمة باماكو وتقدمت نحو سيجاو، في حين تم إنزال قوات من النيجر  وتشاد المجاورتين من نيامي في مطار جاو وسيطرت عليه ثم تقدمت القوات التشادية باتجاه كيدال وسيطرت على مطارها أيضاً، في حين سيطرت قوات النيجر على أنسونجو؛ لينحاز الإسلاميون إلى جبال كيدال التي تعد معاقلهم الرئيسية ويعتقد أنهم يحتجزون فيها سبعة رهائن فرنسيين. وتخطط فرنسا الآن لأن تتحول العملية العسكرية من حرب شاملة على معاقل الإسلاميين إلى عملية إحلال استقرار لتتمكن من سحب قواتها وتمكين القوات الإفريقية من بسط سيطرتها على الأرض للبدء بعملية سياسية تحت إشراف فرنسي.

وقد دخلت الحرب في مالي مرحلة حرب العصابات بعد أن أثبت المسلحون أنهم قادرون على تنفيذ عمليات ضد القوات الفرنسية والإفريقية، ما ينبئ بدخول البلاد مرحلة حرب استنزاف طويلة الأمد، وهو ما لم تخطط له باريس منذ البداية، كما أن هناك مخاوف إقليمية من تسلل المسلحين إلى المناطق التي تسيطر عليها جماعة بوكوحرام النيجيرية، لشن مزيد من الهجمات في شمال نيجيريا، حتى إن المتحدث باسم الجيش النيجيري حدد الخطوط العامة لسياسة بلاده بأن مسلحي  بوكوحرام يجب أن يتعظوا مما يحدث في مالي، في إشارة إلى إمكانية توسيع أمد نطاق الحرب جنوباً، وقال إنهم يجب أن «يستمعوا إلى صوت العقل القادم من رئيس أركان الجيش النيجيري الذي يطالبهم بوقف هجماتهم لمدة شهر إذا كانوا مخلصين في دعواهم لهدنة، وأن ذلك هو «الخيار الأفضل المتبقى أمامهم».

فنيجيريا لديها 1200 جندي منتشرين في شمال مالي حالياً وتلقوا أوامر برصد تواجد جماعة بوكوحرام العاملين في تلك المنطقة، كما قامت حرس الحدود النيجيرية برفع درجة التأهب بنشر فرق مدرعة على حدودها الشمالية لمنع اختراق المقاتلين الهاربين من مالي. وصرّح رئيس أركان الجيش النيجيري بأن كثيراً من مقاتلي بوكوحرام المنتشرين في نيجيريا تلقوا تدريبات من إسلاميي مالي، وأنه تم العثور على أسلحة في أيدي  بوكوحرام جاءت عن طريق مالي تم نهبها من مخازن السلاح الليبية بعد سقوط نظام القذافي، وأن بعض تلك الأسلحة «متقدمة»، بالرغم من أن المقاتلين يفتقدون التدريب على استخدامها.

كما تقول مصادر إن هناك تقارباً بين تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي وبين جماعة أنصار الدين وكذلك جماعة  بوكوحرام مع الطوارق في المنطقة، ليشكلون معاً حزاماً يدور حول مالي يهدد سيطرة الدول الغربية على المنطقة ونهب ثرواتها ودعمها الميليشيات المسيحية هناك، ويهدد كذلك بانتشار رقعة المطالبين بتطبيق الشريعة الإسلامية لتصل إلى قطاع يمتد بعرض منطقة الساحل الإفريقي وصولاً إلى غرب إفريقيا.

كما تخشى سلطات النيجر ـ التي لديها خمسمائة جندي في شمال مالي ـ انتقال الصراع إليها أيضاً بعد اشتراكها مع الجيش الفرنسي في حرب مسلحي مالي، فالنيجر فيها سكان من الطوارق يمثلون 9 ٪ من السكان البالغ عددهم 15 مليون نسمة وشنوا عدة انتفاضات في البلاد، بالرغم من عقد اتفاقات سلام معهم من حكومتي النيجر ومالي، وتخشى النيجر قيام ثورة داخلية في أعقاب عمليات الذبح التي شنتها العناصر الإفريقية ضد الطوارق فور دخول الجيش الفرنسي معاقلهم في مالي، لذا قامت بتشديد الحراسة على المنشآت الحيوية والسفارات الأجنبية وكذلك على حدودها مع مالي البالغ طولها 800 كيلومتر، وقد شهدت العاصمة نيامي هي الأخرى حالات اختطاف لفرنسيين، سواء من السياح أو من العاملين في منجم اليورانيوم الذي تديره المجموعة النووية الفرنسية «أريفا» في مدينة أرليت بشمال البلاد، وهو منجم معزول داخل الصحراء ويمثل الدخل الأساسي للنيجر، فيما لا تزال القاعدة في المغرب الإسلامي تحتجز أربعة من الفرنسيين المختطفين حتى الآن.

لذا تخشى الدول المجاورة ـ بما فيها الجزائر وموريتانيا ـ شن عمليات اختطاف واسعة وعمليات احتجاز رهائن في المنشآت الحيوية في المنطقة، على غرار ما حدث في الأزمة الجزائرية في موقع عين أميناس الذي شهد مذبحة راح ضحيتها 37 أجنبياً و29 خاطفاً، وأثبتت العملية فشل تكتيكات الدول المجاورة لمالي في التعامل مع عمليات الاختطاف المسلحة، ووصفت الصحافة الغربية العملية بأنها كارثة، ومن المتوقع أن تحدث عمليات مشابهة في كل الدول المجاورة لمالي، ما ينذر بتحول المنطقة برمتها إلى فوهة بركان وحرب عصابات طويلة الأمد كانت تخشى فرنسا منذ فترة مواجهتها، لكنها اضطرت لخوض تلك الحرب بعد أن تقدم مسلحو شمال مالي باتجاه العاصمة باماكو وسيطروا على أهم المطارات الاستراتيجية في البلاد.

كما تدخلت الولايات المتحدة على الخط لنصرة حليفتها فرنسا، والتي تتقاطع مصالحها معها في المنطقة رغم الهيمنة الفرنسية في المجمل على الغرب الإفريقي، إلا أن للولايات المتحدة مصالح نفطية أيضاً في غرب إفريقيا في الكاميرون ونيجيريا، وأرسلت واشنطن طائرات مسيّرة دون طيار لمراقبة المنطقة، خاصة فوق سماء النيجر؛ لمراقبة تحركات القاعدة في منطقة الساحل الممتدة، كما أن الطوارق يلعبون دوراً مهماً في سياسات المنطقة والحركة القومية لتحرير أزواد التي تمكن مقاتلوها من السيطرة على شمال مالي قبل أن تتدخل القاعدة والمقاتلون الموالون لها وتهميش دورهم.

لذلك؛ فإن الصراع في منطقة الساحل مرشح للتصعيد في الفترة القادمة مع دخول القوات الفرنسية حرباً مع المسلحين وتحول الصراع إلى حرب عصابات ربما تغرق فيه فرنسا لفترة ليست بالقصيرة كما كانت تتمنى في السابق، لا سيما مع الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها باريس، وتمثل لها منطقة غرب إفريقيا كنزاً استراتيجياً لا يمكن لها التخلي عنه، حيث كان من أهم أسباب قيادة فرنسا للإطاحة بالقذافي هو تدخله في شؤونها وتهديده سيطرتها ونفوذها في منطقة الساحل وفي غرب إفريقيا، إلا أنها الآن تدفع ثمن تداعيات ذلك بتهديد شامل لمصالحها الاقتصادية في حرب من غير المتوقع أن ينقشع غبارها قريباً.

:: مجلة البيان العدد 309 جمادى الأولى 1434هـ، مارس - إبريل 2013م.

 


التعليقات

أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
 

الأولى الأخيرة