أعمال القلوب في الحج والعمرة

Share
Share
أعمال القلوب في الحج والعمرة
أعمال القلوب في الحج والعمرة


الحج والعمرة من العبادات العظيمة التي تصلح بها القلوب؛ لأنهما تشتملان على أهم أعمال القلوب؛ كتوحيد الله وتعظيمه ومحبته والشوق إليه والخوف منه ورجائه. والخضوع والتسليم والصبر والتوكل وغيرها من أعمال القلوب، هي روح الجوارح وأساسها. وأعمال لا روح لها كالبدن الذي لا روح له.

وقد أمر الله جل وعلا الحجاج بأن يتزوّدوا للحج بزادين، أحدهما حسي يوصلهم إلى مكة ويكملوا به حجهم، وآخر معنوي يوصلهم إلى ربهم فيقبل حجهم ويخرجهم به من ذنوبهم كيوم ولدتهم أمهاتهم، وهو زاد التقوى، قال تعالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ} [البقرة: 197].

وأصل التقوى عمل القلب، قال صلى الله عليه وسلم: (التقوى ها هنا)، ويشير إلى صدره ثلاث مرات[1].

وقال صلى الله عليه وسلم: (لتأخذوا مناسككم)[2].

فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه الكرام رضوان الله عليهم بأن يأخذوا المناسك عنه صلى الله عليه وسلم ظاهراً وباطناً.

فكما كان يعلمهم كيفية الطواف والسعي وسائر المناسك، كان في الوقت نفسه يعلمهم كيف يطوف الحاج والمعتمر منهم ويسعى معظماً لربه محباً له خاضعاً خاشعاً باكياً... ونحوها من عبادات القلوب.

ومن تتبّع أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم يجد وصف الصحابة رضوان الله عليهم لحجه صلى الله عليه وسلم ظاهراً وباطناً.

ومن ذلك ما رواه جابر بن عبد الله رضي الله عنهما واصفاً حال النبي صلى الله عليه وسلم في الطواف: (فبدأ بالحجر فاستلمه، وفاضت عيناه بالبكاء)[3].

وقال أيضاً - رضي الله عنه - واصفاً حاله صلى الله عليه وسلم لما أفاض من عرفات: (أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه السكينة)[4].

ولقد اعتنى أهل العلم بتقرير شعيرة الحج وعظيم شأنه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (فالمقصود من الحج: عبادة الله وحده في البقاع التي أمر بعبادته فيها. ولهذا الحج شعار الحنيفية، حتى قال طائفة من السلف: حنفاء لله، أي: حجاجاً)[5].

وقال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: (وأما الحج فشأن آخر لا يدركه إلا الحنفاء الذين ضربوا في المحبة بسهم، وشأنه أجل من أن تحيط به العبادة، وهو خاصة هذا الدين الحنيف، حتى قيل في قوله تعالى: حنفاء لله. أي: حجاجاً)[6].

ويقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله: (أفعال الحج وأقواله كلها أسرار وحكم المقصود منها القيام بالعبودية المتنوعة، والإخلاص للمعبود؛ فالحج مبناه على الحب والإخلاص والتوحيد والثناء والذكر للحميد المجيد، فإنما شرعت المناسك لإقامة ذكر الله)[7].

فالحاج والمعتمر إذا تأمّلا ما في الحج والعمرة من تفرغ لمناسكهما، يجدان فيهما نوع انقطاع عن الدنيا وإقبالاً على العبادة، ففي الحج والعمرة شَبَهٌ بالاعتكاف.

وهذا الانقطاع عن الدنيا والتفرغ للعبادة والاعتكاف على ذلك، يخرج القلب من ظلمات الجهل والهوى إلى أنوار الإيمان والهدى ولذة الطاعة.

وحقيقة الحج المبرور - الذي جزاؤه الجنة، والذي يخرج صاحبه من ذنوبه كيوم ولدته أمه ، وكذلك العمرة المقبولة؛ أن يتمّهما الحاج والمعتمر بتحقيق الإخلاص لله جل وعلا والموافقة لهديه صلى الله عليه وسلم، وذلك بأمرين:

القيام بالأعمال الظاهرة؛ كالإحرام والطواف والسعي والوقوف بعرفة وغيرها.

القيام بالأعمال الباطنة؛ وهي أعمال القلوب التي تتصل بكل شعيرة من شعائر الحج والعمرة من محبة لله وتعظيمه وإجلاله والخضوع له والتوكل عليه والتسليم له، وغيرها.

والإخلال أو التقصير في أحد هذين الأمرين يضعف أثر الحج والعمرة في النفس، ويقلل من الأجر.

وهذان الأمران في الحقيقة يدخلان في مسمى الإيمان عند أهل السنة والجماعة، إذ عرّف أهل السنة والجماعة الإيمان بأنه: قول وعمل؛ قول القلب وقول اللسان، وعمل القلب وعمل الجوارح[8].

فكل عبادة لها ظاهر، وهو قول اللسان وعمل الجوارح، ولها باطن، وهو قول القلب وعمل القلب، ومن ذلك الحج والعمرة.

وأعمال القلوب آكد وأولى في الدخول في مسمى الإيمان من أعمال الجوارح، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (فإن دخول أعمال القلوب في الإيمان أولى من دخول أعمال الجوارح باتفاق الطوائف كلها)[9].

ولما كانت أعمال القلوب بهذه الأهمية، كان على الحاج أو المعتمر أن يتعبّد لله جل وعلا بأعمال القلوب، بما يناسب كل شعيرة من شعائر الحج والعمرة.

وسأذكر مثالين لذلك خشية الإطالة:

   التلبية:

فالحاج أو المعتمر يستشعر عند التلبية أنه يلبي ويجيب دعوة الله جل وعلا لعبادة الحج والعمرة على لسان أبيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام، قال تعالى: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْـحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا} [الحج: 27]، وأنه بهذه التلبية ودخوله نسك الحج أو العمرة، أصبح من وفد الله جل وعلا وضيوفه، قال صلى الله عليه وسلم: (الحجاج والعمار وفد الله، دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم)[10].. حينها يغمر قلبه الفرح والسرور والأنس والحبور، إذ هو ضعيف عند ملك الملوك، كما يقوى رجاؤه بإجابة دعوته وإقالة عثرته وتفريج كربته، إذ هو ضيف عند أكرم الأكرمين.

ولله المثل الأعلى: هل يعقل أن كريماً يدعو ضيوفه ثم لا يكرمهم؟!.. فالله أجلّ وأعظم وأكرم.

الطواف بالبيت:

فإن على الحاج أو المعتمر أن يستشعر بقلبه حال طوافه بالبيت محبة الله والشوق إليه، وقربه منه، وتعظيمه له، وخضوعه وانكساره بين يديه.

فإن هذه الأعمال القلبية لها أثر في وجود حلاوة الإيمان والأنس والطمأنينة وقوة الرجاء من جانب، وقبول حجه أو عمرته من جانب آخر.

ولعل في هذه العجالة اليسيرة ما يسهم في التذكير بهذا الأمر العظيم الذي غفل عنه فئام من الحجاج والعمار، ألا وهو (أعمال القلوب في الحج والعمرة).. والله أعلم وأحكم.


 

 :: ملف خاص بعنوان "بين يدي الحج

:: مجلة البيان العدد  328 ذو الحجة 1435هـ، أكتوبر  2014م.


[1] أخرجه مسلم رقم (2564).

[2] أخرجه مسلم رقم (1297).

[3] أخرجه البيهقي في (السنن الكبرى) 5/74، وقال ابن كثير في السيرة النبوية (4/317): وهذا إسناد حسن.

[4] أخرجه النسائي رقم (3024)، وصححه الألباني في (صحيح سنن النسائي) رقم (2827).

[5] اقتضاء الصراط المستقيم (2/370).

[6] مفتاح دار السعادة (2/869) طبعة دار عالم الفوائد.

[7] مجموع الفوائد واقتناص الأوابد ص (265).

[8] مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (7/308)، (12/372).

[9] مجموع الفتاوى (7/506).

[10] أخرجه البزار رقم (1153) وغيره، وحسنه الألباني في (صحيح الجامع) رقم (3173).


التعليقات

أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
 

الأولى الأخيرة