هل تدفع أزمات الداخل الإيراني وانسداد الخيارات الإقليمية والدولية طهران إلى تبنّي الحرب كأداة للهروب إلى الأمام، لإعادة ضبط الشرعية وقمع الشارع، أم أنها مقامرة قد تسرّع الانفجار الداخلي بدل إنقاذ النظام؟
كتبه: أحمد عمرو
لم تعد الحرب شبحًا تخشاه طهران، كما كان في الأعوام السابقة، قد التغيرات
الاستراتيجية التي أحدثها طوفان الأقصى، بل يمكن أن نعدها أحد المخارج التي قد تسعى
إليها، وسلاحًا قد يُستخدم لإعادة ترتيب المشهد الداخلي والخارجي. بين الهروب إلى
الأمام أو الموت البطيء، يجد صانع القرار الإيراني نفسه محاصرًا بخيارات ضيقة،
يختبر فيها قدرته على تحويل الأزمة إلى فرصة، والتهديد إلى مسار يفرضه على العالم.
فإزاء الضغوط الداخلية المتمثلة في احتجاجات متصاعدة والضغوط الخارجية، قد يسعى
النظام الإيراني إلى بناء سردية مسبقة لحرب قادمة، تُقدَّم للداخل والخارج على أنها
«دفاع
عن الوجود»
أو
«رد
مشروع»
على تهديد مصيري.
فالحروب عادة تُصنع أولاً بالروايات، قبل أن تُخاض على أرض الواقع، وتتحدث بلغة
الصواريخ والمدافع بدلا من لغة التهديدات والحديث عن المؤامرات.
في النسق المتدثر بالإحباط الداخلي والخارجي يصبح تلميح النظام الإيراني إلى
استهداف مقر رئاسة الحكومة
–
أو أي هدف سيادي إسرائيلي
–
تطوراً منطقياً داخل السردية، النظام يدرك أن معركته المقبلة متعددة الأبعاد:
عسكرية وسياسية وإعلامية وقانونية، وأن تهيئة الأرضية النفسية والدبلوماسية لا تقل
أهمية عن جاهزية الترسانة.
تبدو المسارات الأخرى قد أُغلقت تقريباً أمام صانع القرار في طهران.
·
فآلية الزناد التي أخذت أوروبا القرار بها منذ أسابيع، بات تنفيذها أقرب من أي وقت،
والعقوبات الاقتصادية عادت بثقلها الكامل كخيار عقابي طويل الأمد.
·
وإسرائيل تُظهر تصميماً متزايداً على نقل المواجهة إلى العمق الإيراني، عبر إثارة
الاضطرابات، واستهداف الحلفاء، وتفكيك الشبكات التي بنتها طهران حجرًا فوق حجر.
فالحزب الله رغم تقهقره الشديد وضعفه المتنامي لم يعفه ذلك من استمرار استهدافه
والمطالبة بإخصائه بشكل كامل وتسليم سلاحه. وفي العراق كما في لبنان الجماعات
المسلحة باتت هي الأخرى تواجه ضغوط الحل أو تسليم السلاح.
·
أما المفاوضات مع واشنطن، فقد وصلت إلى عقم سياسي تام: سقوف أمريكية مرتفعة، وشروط
إيرانية لا تجد آذاناً صاغية. في النهاية كلفة عالية، ومسار أكثر وعوره.
وسط هذا الانسداد، قد تبدو الحرب
–
في عيون صانع القرار الإيراني
–
مخرجا من الأزمة. فالحرب توحّد الداخل بالقوة، وتُخرس الأصوات المعارضة تحت راية
«الخطر
الخارجي»،
وتعيد للأجهزة الأمنية دورها المركزي، وتمنح النظام فرصة لإعادة ضبط المشهد الداخلي
بقبضة حديدية، لا بوصفها قمعاً، بل
«ضرورة
وطنية».
لكن هناك عاملًا أكثر خطورة: الشارع الإيراني. لم يعد يصدّق خطاب الحصار أو التهديد
الخارجي، ولم تعد الاحتجاجات مجرد أحداث عابرة يمكن احتواؤها. تمددت لتشمل الأقاليم
المهمشة وطبقات كانت خزانًا اجتماعيًا للنظام، فصار الاحتجاج ظاهرة بنيوية تكشف
هشاشة الشرعية التي يحاول النظام ترميمها بالقوة وحدها.
الأخطر هو اتساعها الجغرافي والاجتماعي: لم تعد حكراً على المدن الكبرى أو النخب،
بل امتدت إلى الأقاليم المهمشة، وطبقات كانت تُعدّ خزاناً اجتماعياً للنظام. هذا
الاتساع حوّل الاحتجاج من حدث أمني قابل للاحتواء، إلى ظاهرة سياسية بنيوية، تكشف
تصدّع العقد غير المعلن بين الدولة والمجتمع، وتعرّي هشاشة الشرعية التي يحاول
ترميمها بالقوة وحدها. وفي الأخير فإن قدرة النظام على البقاء تصبح على المحك.
ومن هنا يصبح فهم التوقيت الدقيق لإعلانات الاغتيالات المحبطة، وتصعيد خطاب
التهديد، وتلميحات الضربات النوعية. النظام يحتاج صدمة كبرى تعيد ترتيب المشهد
الداخلي، تمنحه مبرراً لفرض حالة طوارئ غير معلنة، توسع صلاحيات الأجهزة الأمنية،
وتجفف المجال العام تحت ذريعة
«الاستعداد
للمواجهة».
إنها محاولة لاستعادة السيطرة عبر إثارة الخوف، وإحياء شعارات الثورة الإيرانية من
سباتها.
لكن هذه المقاربة تحمل مخاطرة مزدوجة: قد تسكت الشارع مؤقتاً، لكنها لا تقتل
أسبابه. بل قد تعمّق الأزمة على المدى المتوسط، إذا صاحبتها كلفة اقتصادية باهظة
وخسائر بشرية ملموسة. عندها، يتحول الخطاب التعبوي من أداة ضبط إلى فتيل تفجير،
ويجد النظام نفسه أمام شارع غاضب مزدوج: داخلي وخارجي، دون هامش مناورة.
الاندفاع نحو الحرب أو المواجهة لا يمكن أن يكون تهورا بلا حسابات، بل هو قفزة
للأمام بوعي كامل بالمخاطر الكاملة. قد يصفها البعض بالمقامرة لكن البديل
–
في نظر النظام
– أشد
فتكاً: حصار دولي خانق، تفكك داخلي بطيء، تآكل نفوذ إقليمي صامت.
فالنظام الإيراني أصبح بين خيارين موت بطيء أو مواجهة مفتوحة، ربما تكون المواجهة
الخيار الأقرب لفكر صانعي القرار في طهران ليس لأنها الأسلم، بل لأنها الطريق الذي
قد يمنحها إحساساً بأنها لا تزال لاعباً، لا مجرد هدف.
وفي قلب هذا الحساب الخطير، يبقى الشارع الإيراني
–
بحراكه المستمر وصموده
–
الجبهة الحقيقية التي تحدد مصير كل المغامرات. هو الجائزة الكبرى، وهو الخطر الأعمق
في آن.