الصدام التركي الأوروبي والمصالح الأمريكية


أ. إعداد مجلة البيان



اندفعت تركيا في السنوات القليلة الماضية للتحرك على عدة جبهات في كثير من الأحيان بررت ذلك في سياق الدفاع عن أمنها القومي ومصالحها الخارجية، وهذا الأمر برز جلياً بعد الثورة السورية التي انطلقت عام 2011 إذ تدخلت تركيا لردع قوات سوريا الديمقراطية وهي فصيل مسلح كردي دعمته الولايات المتحدة الأمريكية لتشكيل شريط كردي عازل يبدأ من الحدود العراقية ويتواصل حتى البحر المتوسط، لكن هذا التحرك تم إبطاله بعدد من العمليات العسكرية التركية بدأً بعملية "درع الفرات" وانتهاءً بــ"مخلب النمر" التي استهدفت حزب العمال الكردستاني في شمال العراق. وفي يوليو 2019 وقعت تركيا مع حكومة الوفاق الوطني الليبية برئاسة فايز السراج إتفاقية دفاع مشترك تبعتها بإتفاقية أخرى لترسيم الحدود كانت مدخلاً لتواجد عسكري تركي في ليبيا وعاملاً رئيساً في إفشال الدعم العسكري الغربي للحملة التي ينفذها الجنرال خليفة حفتر للسيطرة على طرابلس وإفشال مشروع فرنسي لإنشاء قاعدة عسكرية وسط ليبيا. وفي مايو الماضي أطلقت تركيا العنان لقواتها البحرية لحماية سفن التنقيب عن الغاز والنفط للبدء بعملية واسعة النطاق في منطقة متنازع عليها مع اليونان، وأشعلت هذه الخطوة غضباً أوروبياً عارماً حاولت فرنسا تحويله إلى سلسلة عقوبات ضد تركيا لكنها فشلت في ذلك بسبب إرتباك الموقف الأوروبي.

الخطوة الأخيرة التي زادت من حدة الصراع بين الجانبين هي دعم تركيا لأذربيجان في إستعادة إقليم "قره باغ "المحتل منذ أكثر من ثلاثة عقود، ونجاح الجيش الأذري في استعادة أجزاء واسعة منه وترجم ذلك غربياً في سياق محاولات تركيا تعزيز نفوذها في القوقاز ومقاسمة روسيا النفوذ في تلك المنطقة. في 9 أكتوبر الماضي نشر بيان بعنوان "حان وقت الإنفصال عن أردوغان" في صحيفة نيويورك تايمز وقعه كلاً من توماس كابلان والمفكر الفرنسي برنارد هنري ليفي، وبموجب البيان فإن "الناتو" هو ليس مجرد تحالف أمني بل أيضاً مجموعة من الدول ذات القيم المشتركة، وهي بالتأكيد تختلف عن هوية تركيا الإسلامية المعادية للولايات المتحدة الأمريكية ولأوروبا. هذا البيان أظهر بشكل واضح أن الغضب الغربي إتجاه تركيا بدأ يحاول صنع هوية فكرية وثقافية وليس فقط في سياق ردات فعل سياسية.

في منتصف اكتوبر الماضي ألغى وزير الخارجية الألماني خيكو ماس رحلة كانت مقررة إلى أنقرة لإظهار دعمه لليونان ومحاولة إرسال رسالة إحتجاج غير مباشرة إلى تركيا، ووصفت الخارجية الأمريكية مواصلة تركيا إجراءاتها في التنقيب عن النفط والغاز في البحر المتوسط بــ"الإستفزاز"، وقالت مورغان أورتاغوس المتحدثة باسم وزارة الخارجية " التهديد والترهيب والنشاط العسكري لن ينهي التوتر في شرق البحر المتوسط".

لماذا لم تقدم الكتلة الأوروبية على خطوة لفرض عقوبات على تركيا كما فعلت مع روسيا عقب الأزمة الأوكرانية؟! هذا السؤال قد يسلط الضوء على عمق الأزمة الأوروبية وضعف قدرة أوروبا ككتلة مسيحية على الصمود في وجه أي أزمة عسكرية مقبلة، فرغم شراء تركيا منظومة أس_400 الدفاعية من روسيا إلا أنها لا تزال تحتفظ بعضويتها في الإتحاد الأوروبي واقتصرت العقوبات على إخراجها من تحالف لتصنيع طائرة أف_35 بقرار أمريكي. 

أبرز النقاط التي تسبب إشكال في الموجهة بين الأوروبيين وتركيا تتعلق بمعاهدة مونترو الموقعة عام 1936م، وهي تعطي تركيا الحق في تقييد حركة السفن التابعة للدول غير المطلة على البحر الأسود، فعلى سبيل المثال يعبر حوالي 3 ملايين برميل من النفط الخام و20 مليون طن من المنتجات البترولية مضيق البوسفور كل عام، وفي عام 2019 فقط عبرت أكثر من 40 الف سفينة تجارية تحمل 650 مليون طن من السلع التجارية لذلك يعد المضيق من أهم ممرات الملاحة التجارية في العالم.

في عام 2019 شكلت السفن المملوكة لليونان مايقرب من 21% من الأسطول التحاري العالمي و 53% من قدرة الاتحاد الأوروبي بعدد 4936 سفينة بسعة تصل إلى 389 مليون طن. في عام 2018 زودت السفن اليونانية الاقتصاد المحلي بــ16.6 مليار يورو وهذه الأرقام تجعل أي خطوات أوروبية مع تركيا محسوبة جداً لأنها ستخلف خسائر فادحة للإقتصاد اليوناني الضعيف. يقول الأدميرال التركي المتقاعد جهاد يايجي، "إذا فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على تركيا فإن أنقرة ستقوم بإبطاء مرور السفن اليونانية والقبرصية وقد تلجئ إلى إغلاق المضيق".

أما بالنسبة للموقف الأمريكي الذي يرى البعض أنه مرتبط بإنتقال الإدارة في البيت الأبيض من الجمهوريين إلى الديمقراطيين فإن ذلك مخالف كلياً للواقع فالمصالح الأمريكية هي المحرك الأساسي لأي تحرك للإدارة الأمريكية، إذ نجحت تركيا في تخطي الموقف الأمريكي في سوريا بعد أن أظهرت إندفاعها نحو المواجهة وقلصت بنجاح مساحة التحرك الأمريكي هناك، وكذلك في أزمتها مع اليونان رغم أن الإدارة الأمريكية الحالية هي عبارة عن كتلة إنجيلية صهيونية يهودية وظهر ذلك في تبنيها بصورة كاملة للرغبة الإسرائيلية في خنق إيران والملف الفلسطيني.

في عهد الرئيس باراك أوباما اتهم الرئيس أردوغان الولايات المتحدة بدعم المنظمات الكردية وكانت أزمة العلاقات بين الطرفين على أشدها، لكن نجاح الأتراك في تقزيم هذا المشروع وتخلي إدارة ترامب عنه بنسبة كبيرة قد يدفع الإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة بايدن للتعاطي مع الواقع الجديد في تركيا لاسيما بعد فشل محاولة الإنقلاب عام 2016، فقبل أيام صرح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بضرورة تسوية ملف قبرص الشمالية والإعتراف بها كدولة مخالفاً بذلك رغبة بايدن الذي طالب بتسوية شاملة تضمن توحيد الجزيرة.  يتمتع بايدن بعلاقة وثيقة مع الكنيسة الأرثوذكسية في اليونان وحرص بإستمرار على تقديم الدعم لها، ورغم أن هناك حماسة كبيرة من قبل اليونان لوجود جو بايدن في السلطة كونه تبنى العديد من الأراء المصادمة لتركيا مثل تعهده بتوقيع مرسوم رئاسي يعترف بــ" الإبادة الجماعية للأرمن"، إلا أن الخطوات الإستباقية التي اتخذتها تركيا في عهد ترامب وتقدمها على عدة جبهات يفرض واقعاً جديداً على الإدارة الأمريكية، ففي الملف الأوروبي مثلاً لايمكن فرض عقوبات على تركيا بسبب ملف اليونان وتجاهل قدرة تركيا على الرد على مثل هذه العقوبات سواء من خلال ملف اللاجئين أو صادراتها التي تغطي حاجة السوق الأوروبي أو حتى الكتلة التركية الضخمة التي تعيش في أوروبا، والتعاون الأمني بين الجانبين. كذلك فإن أي ضغط أمريكي على تركيا سيزيد من اصطفافها إلى جانب روسيا لذلك على الأرجح ستخطو العلاقات التركية الأمريكية خطوة إلى الأمام في ظل عدم وجود حلفاء يمكن الإعتماد عليهم في المنطقة لتحقيق توازن في خارطة النفوذ الإقليمي التي تتسيدها روسيا وإيران وتركيا في المنطقة وأبرز مؤشرات التصارع بين القوى الثلاثة التدخل التركي في ملف "قره باغ".  لكن هذا لا يعني أن لا تبقى إدارة الحزب الديمقراطي على نهجها في تركيا من خلال مواصلة دعم المعارضة لتصبح قادرة على موجهة الرئيس رجب طيب أردوغان في الانتخابات المقبلة عام 2023.

 

 



أضف تعليقك

الإسم :  
البريد الإلكتروني :    
نص التعليق :  
كود الصورة :
Captcha