لا توجد أمة في الأرض -أو مجتمع- عاشت الحياة دون أن تواجه تحديات كبرى تتهددها في كيانها أو رسالتها أو وجودها. فطبيعة الحياة يفرض التغير والتجدد والتبدل والتحول.. وهذه المعاني معا قد تتفاعل وتصنع تحديا يفرض نفسه على أرض الواقع. وليس المطلوب من أي أمة أن تقفز على التحديات بل أن تواجهها وتستفيد منها في مسيرتها. والأمر ذاته يتعلق بالدعوات، فأي دعوة تنطلق في الناس تواجه من التحديات الشيء الكثير حتى تترسخ وتجد موقعها في خارطة الفكر والسياسة والثقافة والاجتماع.

وإذا تأملنا تاريخ الدعوة والأمة الإسلامية نجدها واجهت التحديات بصورة حفظت بقاءها واستمرارها بأقل الخسائر. وهذا التميز يعود إلى طبيعة الدين الإسلامي ذاته وما يغرسه في نفوس أتباعه من قدرة في استغلال السنن والأخذ بالأسباب والاستعانة بالله تعالى ما يجعلهم يواجهون التحديات بروح وثابة ونفس صبورة وعقل مستنير.

التحديات السياسية التي واجهت الأمة الإسلامية عند انطلاقتها:

من أخطر التحديات على الأمم على الإطلاق التحديات السياسية التي من شأنها أن تضعف الأمم وأن تذيب وجودها أو تفكك كيانها إلى مكونات متطاحنة. وهذا لا يقلل من خطورة التحديات العقدية والأخلاقية لكنها إذا لم تأخذ طابعا سياسيا فإنها تظل في إطار التحكم والسيطرة خلافا للتحديات السياسية التي لا يمكن التحكم بها غالبا. لذلك فإن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يخبر بأن أول عرى الإسلام نقضا (الحكم) وآخرها (الصلاة)!

وإذا لم تواجه التحديات السياسية بمنطق حكيم وأسلوب مرن وإلا فإنها قد تستفحل لتكون داءا عضالا لا يمكن التغلب عليه.

وهنا سنذكر بعضا من التحديات السياسية التي يمكن رصدها بوضوح في مسيرة الدعوة الإسلامية وانطلاق الأمة المسلمة، وسنذكر أبرز المعالجات والتدابير التي ووجهت بها. وحتى نسهل الأمر سنضعها في الجدول التالي:

العصر

التحدي

المعالجة

عهد النبوة في الفترة المكية:

غربة الدعوة.

مخاطبة الأقربين- السرية- محدودية مواضيع الدعوة.

رفض قريش لها.

توسيع دائرة المخاطبين بالدعوة- تنويع المنابر- محاججتهم ومجادلتهم.

تضييق قريش عليها.

الاستقواء بالمناصرين من ذوي القربى والصلة- الخروج عن دائرة مكة في الدعوة.

محاربة قريش لأتباعها.

استغلال العون الذي يقدمه بعض كفار قريش-إظهار نوع من الممانعة- الهجرة إلى الحبشة.

محاولة القضاء على النبي ودعوته.

طلب المنعة من القبائل في الحج- مبايعة الأوس والخزرج- الهجرة إلى المدينة.

عهد النبوة في الفترة المدنية:

وجود (لاجئين) فارين للمجتمع الجديد (المهاجرون)

المؤخاة- التوطين- كتابة وثيقة بين المهاجرين والأنصار.

تعدد القوى في المدينة:

مسلمون- مشركون- أهل كتاب (يهود).

كتابة صحيفة المدينة[1]- بث روح التعايش- إدخال مواضيع جديدة في الدعوة- تشريع صور التعامل والتعاون.

ظهور النفاق

توضيح الظاهرة وذمها- ترصدها دون تكلف-إضعاف تأثيرها- تضييق أثرها.

حرب قريش

تعديل ميزان القوى- تأمين المدينة- الدخول في أحلاف- الدخول في صراع متكافئ.

تآمر يهود

تغيير الموقف من سياسة الاحتواء إلى سياسة التحييد- الإجلاء- القتل والاغتيال لرموزهم المؤثرين

إدعاء النبوة.

القضاء على هذه الحركات في مهدها- التحذير من هذا المنحى الجديد في الكيد للأمة.

عهد أبي بكر الصديق:

وفاة الرسول وغياب نص صريح في الخلافة

تفعيل الشورى ومناقشة أمر الخلافة.

بروز رغبة في تقاسم السلطة ومعارضين.

حسم الخلاف بشكل سريع للقضاء على فتيل النزاع- قبول المعارضة وتفهمها واستيعابها.

الردة عن الإسلام والخروج عن السلطة.

إعداد الجيوش- مقاتلة المرتدين- إخضاع القوى القبلية لسلطة الدولة- إحكام السيطرة.

تهديدات الروم

إنفاذ جيش أسامة.

وفاة القراء

جمع القرآن الكريم.

عهد عمر بن الخطاب:

اتساع الدولة

تعمير البلاد- توزيع القراء والعلماء وتوطينهم بها- تقسيم الولايات وتعيين ولاة مفوضين- بناء أجهزة الدولة وتطويرها.

بروز إشكاليات جديدة: توزيع أرض الخراج- إلغاء سهم المؤلفة قلوبهم- غياب الجند عن أزواجهم مع طول السفر- ... إلخ.

الاجتهاد بشكل واسع واستيعاب المتغيرات والاستناد إلى رؤية مقاصدية ومصلحية منبثقة من نوايا صالحة ونفس رشيدة وتشاور.

المجاعة (عام الرمادة)

إنشاء الملاجئ وتفعيل التكافل الاجتماعي- إعادة النظر في ملائمة تطبيق حد السرقة للظرف.

عهد عثمان بن عفان:

تنازع المسلمين في قراءاتهم للقرآن.

جمع الناس على مصحف واحد وحرق ما سواه.

بروز إشكاليات جديدة:

الاجتهاد والرجوع عن اجتهادات سابقة.

قيام حركة ثائرة على سياسته.

اتخاذ تدابير سلمية للقضاء عليها- نزع فتيل الصراع ومنع الصحابة من القتال.

عهد علي بن أبي طالب:

مقتل الخليفة السابق.

ووجود قوى ثائرة في المدينة وبعض الأقاليم.

قبوله باختيار أهل المدينة من الصحابة إياه للخلافة- التبرؤ من مقتل عثمان وقتلته على الملأ- تأمين المدينة المنورة والتوجه لترسيخ سلطة الدولة وبسط نفوذها- إعادة الأمر إلى قضاء مستقل ونزيه تثبت به الإدانة ويصدر عنه الحكم- مطالبة جميع الأطراف للخضوع للسلطة أولا.

خروج طائفة من المسلمين عن السلطة للمطالبة بدم عثمان أولا.

السعي إلى إقناعهم بالحوار والتراسل- قبول الوساطة والصلح- حسم المسألة عسكريا- قبول التحكيم.

ظهور أول فرقة عقدية مسلحة تسعى للاستقلال عن الدولة (الخوارج).

السعي إلى محاورتهم وإزالة الشبه عنهم- إقرار مبادئ عامة لبقائها تحت مظلة الدولة وفي دائرة الأمة- مواجهتهم عسكريا لإخضاعهم لسلطة الدولة بعد رفعهم السيف-

ظهور أول فرق الغلو في الأشخاص (السبئية)

السعي إلى محاورتهم وإرجاعهم عن عقائدهم-تفريقهم وتغريبهم في الأمصار- معاقبتهم بشكل صارم ردعا للفتنة بإحراق بعضهم في النار.

وتفاصيل التدابير التي قام بها الرسول –صلى الله عليه وسلم- والخلفاء الراشدون –رضي الله عنهم أجمعين- في مواجهة التحديات وفلسفتها منهجيا مبثوثة في كتب السنة والسير. فهي تأتي في إطار من الرؤية العقدية والأخلاقية والتشريعات التفصيلية والقواعد والمقاصد الكلية والعليا.

وهي حقيقة لا تزال تحمل الكثير من العبر والدروس والفوائد لمن تأملها وأعاد النظر فيها، محاولا الربط بينها وبين نسقها التشريعي وسياقها التاريخي، وإغفالها أو الوقوف فيها عند ما سطره الأولون في ضوء ما بلغه علمهم التجريبي في حينه والاقتصار على تفسيرهم فقط.. فيه من الجمود ما يضيع عبرة هذه المواقف والطرق الحكمية للأجيال اللاحقة والعصر الحديث بكل تعقيداته وتناقضاته وتشعبه. فمن المعلوم أنه طالما يمكن وفقا لقواعد اللغة والفقه ومنهج الاستدلال الذي قرره علماء الأمة استنباط الجديد من الأحكام والدلالات التي لا تنافي أصلا قطعيا وثابتا من الثوابت المجمع عليها.. فالأصل النظر والتجديد والاجتهاد لاستيعاب حوادث الزمن بالرؤية الشرعية.

التحديات التي باتت تواجه المصلحين اليوم:

إن المصلحين اليوم يواجهون تحديات غير مسبوقة على صعيد السياسة. ووصولهم للحكم ليس هو نهاية المشوار بالنسبة لهم. فإن واقع السياسة اليوم يختلف عن واقعها بالأمس. وكمثال على ذلك فإن الدولة اليوم لم تعد بمفهومها وأدوارها ووظائفها هي تلك الدولة البسيطة في القدم، ويمكن أن نرصد الملامح التالية كجزء من التحديات التي تواجه العمل الإسلامي اليوم في هذا الصعيد:

جانب الاختلاف:

الدولة قديما

الدولة المعاصرة

في اتساعها

لم تكن الأرض بكل جغرافيتها تخضع لحكم الدول.

الأرض بكل جغرافيتها اليوم موزعة بين الدول شبرا بشبر!

في سيطرتها على أراضيها

لم تكن الدولة تسيطر على كل أجزاء أراضيها.

الدولة اليوم تسيطر على كافة أجزاء أراضيها، بل وعلى أجوائها الهوائية، ومحيطها المائي!

في طبيعتها

الدول سابقا تمثل عصبة حاكمة.

الدول اليوم مؤسسات وأجهزة وهيئات.

في طبيعة شعبها

الدول سابقا غالبا تمثل عرقا معينا أو ديانة معينة. فهي دولة بسيطة التركيب الاجتماعي.

الدول اليوم تضم أعراقا وأديانا ومذاهب مختلفة ومتنوعة، نتيجة التداخل والاندماج عبر هجرات وتغيرات مختلفة.

في دورها ووظيفتها

الدولة سابقا تفرض القانون وتنصب القضاء وتجبي الأموال وتدافع عن أرضها وشعبها وتتوسع لخدمة مصالحها.

الدولة اليوم متوغلة في كل مناشط المجتمع ومجالات الحياة، فهي إلى ما سبق، راعية التعليم والبحث العلمي والثقافة والفنون والخدمات والمشاريع... إلخ.

في تركيبها

الدولة سابقا مركبة تركيبا بسيطا في المهام والعلاقات والمرجعية.

الدولة اليوم معقدة في تركيبها، متداخلة ومتشابكة.

في مواردها

غالبا ما كانت الدول تعتمد على الموارد البسيطة والجبايات والغنائم.

الدول اليوم تنوعت مواردها بشكل مذهل، حتى أصبح ما فوق الأرض وما تحتها موردا بالفلسفة العلمية.

في قوتها

قوة الدول سابقا هي القوة العسكرية مسنودة بقوة المال والعصبة.

قوة الدول اليوم يتجاوز المفهوم التقليدي إلى القوة الاقتصادية والسياسية والإعلامية والتعليمية والشعبية.. إلخ.

في علاقاتها الخارجية

سابقا لا تتجاوز علاقة الدولة دول الجوار.

اليوم تخضع الدول إلى علاقات خارجية مختلفة الدوائر فرضتها حالة الترابط التي أنشأتها وسائل الاتصال والتواصل.

في ثبوتها واستقرارها

غالبا ما كانت جغرافية الدول وديمومتها تخضع للتقلب والتبدل.

الدول اليوم محمية بموجب الاتفاقات الدولية، فهي لا تمتلك حق التوسع العسكري ولابد أن تحافظ على استقرارها.

في نظرة شعوبها إليها

الدولة سابقا هي المظلة الوحيدة التي تحتمي بها الشعوب وتركن إليها.

الشعوب اليوم تحتمي بمنظمات وسيطة يطلق عليها (مجتمع مدني)، ومنظومة دولية تعطي الحق في فرض رؤى عالمية!

إن هذه التحولات والتغيرات تفرض على المصلحين تعاطيا مختلفا نظريا وتطبيقيا، فما كان يناسب العهود القديمة من أساليب ووسائل إدارية وتنظيمية وفلسفة اجتماعية قد لا يناسب الواقع اليوم. فمفهوم العصبية وعلاقتها بالدولة التي تكلم عنها ابن خلدون –رحمه الله- كمثال قد لا تصلح للعصر الحديث. ونظرية الاعتماد على القوة العسكرية في إصلاح الدول قد تكون مكلفة أكثر مما مضى في ضوء التعقيد المرتبط بتجارة السلاح ومافيات الحروب وتلاعب المخابرات الدولية بتوجيه الجماعات المسلحة بعد اختراقها! وهكذا...

وهذا يتطلب جهودا علمية ضخمة تقوم على أساس من البحث والدراسة الجادة، والنظر والتأمل العميق والدقيق، وبصورة تجمع بين الموروث بكل تنوعه والجديد بكل تناقضاته، جهد يعمل فيه المتخصصون من الفقهاء والأصوليين وعلماء الاجتماع والسياسة والتاريخ والاقتصاد.

التحدي بين نظرتنا الخاصة ونظرة الآخرين إليه:

إن مفهومنا للتحدي الذي نواجهه يتصادم مع مفهوم الآخرين لذات التحدي وزاوية نظرهم إليه. لذلك فإن من الضروري بعد أن نحدد التحدي بلغة علمية واضحة، ونعطيه الاصطلاح المتفق عليه فيما بيننا كعاملين في الحقل الإسلامي، ونتفق على مظاهره وتجلياته وحدوده، ونتفق على أسبابه ومعالجاته، ونتفق على موقعه في سلم الأولويات، يجب أن نعطي تقديرا للأطراف الأخرى التي تخالفنا الرأي في: الإيمان بهذا التحدي، وفي توصيفه، وفي أسبابه ومن ثم معالجاته، وفي أهميته.

وهنا يمكن ضرب مثالين اثنين، أحدهما في القديم والآخر في الحديث:

- فمقتل الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان –رضي الله عنه- مثل تحديا:

الفريق الأول: الإمام علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- ومن معه من الصحابة، رأوا أن التحدي هو: إقامة الدولة، وفرض الأمن والاستقرار، والتحقيق في مقتل عثمان وتحكيم قضاء مستقل، انطلاقا من أن هذا الحدث (الخاص) والذي يمس شخص رأس الدولة ينبغي أن لا يسقط الواجبات العامة من قيام الدولة وفرض الأمن والاستقرار وإخضاع الحادث للتحقيق المستقل والقضاء المستقل.

بينما الفريق الآخر: والذي يمثله معاوية –رضي الله عنه- ومن معه من الصحابة، رأوا أن التحدي هو: القبض على الجناة، والقصاص منهم، ثم الاتفاق على الخليفة، ثم إقامة الدولة. انطلاقا من مكانة عثمان وما وقع عليه من الظلم والعدوان. وهكذا بات ما يمثل أولوية لدى الفريق الأول يمثل لدى الفريق الثاني أمرا ثانويا تاليا، وما يمثل أمرا ثانويا تاليا لدى الفريق الأول يمثل لدى الفريق الثاني أمرا أولويا وفي الصدارة. لذلك فقد كان هذا الخلاف حادا لا يمكن معه للطرفين أن يلتقيا في منطقة وسط، خاصة وأن الطرف المنفذ للجريمة كان لا يزال يعمل من أجل بث الفتنة وإدخال المسلمين في صراع جديد! لذلك فلم يفد الفريقين من الصحابة –رضي الله عن الجميع- أنهما أصحاب دين واحد ودعوة واحدة طالما وأن نظرتهما السياسية متضادة وحادة.

- انفصال جنوب اليمن –باعتباره أزمة يلامسها الكاتب- تمثل تحديا:

الفريق الأول فيها هم مكونات الثورة –وبالأخص المكونات الشمالية، والتي تعطي هذا التحدي عنوانا بكونه (تقسيما لليمن)، وتعطي توصيفا له بأنه: توجه انفصالي، وحراك يسعى للتمرد على الدولة، ونوايا لفكفكة وتجزيء اليمن! ويرى في هذا التحدي أولوية توازي خطورة القاعدة وحركة الحوثي.. باعتبار أن أهداف الجميع في هذا الاتجاه هي ذاتها. ومن ثم ينطلق هذا الفريق في التعامل مع هذا التحدي ومعالجته بصورة حادة، ويقصرها في إطار الحقوق والعطايا والترضيات، وإذا لزم الأمر حمل السلاح للحفاظ على الوحدة.

الفريق الثاني فيها هم مكونات الجنوب الحراكية، والتي تعطي هذا التحدي عنوانا بكونه (فك ارتباط)، أو (تحرير الجنوب من احتلال الشمال)، وتعطي توصيفا له بأنه: استعادة دولة الجنوب، وتحرير الجنوب، وتقرير للمصير، وغير ذلك من الأوصاف التي تعطي الشرعية للتحرك ضد الوحدة القائمة. ومن ثم ينطلق هذا الفريق في التعامل مع هذا التحدي ومعالجته بصورة حادة، وربما رأى في حمل السلاح ضرورة لذلك.

إن أي فريق إذا ما أصر على النظر إلى التحدي من الزاوية التي يراها دون اعتبار للطرف الآخر، فإننا سوف نشهد صراعا جديدا مسلحا في اليمن كل طرف فيه يدعي شرعية موقفه سياسيا -وربما دينيا. وإذا أضفنا لهذا الوضع أطراف أخرى داخلية وخارجية من مصلحتها تأجيج صراع يمني- يمني فإن من الضروري أن توجد أطراف محايدة ذات قاعدة عريضة وقوة موازية للوقوف ضد الدخول في صراع من هذا النوع ودفع الفريقين للتقارب إلى نقطة وسط.

إنني هنا لا أعطي جميع وجهات النظر حكما واحدا في كونها حق جميعها أو صواب جميعها، ولكن عندما تكون وجهة النظر الأخرى لها من الأتباع والقوة ما يجعل التعامل معها بمنطق الفكر المجرد (حق وصواب) منطقا خاطئا، فهنا نحن أمام مفاسد أخرى قد تنبثق من مجرد التعامل بهذا المنطق، بل أحيانا قد نقف أمام مآلات لم تكن في اعتبار أي من الطرفين حتى وإن كان صاحب حق وصائب في وجهة نظره. لذلك فإننا نعرف أن الإسلام يدعو إلى الصلح والتصالح في حالات كهذه.. حالات لو حكم فيه للحق بطرف لضاع الطرفان جميعا. يقول ابن تيمية –رحمه الله- في مجموع الفتاوى: "والذي ينهى عن ذلك –أي تولي منصب فيه مصالح تغلب على مفاسده- لئلا يقع ظلم قليل لو قبل الناس منه تضاعف الظلم والفساد عليهم، فهو بمنزلة من كانوا في طريق، وخرج عليهم قطاع الطريق، فإن لم يرضوهم ببعض المال أخذوا أموالهم وقتلوهم، فمن قال لتلك القافلة :لا يحل لكم أن تعطوا لهؤلاء شيء من الأموال التي معكم للناس، فإنه يقصد بهذا حفظ ذلك القليل الذي ينهي عن دفعه، ولكن لو عملوا بما قال لهم ذهب القليل والكثير وسلبوا مع ذلك، فهذا مما لا يشير به عاقل، فضلا أن تأتي به الشرائع، فإن الله تعالى بعث الرسل لتحصيل المصالح،وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان". فالحق والعدل المجرد هو أن لا يعطو قاطع طريق من مالهم، ولكن المسألة ليست بهذه الصورة، وإنما في مدى نفع هذا الحق والعدل لأهله، فإن ذهاب كل ما لهم ليس هو أيضا حق أو عدل؟!

وهنا فإن الحديث عن التنازلات وإنكارها من قبل من لا يفقهون حقيقة السياسة الشرعية ومقاصدها جعل من كثير من الجماعات والقوى الإسلامية تصر على حق أو عدل لا هي التي تحصل عليه كله بقدرتها ولا هي التي تحفظ على بعضها بمواقفها.. والله المستعان. ومن أراد الفهم فليعد النظر مرارا وتكرارا في صلح الحديبية في ضوء الفقه والسياسة الشرعية والتحليل المنطقي للحدث ومحيطه الظرفي وعلى الخلفية التاريخية له وما قد تؤول الأمور إليه في ضوء الاحتمالات الأخرى التي كانت ممكنة لكنها لم تكن لتحقق ذات المصالح التي حققها صلح الحديبية رغم اعتراض الصحابة –رضوان الله عليهم جميعا- عليه.

 


[1]  يقول ابن القيم –في كتاب أحكام أهل الذمة: "ما في هذه الصحيفة وبين أنه عاهد جميع اليهود وهذا مما لا يعلم فيه نزاع بين أهل العلم بسيرة النبي، ومن تأمل الأحاديث المأثورة والسيرة كيف كانت معهم علم ذلك ضرورة"، وأضاف: "وهذه الصحيفة معروفة عند أهل العلم".