عالم السياسة هو عالم من التشابك والتعقيدات، كونه ميدان تقاطع وساحة صراع، فهو يتصف غالبا بالحركة والتقلب والتغير. ومن يخالط عالم السياسة يشعر بهذه المسألة، خلافاً لؤلئك البعيدين عنه، مشتغلين ببيئات تابعة، يسودها غالبا السكون والهدوء والثبات النسبي.

وحيث أننا تناولنا في حلقات سابقة الانحرافات والتحديات السياسية التي تواجه المصلحين اليوم، وطبيعة البيئات المعاصرة واختلافها عن العصور السابقة، فإننا اليوم نبني على ما سبق أن المصلحين في معالجاتهم ومواقفهم للأمور يواجهون خيارات صعبة، فهم بين بدائل (أحلاها مرٌّ)! فلم تعد الخيارات التي يأملون فيها متاحة بدون تكاليف وتبعات ضخمة. وهذا من ابتلاء الله تعالى لأهل هذا الزمان من المصلحين، حيث بات الإسلام غريبا، وأصبح المعروف منكرا والمنكر معروفا، والصادق مكذبا والكاذب مصدقا، والأمين مخونا والخائن مؤتمنا، ونقضت عرى الدين وذهبت سننه، وعدنا من حيث بدأ سلفنا.

لذلك جاء عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم: (ائتَمِرُوا بِالمَعرُوفِ وَتَنَاهَوا عَنِ المُنكَرِ، حتَّى إِذَا رَأَيتَ شُحًّا مُطَاعاً وَهَوًى مُتَّبَعاً وَدُنيَا مُؤثَرَةً وَإِعجَابَ كُلِّ ذِى رَأيٍ بِرَأيِهِ فَعَلَيكَ بِخَاصَّةِ نَفسِكَ وَدَع عَنكَ العَوَام؛ فَإِنَّ مِن وَرَائِكُم أَيَّاماً الصَّبرُ فِيهِنَّ مِثلُ القَبضِ عَلَى الجَمرِ، لِلعَامِلِ فِيهِنَّ مِثلُ أَجرِ خَمسِينَ رَجُلاً يَعمَلُونَ مِثلَ عَمَلِكُم)، فقال صحابته: يا رسول الله أجر خمسين منهم؟! قال: (أَجرُ خَمسِينَ مِنكُم)[1].

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله: "فلما طال الزمان خفي على كثير من الناس ما كان ظاهرا لهم، ودق على كثير من الناس ما كان جليا لهم، فكثر من المتأخرين مخالفة الكتاب والسنة ما لم يكن مثل هذا في السلف، وإن كانوا مع هذا مجتهدين معذورين يغفر الله لهم خطاياهم ويثيبهم على اجتهادهم. وقد يكون لهم من الحسنات ما يكون للعامل منهم أجر خمسين رجلا يعملها في ذلك الزمان، لأنهم كانوا يجدون من يعينهم على ذلك، وهؤلاء المتأخرون لم يجدوا من يعينهم على ذلك. لكن تضعيف الأجر لهم في أمور لم يُضَعَّف للصحابة فيها لا يلزم أن يكونوا أفضل من الصحابة، ولا يكون فاضلهم كفاضل الصحابة، فإن الذي سبق إليه الصحابة من الإيمان والجهاد ومعاداة أهل الأرض في موالاة الرسول وتصديقه وطاعته فيما يخبر به ويوجبه قبل أن تنتشر دعوته وتظهر كلمته وتكثر أعوانه وأنصاره وتنتشر دلائل نبوته، بل مع قلة المؤمنين وكثرة الكافرين والمنافقين، وإنفاق المؤمنين أموالهم في سبيل الله ابتغاء وجهه في مثل تلك الحال أمر ما بقي يحصل مثله لأحد، كما في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم: (لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه)، وقد استفاضت النصوص الصحيحة عنه أنه قال صلى الله عليه وسلم: (خير القرون قرني الذين بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)، فجملة القرن الأول أفضل من القرن الثاني، والثاني أفضل من الثالث، والثالث أفضل من الرابع، لكن قد يكون في الرابع من هو أفضل من بعض الثالث، وكذلك في الثالث مع الثاني"[2].

ومن ثمَّ فإن الذي يقوم بواجبات الدين ومقتضياته في زمن العسر والخيارات الصعبة ينال من الأجر أضعاف ما يناله من يقوم بها في الوضع الطبيعي الذي يكون فيه الدين متمكنا وأهله أعزاء والبدائل متاحة. لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) وفي رواية: (إمام جبار)، و (سيد الشهداء حمزة بن عبدالمطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله). فهذه المواطن مواطن عسرة لا يلجأ الإنسان إليها إلا وقد ضاقت به بقية الخيارات فلم يبق إلا أن يعرض نفسه لأمر هو مظنة الهلكة، وربما –مع ذلك- يؤثر تأثيرا حسنا وربما لا يؤثر بل ربما ينعكس تأثيره سلبا.. وهو في ذلك مجتهد مأجور.

والتجديد في الدين والإصلاح في الأمة هو من هذه الواجبات التي تمثل تحديا أيضا، في ضوء بعد الأمد عن زمن النبوة وكثرة الخلافات والانحرافات وقلة الناصر.. (طُوبَى لِلغُرَبَاءِ)، قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: (أُنَاسٌ صَالِحُونَ قَلِيلٌ فِي نَاسِ سَوءٍ كَثِيرٍ, مَن يَعصِيهِم أَكثَرُ مِمَّن يُطِيعُهُم). وهؤلاء القلة هم الذين بشر بهم الرسول بقوله: (أمتي كالغيث لا يدرى أوله خير أم آخره). فـ"الغريب في آخر الإسلام كالغريب في أوله وبالعكس، لقوله عليه الصلاة والسلام: (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء من أمتي)، يريد المنفردين عن أهل زمانهم"[3].

ولا يمكن الإصلاح ولا التجديد بعيداً عن دائرة السياسة التي هي موقع التوجيه وصناعة الشعوب. فإن المصلح والمجدد لا يسعه أن يصلح أو يجدد في دين الناس وحياة المجتمع دون أن يتعرض للسياسة أو أن تتعرض له السياسة. ولذلك فإن موسى –عليه الصلاة والسلام- لمـَّا دعا قومه في ظل حكم فرعون، مع ما كان قد ظهر من قتل فرعون لكل من آمن بموسى، حيث قتل امرأته وماشطة ابنته وسحرته وهم القريبون منه والمقربون إليه، كانت دائرة الإيمان به ضيقة في بني إسرائيل نتيجة طبيعة الظرف المحيط بهم.. قال تعالى: {فَمَا آَمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ، وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ، فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}[4].

فقد قال بعض المفسرين –وفي مقدمتهم ابن عباس- بأن الآية تدل على أن القليل من قوم موسى هم من آمن به في مصر، وهو ما عبر القرآن الكريم عنه بالذرية. وذلك نظرا لطبيعة خوفهم من فرعون الذي كان متجبراً مجرماً باغياً عاتياً متعدياً؛ وعلى تخوف من أشراف قومهم[5]. يقول محمد رشيد رضا –عند تفسيره لهذه الآية في المنار: "أي آمنوا على خوف من فرعون وملئهم، أي أشراف قومهم الجبناء المرائين الذين هم عرفاؤهم عند فرعون فيما يطلب هو منهم، فإن الملوك يستذلون الشعوب ويستعبدونهم برؤساء وعرفاء منهم".

ولهذا، ولأن الإيمان لا يمكن أن ينموا في بيئة الخوف والاستبداد، كان من مهمة موسى وهارون –عليهما الصلاة والسلام- إخراج بني إسرائيل في حال تكذيب فرعون وكفره من مصر: {فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى}[6]؛ فقد شرع الله الهجرة للمؤمنين طلبا للأمن الذي يتمتعون فيه بممارسة شعائرهم وتأدية عباداتهم والقيام على مصالحهم، فقد هاجر أصحاب الرسول –صلى الله عليه وسلم- إلى الحبشة، أسوة بإبراهيم –عليه الصلاة والسلام- الذي هاجر للشام ثم مصر، طلبا للأمان، رغم كونهما كانتا دار جاهلية وملك جاهلي.

فهذه سنة اجتماعية، فإنه لا إيمان ولا حياة مع الاستبداد والظلم والفساد، يقول تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا، إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا، فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا، وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}[7]، فالهجرة هدفها الأمن والعيش الكريم طالما أن المسلم لم يتمكن من ممارسة دينه ولم يسلم في دنياه. قال تعالى: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ}[8]، فالهجرة قرينة الفتنة، بل غالبا ما يصلها الله تعالى بإخراج الكافرين للمؤمنين من أرضهم[9].

خيارات أمة!

وإن خيار الفرد لنفسه أو لخاصته ليس كخياره لجماعة من الناس، فما يصلح لفرد أو أفراد معدودين قد لا يصلح لشعب كامل أو أمة كاملة بمختلف طوائفها وأطيافها. فالفتيا لكافة الناس بأن يهاجروا من بلد الفتنة قد لا يتسنى لهم جميعا في جميع الأحوال، لذلك فعلى المفتي أن يقدر حال الجميع وألا يكلفهم ما لا يطيقون. خاصة إذا كانت البدائل المناسبة غير متاحة.

وهنا استشهد بفتوى شيخ الإسلام ابن تيمية في أهل ماردين، وهي بلدة احتلها التتار في زمن ضعف المسلمين وتكالب الأعداء عليهم، وغياب البيئة الآمنة التي يمكن لأهل الإسلام النزوح إليها؛ حيث سُئِلَ –رحمه الله: عن بلدة ‏"‏ماردين‏"‏ هل هي بلد حرب أم بلد سلم‏؟‏ وهل يجب على المسلم المقيم بها الهجرة إلى بلاد الإسلام أم لا‏؟‏ وإذا وجبت عليه الهجرة ولم يهاجر، وساعد أعداء المسلمين بنفسه أو ماله، هل يأثم في ذلك‏؟‏ وهل يأثم من رماه بالنفاق وسبه به أم لا‏؟‏ فأجاب‏:  بأن "المقيم بها إن كان عاجزًا عن إقامة دينه، وجبت الهجرة عليه‏.‏ وإلا استحبت ولم تجب‏.  ومساعدتهم لعدو المسلمين بالأنفس والأموال محرمة عليهم، ويجب عليهم الامتناع من ذلك، بأي طريق أمكنهم، من تغيب، أو تعريض، أو مصانعة‏،‏ فإذا لم يمكن إلا بالهجرة، تعينت‏"، ثم قال: "وأما كونها دار حرب أو سلم، فهي مركبة‏:‏ فيها المعنيان، ليست بمنزلة دار السلم التي تجري عليها أحكام الإسلام، لكون جندها مسلمين‏.، ولا بمنزلة دار الحرب التي أهلها كفار، بل هي قسم ثالث يعامل المسلم فيها بما يستحقه، ويعامل الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحقه‏"[10].

و"ما قرره [ابن تيمية] في هذه الفتوى من جواز الإقامة في البلد الذي تغلَّبَ عليه الكفار إذا تمكن المسلمون من إقامة دينهم، قد شاركه فيه غير واحد من أهل العلم، ففي فتاوى شهاب الدين الرملي: سئل عن المسلمين الساكنين في وطن من الأوطان الأندلسية يسمى أرغون وهم تحت ذمة السلطان النصراني، يأخذ منهم خراج الأرض بقدر ما يصيبونه فيها، ولم يتَعدّ عليهم بظلم غير ذلك لا في الأموال ولا في الأنفس، ولهم جوامع يصلون فيها ويصومون رمضان ويتصدقون ويفكّون الأسارى من أيدي النصارى إذا حلّوا بأيديهم، ويقيمون حدود الإسلام جهراً كما ينبغي ويُظهِرون قواعد الشريعة عياناً كما يجب، ولا يتعرض لهم النصارى في شيء من أفعالهم الدينية ويَدْعون في خطبهم لسلاطين المسلمين من غير تعيين شخص، ويطلبون من الله نصرهم وهلاك أعدائهم الكفار، وهم مع ذلك يخافون أن يكونوا عاصين بإقامتهم ببلاد الكفر. فهل تجب عليهم الهجرة، وهم على هذه الحال من إظهار الدين، نظراً إلى أنهم ليسوا على أمان أن يكلفوهم الارتداد والعياذ بالله تعالى، أو على إجراء أحكامهم عليهم، أو لا تجب نــظراً إلى ما هــم فيه من الحال المذكور؟

فأجاب: لا تجب الهجرة على هؤلاء المسلمين من وطنهم لقدرتهم على إظهار دينهم به، ولأنه صلى الله عليه وسلم بعث عثمان يوم الحديبية إلى مكة لقدرته على إظهار دينه بها، بل لا تجوز لهم الهجرة منه، لأنه يرجى بإقامتهم به إسلام غيرهم، ولأنه دار إسلام فلو هاجروا منه صار دار حرب، وفيما ذكر في السؤال من إظهارهم أحكام الشريعة المطهرة وعدم تعرض الكفار لهم بسببها على تطاول السنين الكثيرة ما يفيد الظن الغالب بأنهم آمنون منهم من إكراههم على الارتداد عن الإسلام أو على إجراء أحكام الكفر عليهم. انتهى.

وفي فتاوى أبي القاسم السمرقندي: قال العبد: هذه البلية الواقعة في زماننا باستيلاء الكفار على بعض ممالك الإسلام لا بد فيها من تعريف الأحكام، أما البلاد التي في أيديهم فلا شك أنها بلادُ الإسلام لا بلادُ الحرب، لأنها غيرُ متاخِمةٍ لبلاد الحرب، ولأنهم لم يُظهروا فيها حكم الكفر بل القضاة مسلمون، ومن قال منهم أنا مسلم أو يَشهد بالكلمتين يُحكم بإسلامه، ومن وافقهم من المسلمين فهو فاسق غير مرتد ولا كافر وتسميتهم مرتدين من أكبر الكبائر، لأنه تنفير عن الإسلام وتقليل لسواده وإغراء على الكفر، وكفى بذلك حجةً إجراءُ أحكام الإسلام من صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم على المنافقين مع الوحي الناطق بنفاقهم. والملوك الذين يطيعونهم عن ضرورة مسلمون، وإن كان عن غير ضرورة فكذلك وهم فساق. انتهى. ومثلها فتوى الإمام المازري المالكي رحمه الله"[11].

فهذه الفتاوى وغيرها مما ظهرت في زمن الاستضعاف من علماء أجلاء وأئمة مجتهدون كانت استيعابا للحال الذي آلت إليه الأمة، والظروف التي تبدلت وتغيرت حتى أصبح المسلمون غرضا لأعداء الله في الشرق والغرب مع غياب لدولة الإسلامية الجامعة المانعة والمدد الإسلامي.

والفتوى في القضايا السياسية هي فتوى في مسائل عامة، تتعلق بكل من يعنيهم الأمر سلبا وإيجابا، والداخلين في الخطاب وغير الداخلين فيه؛ خاصة في زماننا هذا. فإن ما يفتي به بعض العلماء ظنا منهم أنهم بذلك إنما يخاطبون جمهورهم ويوجهون أتباعهم غير أبهين بردود الفعل وتقاطع الأمور ومآلات الفتيا يُعدُّ مخالفة شرعية لمبادئ السياسة الشرعية والحكمة في الخطاب الذي أمر الله به.

فمدار جميع الطاعات هو قيام مقتضياتها، وتوفر شروطها، وانتفاء موانعها، والتمكن من وسائلها، والتيقن من صلاح مآلاتها. وأيما طاعة أو تكليف سقطت عنه أي من هذه المعاني لم يكن معتبرا شرعا، وعليه فلا يؤاخذ المقصر فيه إن كان فعلا، أو المستطيل عليه إن كان تركا، ولا يؤثم ولا يذم. وهذا أمر معلوم أيضا من الدين بالضرورة، ومعلوم من كلام وقواعد السلف في كثير من أقوالهم ومؤلفاتهم، خاصة بعد ما وقع في الأمة من الخلاف في الأصول والفروع، والمسائل العملية والعلمية، بشكل يعجز الطالب عن إدراكه فضلا عن العوام.

إذا ساء الزمان قلت خيارات المحسنين:

وكلما كان البعد عن عهد النبوة أكبر كان ذلك أرعى، ولذلك فإن كثيرا من أحاديث الرسول –عليه الصلاة والسلام- تشير إلى ما سوف يلحق بالأمة من الفساد الذي يصبح معه أهل الصلاح والإصلاح غرباء في الناس، حتى أن الأمر ليبلغ مبلغا عظيما لا يستطاع فيه -مثلا- الإنكار الكامل. قال صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده.. لا تفنى هذه الأمة حتى يقوم الرجل على المرأة فيفترشها في الطريق، فيكون خيارهم يومئذ من يقول: لو واريتها خلف هذا الحائط)[12]. وهذا الأمر يأتي في ظل اندراس الدين وانطماس معالمه وذهاب العلماء الأصلح فالأصلح، وكثرة الخبث، وتزعم الفاسدين المفسدين لحياة الناس.

والإسلام يتعامل مع كل حال تصل إليه البشرية بمقتضى وظروف تلك الحال، وفي ضوء سنن الله وأقداره الكونية والاجتماعية. روى حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه عن الرسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب، حتى لا يدري ما صيام ولا صدقة ولا نسك، ويسري على كتاب الله في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية، ويبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة لا إله إلا الله فنحن نقولها!)، قال صلة بن زفر –وهو الراوي لحذيفة: فما تغني عنهم لا إله إلا الله، وهم لا يدرون ما صيام ولا صدقة ولا نسك؟! فأعرض عنه حذيفة، فرددها عليه ثلاثا كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة فقال: "يا صلة تنجيهم من النار".[13]

لذلك قال ابن تيمية -رحمه الله: "إنَّ الأمكنة التي تفتر فيها النُّبوَّة لا يكون حكمُ من خَفِيت عليه آثار النبوة حتى أنكر ما جاءت به خطأً كما يكون حكمه في الأمكنة والأزمنة التي ظهرت فيها آثار النبوة"[14]. ويقول أيضا: "وكثيرٌ من الناس قد ينشأ في الأمكنة والأزمنة التي يَنْدَرِسُ فيها كثيرٌ من علوم النُّبوَّات حتى لا يبقى من يبلِّغ ما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة، فلا يعلم كثيرًا ممَّا يبعث الله به رسوله ولا يكون هناك من يبلِّغه ذلك، ومثل هذا لا يكفر، ولهذا اتفق الأئمَّة على أنَّ من نشأ بباديةٍ بعيدةٍ عن أهل العلم والإيمان، وكان حديثَ العهد بالإسلام فأنكر شيئًا من هذه الأحكام الظاهرة المتواترة فإنه لا يحكم بكفره حتى يعرف ما جاء به الرسول، ولهذا جاء في الحديث: (يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لاَ يَعْرِفُونَ فِيهِ صَلاَةً وَلاَ زَكَاةً وَلاَ صَوْمًا وَلاَ حَجًّا إِلاَّ الشَّيْخَ الكَبِيرَ وَالعَجُوزَ الكَبِيرَةَ، يَقُولُونَ: أَدْرَكْنَا آبَاءَنَا وَهُمْ يَقُولُونَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَهُمْ لاَ يَدْرُونَ صَلاَةً وَلاَ زَكَاةً وَلاَ حَجًّا، فَقَالَ: وَلاَ صَوْمٌ يُنْجِيهِمْ مِنَ النَّارِ)[15]".[16]

ومع انتشار الفساد وكثرة الفتن وتنازع الآراء واختلاف المذاهب وتراجع الصلاح وأهله، وإقصائهم عن مواقع التأثير، وضعف حيلتهم وقلة ناصرهم، يصبح من المتعذر بيان الحق جليا، ووضوح السنة وبروزها، ويكون من الضروري جداً على حملة الدين المجددين المصلحين إعادة أولوياتهم لحاقا بعجلة الفساد أن تزيد سرعتها ويتعاظم انحرافها، موحدين فقههم للمسائل بحيث لا يطعن بعضهم في اجتهادات بعض. ومبنى هذه القضية كما يقول ابن القيم –رحمه الله تعالى- تحت عنوان (تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد): "هذا فصل عظيم النفع جداً، وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة، أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به، فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحِكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها"[17].

فأساس مبنى صلاح الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان وأمة إنما هو استيعابها لأحوال الناس وما يستجد ويتغير فيها من ظروف ومعاني لم تكن قائمة. ولولا ذلك، ولو أن الشريعة قصرت الناس في خطابها على أحسن أحوالهم لسقط شأنها مع القرن الأول الذي دخل معه في أحوال المسلمين ما لم تخطئه أعين الصحابة –رضوان الله عليهم- وهم يعايشون التحولات التي باتت في الأمة، في عقائدها وعباداتها وأخلاقها وسياساتها وحياتها العامة.

فإن الله تعالى أعلم بعباده، وأعرف بما يكون منهم، وقد وسع كل شيء رحمة وعلما، وهذا الوصف لازم لشريعته بالضرورة، فإنه لا معنى لأن يتصف الله بسعة العلم والرحمة دون خطابه وتكليفه –سبحانه حاشاه؛ بل إن خطابه وتكليفه علم كله ورحمة كله وحكمة كله. وما وقع على الناس من حرج أو ضيق يفوت عليهم مصالحهم الدينية والدنيوية إلا من قبيل أنفسهم والله ورسوله بريئان من ذلك.

والعبرة في هذا الشأن لأهل العلم المجتهدين، القادرين على فهم الشريعة فهما شاملا وكاملا، وفقهها فقها دقيقا وعميقا؛ والذين وهبوا من سماحة النفس ورشد العقل ما يجعل توقيعهم عن رب العالمين توقيعا صحيحا يرضى الله عنه ويثيبهم عليه، وتظهر ثمرته إن لم يكن في الجيل الذي عاشوا فيه قدوة وقادة فلا أقل من الأجيال التي تليهم، لأن من شأن ثمرتهم أن تكون مباركة عميمة النفع، لأنها من مشكاة النبوة ومن هدي الرسالة. لذلك أثنى الرسول –صلى الله عليه وسلم- على (الخلفاء الراشدين المهديين من بعده)، وهو لم يخصص أسمائهم، فكل من شهدت له الأمة بهذا الوصف: الرشد، والهداية، كان أهل استحقاق لها. أكان من الأربعة المجزوم بدخولهم في هذا الوصف ابتداء، أو غيرهم، كمعاوية وعمر بن عبدالعزيز وهارون الرشيد وصلاح الدين الأيوبي، بل وكل من تولى ولاية صغير أو كبيرة وسار فيها بسير الرسول –صلى الله عليه وسلم- وصحابته من بعده، فإنه خلف لهم في تلك الولاية.

وينبغي التأكيد هنا على جملة من المعاني التي تمثل أرضية للموضوع، فهي مقدمات منطقية يناسب سردها في هذا المقام، ومنها:

أولاً: أن الله تعالى ميز بين البشر جميعا:

فهناك المؤمن والكافر، والطيع والعاصي، وطالب الهدى المسترشد، والمضل الغوي؛ والمؤمنون أصناف: فالسابق بالخيرات والمقتصد والظالم لنفسه، والطيع درجات، كما أن الكفار أصناف: فمنهم الملحد، ومنهم المشرك، ومنهم الذي أخذ من الإيمان وترك. وميز الله في الكفار أخلاقهم: فمنهم الأمين ومنهم الخائن، ومنهم الصادق ومنهم الكاذب، ومنهم الفاجر في خصومته ومنهم من يؤمل في هدايته؛ كما ميز في المؤمنين أخلاقهم: فمنهم الصادق بوعده، ومنهم الخائن، ومنهم المطفف.. ومنهم ومنهم.

ولو استطردنا في تمييز الله لعباده وفقا لمقاييس الإيمان أو مقاييس الخُلق أو مقاييس العلم والسلوك لما أسعف المقام. والمقصود أن هذا التمييز في تصنيف الناس مبناه على استيعاب صنوفهم بالخطاب والبلاغ والتعامل، فليس الناس جملة واحدة في نظر الشرع حتى يُحملون على خطاب واحد أو كيفية واحدة من التكليف.

ثانياً: أن الله تعالى ميز أحوال الناس أنفسهم بين ظرف وآخر:

فميز في أحوال المؤمنين قبل الهجرة وبعدها،وبين أحوال المنافقين بين فترة وأخرى، وأحوال الكفار بين بدء الدعوة وختامها. كما ميز بين حال سحرة فرعون قبل الإيمان وبعده، وحال بني إسرائيل قبل بعثة موسى –عليه الصلاة والسلام- وبعدها. وميز تعالى بين أحوال بلوغ الإنسان من الطفولة حتى الرشد، وبين أحوال النساء في النكاح، وهكذا.

وهذا التمييز في الأحوال للفرد وللجماعة، ووصف كل مقام بما يناسبه من الأوصاف، مغزاه أيضا على تباين الخطاب في حال عن حال، والتكليف أيضا، والتعامل. وهذا أوضح من أن يستدل عليه.

ثالثاً: أن الله تعالى لم يعتبر الإيمان درجة واحدة ولا المعصية ولا البدعة ولا الظلم ولا الكفر:

فإن الإيمان عند أهل السنة والجماعة، وهو الصحيح في التصور الإسلامي، يزيد وينقص، كما يتفاضل أهله فيه. واعتبار الإيمان كتلة واحدة يزول بزوال بعضه ويعم ببقاء أجزاءه جرَّ على المسلمين عبر التاريخ نماذج متطرفة من الأحكام والمواقف والتعامل مع الخلق. فظهر الخوارج القائلين بالتكفير بالكبيرة، وتبعهم من ذهب مسلكهم من كفر بعموم المعاصي. وظهر المرجئة الذين جعلوا إيمان فرعون كإيمان موسى معنى واحدا، فخلطوا الإيمان بالكفر والمعصية حتى زينت للناس فتلبسوا بها. وظهر القائلين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الخارجين على كل إمام ظالم أيا كان ظلمه ليمزقوا الأمة تحت رايات كانت هي الأخرى مصابة بلوثة الظلم والبغي، فأداروا عجلة الصراعات السياسية بين الطامحين للسلطة وكانوا سلما لهم.

وهذا التقرير لزيادة الإيمان ونقصانه لاعتبار الخطاب الذي يجب أن يوجه للمرء في كل حالة، والتكليف الذي يجب عليه، وأسلوب التعامل الأولى في حقه. فليس هجر الرسول –صلى الله عليه وسلم- للثلاثة الذين خلفوا كهجره لبقية المنافقين، وليس هجره لظاهري النفاق كهجره لمن تخفى به. وسيرة الرسول –صلى الله عليه وسلم- تنبئ عن اعتبار حالة المرء مع الإيمان في كثير من القضايا، استنادا إلى مبدأ القبول من كل امرئ بقدر طاقته وحسب وسعه الذي نصت عليه الشريعة. فلم يكلف أتباعه من الإيمان والعمل ما خاطب به بعضهم، بل لم يذمهم على التقصير عن ما جاء به السابقون منهم كأبي بكر وعمر.

رابعاً: أن الله تعالى لم يعتبر الزمان زمانا واحدا:

بل ميز سبحانه وتعالى بين زمان وزمان، اعتبارا لحال نمو البشرية وتطورها. لذلك اختلفت الشرائع في تفاصيل أصولها الكلية. وكان لكل شريعة تدرج في البيان والخطاب يناسب قرب أو بعد العهد برسالة سابقة أو أثارة من علم سابق. ولذلك فإن الصحيح في شأن أهل الفترة أنهم إن أقاموا على أصول الديانة من التوحيد والتصديق بالرسالة والبعث والجزاء كانوا من أهل الجنة، ومن تلبس منهم بشيء لم تقم له فيه بينة فتن في عرصات يوم القيامة وكان تحت المشيئة، ومن تلبس بأمر كانت له فيه بينة من أثرة من علم صحيح ظاهر كان من أهل النار.. والله أعلم.

وهذا الاعتبار للزمان في حال النبوة وبعدها، ولذلك جاءت الأخبار بأنه ما يقع من بعد النبوة من الانحرافات أمر سنني لا تخلو منه أمة من الأمم. وهو ما أطلق عليه في القرآن "طول الأمد"، حيث ينشأ في الأمة من لا يعرف حقيقة الجاهلية وفضل الإسلام وكيف نشأ هذا الدين حتى تمكن في الناس. وقد شهد الرسول –صلى الله عليه وسلم- بأفضلية زمانه ثمَّ الذي يليه، ثمَّ الذي يليه، وهكذا. وأخبر أيضا بأنه لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه.

فقياس الناس أو أحوالهم على زمان واحد تكلف في غير محله، لا يوافق شرعا منزلا ولا سنة متبعة ولا عرفا كونيا وعادة تاريخية.

استيعاب الشريعة للخيارات المتاحة وإن كانت مخالفة لها:

وإذا قررنا هذه المقدمات تقرر أن الشريعة وإن كانت مفرداتها وتفاصيلها وأحكامها وأخبارها صالحة من حيث هي في المطلق النظري، إلا أن تطبيقها في الناس بلاغا أو إعمالا أو مطالبة يخضع في صلاحيته لتلك الاعتبارات. فليس كل خبر صالح للبلاغ في أي ظرف ولأي شخص، وليس كل واجب تجب إقامته في كل وقت وعلى كل أحد، وليس كل أمر أو نهي يجب ممارسته في أي زمان وأي مجتمع. ومن فهم خلاف ذلك وتكلف ما لم تتكلفه الشريعة فسد وأفسد، وهلك وأهلك، وكان ما يأتيه باسم الشريعة قضاءا على أنوارها وطمسا للهدي الإلهي القائم على تزيين الإيمان وتكريه الكفر والفسوق والعصيان. قال تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ}[18].

وهدي الأنبياء –عليهم الصلاة والسلام- في ذلك أكمل الهدي وأكمله، وفي مقدمتهم محمد –عليه الصلاة والسلام.

من هنا تنشأ الخيارات الصعبة على المصلحين إذا لم يكن لهم بد في أن يختاروا إلا بين شرين، أو مفسدتين، أو منكرين، أو ظلمين! وهذا الاختيار يعني قبول وجود هذا الشر (أو المنكر أو الفساد أو الظلم) وقيامه بل وتمكنه أحيانا، لا بل نصرته عند الضرورة! وإنكار المنكر عليه! لا لشيء سوى لأن البديل عنه ليس هو الخير، أو المصلحة، أو المعروف، أو العدل، بل ما هو أسوء منه اعتبارا في الشرع وفي العقل.

وهذه القضية منشأها من أمر مسلم به، وهو أن كثيرا من أحوال الناس وعوائدهم وشئونهم ترتبط ببعضها البعض، وتتأثر ببعضها البعض، بحيث أنه يصعب في أحيان كثيرة فصل أمر منها عن لوازم تلحقه إما بفعل الطبع أو العادة أو العرف أو السنن. وفى صحيح البخاري أن معاذ بن جبل –رضي الله عنه- كان رديف الرسول –صلى الله عليه وسلم- فقال له: (يا معاذ تدرى ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟)، فقال معاذ: الله ورسوله أعلم! قال: (فإن حق الله على العباد أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله ألَّا يعذب من لا يشرك به شيئا)، فقال معاذ –وهو الحريص على نشر العلم وتبشير المسلمين: يا رسول الله أفلا أبشر الناس؟ فقال له عليه الصلاة والسلام: (لا تبشرهم فيتكلوا). ونحو هذا الحديث ما جاء في مسلم عن أبي هريرة –رضي الله عنه- أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال له: (فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله، مستيقنا بها قلبه، فبشره بالجنة)، فكان أول من لقيه عمر بن الخطاب. وفيه أن عمر بن الخطاب نهى أبو هريرة عمَّا أمره به الرسول من البلاغ، حتى أنه ضرب بيده بين ثديي أبي هريرة  حتى خرَّ صريعا في الأرض، وأمره بالرجوع إلى الرسول، فرجع إليه وهو مجهش بالبكاء. وفيه أن عمر قال للنبي –عليه الصلاة والسلام- وهو يشرح موقفه: "يا رسول الله.. بأبي أنت وأمي. أبعثت أبا هريرة بنعليك، من لقي يشهد ألَّا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه بشره بالجنة؟"، فقال له الرسول: (نعم)، قال: "فلا تفعل، فإني أخشى أن يتكل الناس عليها، فخلهم يعملون". فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأبي هريرة: (فخلهم)!

فإن لازم إخبار الناس -وغالبهم يركنون إلى الأماني- أنهم إذا أخبروا بهذه الأخبار والبشارات أضاعوا الأسباب وفرطوا فيها، فضيعوا ما كان مقصودا من هذه البشارات من زيادة الإيمان وغرس حسن الظن بالله، لأن من ساءت أفعاله ساء ظنه بربه. فلما كان في الأمر قدرا من التلازم الذي لا يفوت على صاحب بصيرة بحال الناس مع الإيمان والأماني نهي معاذ عن الإبلاغ، ورضي الرسول الكريم باعتراض عمر على أمر واجب من رسول الله.

والأمر في جلب المصالح العظمى بتفويت أدناها أو باحتمال شيء من المفاسد الأقل معها لا يجهله كثير من العقلاء ولا يستنكرونه. لذلك لما خاطب الله تعالى المؤمنين في شأن الجهاد حرك فيهم هذا المعنى الكائن في عقولهم، فقال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}[19]. فلما كان في القتال منافع لهم من العزة والتمكين، واصطفاء الشهداء ونيل الدرجات العالية في الجنة، وكبت عدوهم ورد عدوانه، والغنيمة، استحثهم بظاهرها  كما قص عليهم في سورة البقرة، وإن كان في القتال شيء من إزهاق الأنفس. وطبيعة الإنسان أن يحصل على مصالحه كاملة أو قريبا من ذلك، فالحرص دائما قرينه، وإن لم يوفق في الأمر عينه.

غير أن الإشكال في قبول المفسدة لتفويت ما هو أعظم منها، أو تمسكا بما يقارنها من مصلحة عظمى تضيع بزوالها. فإنه أمر تتبلد عنده بعض العقول وتحار فيه بعض الألباب، نظرا لأن الفساد –في ذاته- غير محبوب في طبيعة الفطر السليمة والعقول النيرة. خاصة وأن كثيرا من الناس لا يستطيع أن يقيم العلاقة بين هذه الأمور بشكلها الصحيح، ويرى أن بمقدوره فعل هذا أو ترك ذاك دون لازم. وهذا ناشئ من قلة الخبرة وضعف الفقه وقصر النظر. ولذلك اعتذر بعض من اعتذر عن الجهاد خشية الفتنة التي قد تصيبه، فقال الله لهم: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا}[20]، فإن الفتنة التي اعتذروا بها لا تقابل مصالح الجهاد العظمى وما يترتب عليه من المنافع.

ولذلك تميز الناس في معرفتهم في الدين بين منزلتين العلم والفقه، قال صلى الله عليه وسلم: (نضّر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها ثمّ بلغها عني، فرُبَّ حاملِ فقْهٍ ليس بفقيه، ورُبَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه)[21]. فقد اعتبر مقالته -آية أو حديثا- ذات شقين نص وفقه، ثمَّ أوضح أن الأعلى مقصودا لدى الشارع هو الفقه الذي في النص وليس النص فقال: (فرُبَّ حاملِ فقْهٍ ليس بفقيه، ورُبَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه)؛ ولذلك دعا لعبدالله بن عباس –رضي الله عنهما- بقوله: (اللهم فقهه في الدين)[22]، وفي رواية: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل)[23].

وهذه المسألة قديمة، وقد أخذت حظها في كل زمان وفترة بحسب ما ظهر في ذلك الزمن وتلك الفترة من الحاجة. وهذا لا يعني أنها مسألة غائبة عن سيرة النبي –صلى الله عليه وسلم- في مكة والمدينة، وقبل الهجرة وبعدها، ومع أصحابه وخصومه وأعداءه. بل كل من تكلم فيها استشهد لها من وقائع السيرة ما حضره من الحجة والبرهان.

يقول ابن القيم -رحمه الله- في هذه المسألة: "النبي -صلى الله عليه وسلم- شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله، فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله فإنه لا يسوغ إنكاره، وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله؛ وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم، فإنه أساس كل شر وفتنة إلى آخر الدهر، وقد استأذن الصحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في قتال الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها وقالوا: أفلا نقاتلهم؟ فقال: (لا ما أقاموا الصلاة)، وقال: (من رأى من أميره ما يكرهه فليصبر ولا ينزعنَّ يداً من طاعته). ومن تأمل ما جرى على الإسلام في الفتن الكبار والصغار رآها من إضاعة هذا الأصل، وعدم الصبر على منكر، فطُلب إزالتُه، فتولد منه ما هو أكبر منه، فقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يرى بمكة أكبر المنكرات ولا يستطيع تغييرها، بل لما فتح الله مكة وصارت دار إسلام عزم على تغيير البيت ورده على قواعد إبراهيم، ومنعه من ذلك -مع قدرته عليه- خشيةَ وقوع ما هو أعظم منه من عدم احتمال قريش لذلك، لقرب عهدهم بالإسلام، وكونهم حديثي عهد بكفر؛ ولهذا لم يأذن في الإنكار على الأمراء باليد لما يترتب عليه من وقوع ما هو أعظم منه كما وجد سواء.

فإنكار المنكر أربع درجات: الأولى: أن يزول ويخلُفَه ضدُّه، الثانية: أن يقلّ وإن لم يزل بجملته، الثالثة: أن يخلُفَه ما هو مثله، الرابعة: أن يخلُفَه ما هو شرٌّ منه. فالدرجتان الأوليان مشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد، والرابعة محرمة.. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه ونوَّر ضريحه- يقول: مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر، فأنكر عليهم من كان معي، فأنكرت عليه وقلت له: إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس، وسبي الذرِّيَّة، وأخذ الأموال فدعهم"[24].

وإذن فالأمر والنهي ليس متعلق بالمعروف ذاته أو المنكر بعينه فحسب، بل له من المتعلقات ما يختص بالآمر والناهي ذاته، أو بنواياه ومقاصده، أو بقدرته وعجزه، أو بوسائله، أو بما يؤول الأمر إليه. وهنا يكثر لدى بعض أنصاف المتفقهين الحديث عن معارضة النص للمصلحة، ليردوا بذلك على خصومهم لددا، وما أبعدهم عن حقيقة الأمر. فإن هؤلاء لا يعون كون أن ما أمر الله به مصلحة في ذاته وبين كون أن الأمر به –فعلا أو تركا- قد يستلزم من الفساد ما يكون خارجا عن حقيقته ومتعلقا بأمر الخلق. كما أن الله تعالى هو خالق الخير والشر –سبحانه- لكن الشر ليس فعله بل هو متعلق العباد، ولذلك فإن قدر الله على عباده وإن كان ظاهره الشر إلا أنه نتاج أعمالهم لا محض إرادته للشر ابتداء –حاشاه سبحانه. ولذلك يقول ابن تيمية، في رسالته (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، ردا على هذا الصنف من الناس: "وهنا يغلط فريقان من الناس: فريق يترك ما يجب من الأمر والنهي تأويلاً لهذه الآية، كما قال أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- في خطبته: إنكم تقرؤون هذه الآية: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُم}[25]، وإنكم تضعونها في غير موضعها، وإني سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منها). والفريق الثاني: من يريد أن يأمر وينهى إما بلسانه وإما بيده مطلقاً، من غير فقه وحلم وصبر، ونظر فيما يصلح من ذلك وما لا يصلح، وما يقدر عليه وما لا يقدر، كما في حديث أبي ثعلبة الخشني: سألت عنها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحّاً مطاعاً وهوى متبعاً ودنياً مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه، ورأيت أمراً لا يدان لك به، فعليك بنفسك ودع عنك أمر العوام، فإن من ورائك أيام الصبر فيهن على مثل قبض على الجمر، للعامل فيهن كأجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله)، فيأتي بالأمر والنهي معتقداً أنه مطيع في ذلك لله ورسوله، وهو معتد في حدوده، كما انتصب كثير من أهل البدع والأهواء، كالخوارج والمعتزلة والرافضة.. وغيرهم، ممن غلط فيما أتاه من الأمر والنهي والجهاد على ذلك، وكان فساده أعظم من صلاحه. ولهذا أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالصبر على جور الأئمة، ونهى عن قتالهم ما أقاموا الصلاة، وقال: (أدوا إليهم حقوقهم، وسلوا الله حقوقكم)، وقد بسطنا القول في ذلك في غير هذا الموضع. ولهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة لزوم الجماعة، وترك قتال الأئمة، وترك القتال في الفتنة"؛ ثمَّ يقول: "وجماع ذلك داخل في القاعدة العامة: فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد والحسنات والسيئات أو تزاحمت، فإنه يجب ترجيح الراجح منها فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد، وتعارضت المصالح والمفاسد. فإن الأمر والنهي وإن كان متضمناً لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة فينظر في المعارض له، فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكن مأموراً به بل يكون محرماً إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته، لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة، فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها، وإلا اجتهد برأيه لمعرفة الأشباه والنظائر، وقل أن تعوز النصوص من يكون خبيراً بها وبدلالتها على الأحكام.

وعلى هذا إذا كان الشخص أو الطائفة جامعين بين معروف ومنكر بحيث لا يفرقون بينهما، بل إما أن يفعلوهما جميعاً أو يتركوهما جميعاً: لم يجز أن يؤمروا بمعروف ولا أن ينهوا عن منكر، بل ينظر: فإن كان المعروف أكثر أمر به، وإن استلزم ماهو دونه من المنكر. ولم ينه عن منكر يستلزم تفويت معروف أعظم منه، بل يكون النهي حينئذ من باب الصد عن سبيل الله والسعي في زوال طاعته وطاعة رسوله وزوال فعل الحسنات. وإن كان المنكر أغلب نهي عنه، وإن استلزم فوات ما هو دونه من المعروف، ويكون الأمر بذلك المعروف المستلزم للمنكر الزائد عليه أمراً بمنكر وسعياً في معصية الله ورسوله. وإن تكافأ المعروف والمنكر المتلازمان لم يؤمر بهما ولم ينه عنهما. فتارة يصلح الأمر، وتارة يصلح النهي، وتارة لا يصلح لا أمر ولا نهي، حيث كان المعروف والمنكر متلازمين.. وذلك في الأمور المعينة الواقعة. وأما من جهة النوع فيؤمر بالمعروف مطلقاً وينهى عن المنكر مطلقاً. وفي الفاعل الواحد والطائفة الواحدة يؤمر بمعروفها وينهى عن منكرها، ويحمد محمودها، ويذم مذمومها، بحيث لا يتضمن الأمر بمعروف فوات أكثر منه أو حصول منكر فوقه، ولا يتضمن النهي عن المنكر حصول أنكر منه أو فوات معروف أرجح منه. وإذا اشتبه الأمر استبان المؤمن حتى يتبين له الحق، فلا يقدم على الطاعة إلا بعلم ونية، وإذا تركها كان عاصياً، فترك الأمر الواجب معصية، وفعل ما نهي عنه من الأمر معصية. وهذا باب واسع، ولا حول ولا قوة إلا بالله"[26]؛ وقد استدل ابن تيمية على ذلك بشواهد مختلفة: "ومن هذا الباب إقرار النبي -صلى الله عليه وسلم- لعبدالله بن أُبي وأمثاله من أئمة النفاق والفجور لما لهم من أعوان، فإزالة منكره بنوع من عقابه مستلزم إزالة معروف أكثر من ذلك بغضب قومه وحميتهم، وبنفور الناس في قصة الإفك بما خاطبهم به واعتذر منه، وقال له سعد بن معاذ قوله الذي أحسن فيه، فحمي له سعد بن عبادة مع حسن إيمانه. وأصل هذا أن تكون محبة الإنسان للمعروف وبغضه للمنكر، وإرادته لهذا وكراهته لهذا، موافقة لحب الله وبغضه وإرادته وكراهته الشرعيين. وأن يكون فعله للمحبوب ودفعه للمكروه بحسب قوته وقدرته، فإن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، وقد قال: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم...}[27]. فأما حب القلب وبغضه وإرادته وكراهيته فينبغي أن تكون كاملة جازمة، لا يوجب نقص ذلك إلا نقص الإيمان. وأما فعل البدن فهو بحسب قدرته، ومتى كانت إرادة القلب وكراهته كاملة تامة وفعل العبد معها بحسب قدرته فإنه يعطى ثواب الفاعل الكامل، كما قد بيناه في غير هذا الموضع، فإن من الناس من يكون حبه وبغضه وإرادته وكراهته بحسب محبة نفسه وبغضها، لا بحسب محبة الله ورسوله وبغض الله ورسوله، وهذا من نوع الهوى، فإن اتبعه الإنسان فقد اتبع هواه: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ...}[28]"[29].

ثم يعالج ابن تيمية مذاهب بعض الصالحين ومسالكهم بقوله: "فتدبر هذا، فإن هذا مقام خطر، فإن الناس هنا ثلاثة أقسام: قسم يأمرون وينهون ويقاتلون طلباً لإزالة الفتنة -التي زعموا- ويكون فعلهم ذلك أعظم فتنة، كالمقتتلين في الفتنة الواقعة بين الأمة. وأقوام ينكلون عن الأمر والنهي والقتال الذي يكون به الدِّين كله لله وتكون كلمة الله هي العليا لئلا يفتنوا، وهم سقطوا في الفتنة، وهذه الفتنة المذكورة في سورة براءة، دخل فيها الافتتان بالصور الجميلة، فإنها سبب نزول الآية، وهذه حال كثير من المتدينين، يتركون ما يجب عليهم من أمر ونهي وجهاد يكون به الدين كله لله، وتكون كلمة الله هي العليا، لئلا يفتنوا بجنس الشهوات، وهم قد وقعوا في الفتنة التي هي أعظم مما زعموا أنهم فروا منه، وإنما الواجب عليهم القيام بالواجب وترك المحظور، وهما متلازمان، وإنما تركوا ذلك لكون نفوسهم لا تطاوعهم إلا على فعلهما جميعاً أو تركهما جميعاً: مثل كثير ممن يحب الرئاسة أو المال وشهوات الغي، فإنه إذا فعل ما وجب عليه من أمر ونهي وجهاد وإمارة ونحو ذلك فلابد أن يفعل شيئاً من المحظورات، فالواجب عليه أن ينظر أغلب الأمرين، فإن كان المأمور أعظم أجراً من ترك ذلك المحظور لم يترك ذلك لما يخاف أن يقترن به ما هو دونه في المفسدة؛ وإن كان ترك المحظور أعظم أجراً لم يفوت ذلك برجاء ثواب بفعل واجب يكون دون ذلك، فذلك يكون بما يجتمع له من الأمرين من الحسنات والسيئات، فهذا هذا، وتفصيل ذلك يطول. وكل بشر على وجه الأرض فلابد له من أمر ونهي، ولابد أن يأمر وينهى، حتى لو أنه وحده لكان يأمر نفسه وينهاها، إما بمعروف وإما بمنكر، كما قال تعالى: {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ..}[30]، فإن الأمر هو طلب الفعل وإرادته، والنهي طلب الترك وإرادته، ولابد لكل حي من إرادة وطلب في نفسه يقتضي بهما فعل غيره إذا أمكن ذلك، فإن الإنسان حي يتحرك بإرادته، وبنو آدم لا يعيشون إلا باجتماع بعضهم مع بعض، وإذا اجتمع اثنان فصاعداً فلابد أن يكون بينهما ائتمار بأمر وتناه عن أمر، ولهذا كان أقل الجماعة في الصلاة اثنين، كما قيل: الاثنان فما فوقهما جماعة، لكن لما كان ذلك اشتراكاً في مجرد الصلاة حصل باثنين أحدهما إمام والآخر مأموم، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لمالك بن الحويرث وصاحبه: (إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما، وليؤمكما أكبركما)، وكانا متقاربين في القراءة. وأما الأمور العادية ففي السنن أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: (لا يحل لثلاثة يكونون في سفر إلا أمروا عليهم أحدهم)"[31].

ويوضح ابن القيم –رحمه الله- هذا المعنى بمزيد من الجلاء فيقول: "إن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح بحسب الإمكان، وأن لا يفوت منها شيء، فإن أمكن تحصيلها كلها حصلت، وإن تزاحمت ولم يمكن تحصيل بعضها إلا بتفويت البعض، قدم أكملها وأهمها وأشدها طلباً للشارع"[32]؛ ومن أضاع هذا الأصل أضاع الهدى كما قال ابن تيمية -في الحال التي يلتبس فيها الخير بالشر: "قد يتعذر على السالك سلوك الطريق المشروعة المحضة إلا بنوع من المـُحدَث لعدم القائم بالطريق المشروعة علماً وعملاً، فإذا لم يحصل النور الصافي بأن لم يوجد إلا النور الذي ليس بصافٍ وإلا بقي الإنسان في الظلمة فلا ينبغي أن يعيب الرجل وينهى عن نور فيه ظلمة إلا إذا حصل نور لا ظلمة فيه، وإلا فكم ممن عدل عن ذلك يخرج عن النور بالكلية إذا خرج غيره عن ذلك لما رآه في طريق الناس من الظلمة"[33].

وكل شيء في الحياة لا يخلو من مصلحة ومفسدة، فكل مصلحة لا تخلو من مفسدة، وكل مفسدة لا تخلو من مصلحة, فلا توجد مصلحة خالصة ولا مفسدة خالصة في أي فعل من الأفعال, لذلك كانت دار ابتلاء وتكليف. ولذلك كان الحكم للجهة الراجحة؛ وعلى هذا الاعتبار تأسست الأحكام الشرعية لأنها تنظم حياة الناس في الدنيا, والدنيا لا يتمحض فيها الخير كما لا يتمحض فيها الشر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " والشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإلا فجميع المحرمات من الشرك والخمر والميسر والفواحش والظلم, قد تحصل لصاحبه به منافع ومقاصد, لكن لما كانت مفاسدها راجحة على مصالحها نهى الله ورسوله عنها, كما أن كثيراً من الأمور كالعبادات والجهاد وإنفاق الأموال قد تكون مضرة, لكن لما كانت مصلحته راجحة على مفسدته أمر به الشارع، فهذا أصل يجب اعتباره".[34]

ويقول الشيخ السعدي –رحمه الله تعالى: "إن الشارع لا يأمر إلا بما مصلحته خالصة أو راجحة, ولا ينهى إلا عمَّا مفسدته ومضرته خالصة أو راجحة, ولا يشذ من هذا الأصل الكبير شيء من أحكامه"[35]. ولهذا يقول ابن تيمية –رحمه الله: "وتمام الورع أن يعلم الإنسان خير الخيرين وشر الشرين، ويعلم أن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإلا فمن لم يوازن ما في الفعل والترك من المصلحة الشرعية والمفسدة الشرعية فقد يدع واجبات ويفعل محرمات، ويرى ذلك من الورع، كمن يدع الجمعة والجماعات خلف الأئمة الذين فيهم بدعة أو فجور ويرى ذلك من الورع، ويمتنع من قبول شهادة الصادق وأخذ علم العالم لما في صاحبه من بدعة خفيفة، ويرى ترك قبول سماع هذا الحق الذي يجب سماعه من الورع"[36]. ويقول في موطن آخر: "وكذلك إِذا تعارض المأمُور والمحظور فقد تعارض حَبِيبه وبغيضه، فيقدم أعظمهما فِي ذلك فإِن كان محبته لهذا أعظم من بغضه لهذا قُدِّم، وإِن كان بغضه لهذا أعظم من حبه لهذا قُدِّم، كما قال تعالى: {يَسْأَلُونَك عَن الْخمر وَالْميسر قل فيهمَا إِثْم كَبِير وَمَنَافع للنَّاس وإثمهما أكبر من نفعهما}[37]، وعلى هذا استَقَرَّت الشَّرِيعَة بترجيح خير الخيرين ودفع شَرِّ الشرين، وترجيح الرَّاجِح من الْخَيْر وَالشَّر المجتمعين، والله –سبحانه- يحب صفات الكَمَال مثل العلم وَالقُدرَة وَالرَّحمَة"[38].

وقد تعرض ابن تيمية لهذه القاعدة بكلام نفيس طويل ننقله هنا بطوله حرصا على الفائدة.

يقول –رحمه الله تعالى: "فصل: جامع في تعارض الحسنات، أو السيئات، أو هما جميعا إذا اجتمعا ولم يمكن التفريق بينهما، بل الممكن إما فعلهما جميعا وإما تركهما جميعا.

وقد كتبت ما يشبه هذا في (قاعدة الإمارة والخلافة)، وفي أن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها، وأنها ترجح خير الخيرين وشر الشرين، وتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، وتدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما، فنقول: قد أمر الله ورسوله بأفعال واجبة ومستحبة، وإن كان الواجب مستحبا وزيادة، ونهى عن أفعال محرمة أو مكروهة، والدين هو طاعته وطاعة رسوله وهو الدين والتقوى، والبر والعمل الصالح، والشرعة والمنهاج وإن كان بين هذه الأسماء فروق. وكذلك حَمِدَ أفعالا هي الحسنات ووعد عليها، وذم أفعالا هي السيئات وأوعد عليها، وقيد الأمور بالقدرة والاستطاعة والوسع والطاقة، فقال تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم}، وقال تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت}، وقال تعالى: {ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها}، وكل من الآيتين وإن كانت عامة فسبب الأولى المحاسبة على ما في النفوس وهو من جنس أعمال القلوب وسبب الثانية الإعطاء الواجب.

وقال: {فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك}، وقال: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}، وقال: {يريد الله أن يخفف عنكم}، وقال: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج}، وقال: {ما جعل عليكم في الدين من حرج}، وقال: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم... } الآية، وقال: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة}، وقال: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا}، وقال: {ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله}، وقد ذكر في الصيام والإحرام والطهارة والصلاة والجهاد من هذا أنواعا.

وقال في المنهيات: {وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه}، وقال: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه}، و{فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم}، و{ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا}، و{وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به}، و{ولو شاء الله لأعنتكم}، و{يسألونك عن الشهر الحرام... } الآية.

وقال في المتعارض: {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما}، وقال: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون}، وقال: {فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا}، وقال: {والفتنة أكبر من القتل}، وقال: {فإن خفتم فرجالا أو ركبانا}، و{وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك.. إلى قوله: ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم}، وقال: {ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا.. إلى قوله: وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إليَّ}.

ونقول: إذا ثبت أن الحسنات لها منافع وإن كانت واجبة كان في تركها مضار، والسيئات فيها مضار، وفي المكروه بعض حسنات. فالتعارض إما بين حسنتين لا يمكن الجمع بينهما فتقدم أحسنهما بتفويت المرجوح، وإما بين سيئتين لا يمكن الخلو منهما فيدفع أسوأهما باحتمال أدناهما، وإما بين حسنة وسيئة لا يمكن التفريق بينهما بل فعل الحسنة مستلزم لوقوع السيئة وترك السيئة مستلزم لترك الحسنة فيرجح الأرجح من منفعة الحسنة ومضرة السيئة.

فالأول كالواجب والمستحب، وكفرض العين وفرض الكفاية، مثل تقديم قضاء الدين المطالب به على صدقة التطوع؛ أو كتقديم نفقة الأهل على نفقة الجهاد الذي لم يتعين، وتقديم نفقة الوالدين عليه، كما في الحديث الصحيح: أي العمل أفضل؟ قال: (الصلاة على مواقيتها)، قلت: ثم أي؟ قال: (ثم بر الوالدين)، قلت: ثم أي؟ قال: (ثم الجهاد في سبيل الله). وتقديم الجهاد على الحج كما في الكتاب والسنة متعين على متعين ومستحب على مستحب؛ وتقديم قراءة القرآن على الذكر إذا استويا في عمل القلب واللسان؛ وتقديم الصلاة عليهما إذا شاركتهما في عمل القلب؛ وإلا فقد يترجح الذكر بالفهم والوجل على القراءة التي لا تجاوز الحناجر وهذا باب واسع.

والثاني: كتقديم المرأة المهاجرة لسفر الهجرة بلا محرم على بقائها بدار الحرب، كما فعلت أم كلثوم التي أنزل الله فيها آية الامتحان {يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات}، وكتقديم قتل النفس على الكفر، كما قال تعالى: {والفتنة أكبر من القتل}، فتقتل النفوس التي تحصل بها الفتنة على الإيمان، لأن ضرر الكفر أعظم من ضرر قتل النفس، وكتقديم قطع السارق ورجم الزاني وجلد الشارب على مضرة السرقة والزنا والشرب، وكذلك سائر العقوبات المأمور بها فإنما أمر بها، مع أنها في الأصل سيئة وفيها ضرر، لدفع ما هو أعظم ضررا منها وهي جرائمها؛ إذ لا يمكن دفع ذلك الفساد الكبير إلا بهذا الفساد الصغير، وكذلك في باب الجهاد وإن كان قتل من لم يقاتل من النساء والصبيان وغيرهم حراما فمتى احتيج إلى قتال قد يعمهم، مثل: الرمي بالمنجنيق والتبييت بالليل، جاز ذلك، كما جاءت فيها السنة في حصار الطائف ورميهم بالمنجنيق، وفي أهل الدار من المشركين يبيتون وهو دفع لفساد الفتنة أيضا بقتل من لا يجوز قصد قتله، وكذلك مسألة التترس التي ذكرها الفقهاء؛ فإن الجهاد هو دفع فتنة الكفر فيحصل فيها من المضرة ما هو دونها؛ ولهذا اتفق الفقهاء على أنه متى لم يمكن دفع الضرر عن المسلمين إلا بما يفضي إلى قتل أولئك المتترس بهم جاز ذلك؛ وإن لم يخف الضرر لكن لم يمكن الجهاد إلا بما يفضي إلى قتلهم ففيه قولان، ومن يسوِّغ ذلك يقول: قتلهم لأجل مصلحة الجلاد، مثل قتل المسلمين المقاتلين يكونون شهداء، ومثل ذلك إقامة الحد على المباذل، وقتال البغاة، وغير ذلك؛ ومن ذلك إباحة نكاح الأمة خشية العنت وهذا باب واسع أيضا.

وأما الثالث: فمثل أكل الميتة عند المخمصة؛ فإن الأكل حسنة واجبة لا يمكن إلا بهذه السيئة ومصلحتها راجحة، وعكسه الدواء الخبيث فإن مضرته راجحة على مصلحته من منفعة العلاج لقيام غيره مقامه؛ ولأن البرء لا يتيقن به وكذلك شرب الخمر للدواء.

فتبين أن السيئة تحتمل في موضعين دفع ما هو أسوأ منها إذا لم تدفع إلا بها، وتَحصُّل ما هو أنفع من تركها إذا لم يتحصل إلا بها؛ والحسنة تترك في موضعين إذا كانت مفوتة لما هو أحسن منها، أو مستلزمة لسيئة تزيد مضرتها على منفعة الحسنة. هذا فيما يتعلق بالموازنات الدينية.

وأما سقوط الواجب لمضرة في الدنيا، وإباحة المحرم لحاجة في الدنيا، كسقوط الصيام لأجل السفر، وسقوط محظورات الإحرام وأركان الصلاة لأجل المرض، فهذا باب آخر يدخل في سعة الدين، ورفع الحرج الذي قد تختلف فيه الشرائع؛ بخلاف الباب الأول فإن جنسه مما لا يمكن اختلاف الشرائع فيه وإن اختلفت في أعيانه، بل ذلك ثابت في العقل، كما يقال: ليس العاقل الذي يعلم الخير من الشر وإنما العاقل الذي يعلم خير الخيرين وشر الشرين، وينشد:

إن اللبيب إذا بدا من جسمه              مرضان مختلفان داوى الأخطرا

وهذا ثابت في سائر الأمور؛ فإن الطبيب مثلا يحتاج إلى تقوية القوة ودفع المرض، والفصاد أداة تزيدهما معا؛ فإنه يترجح عند وفور القوة تركه –أي الفساد- إضعافا للمرض، وعند ضعف القوة فعله –أي الفصاد- لأن منفعة إبقاء القوة والمرض أولى من إذهابهما جميعا، فإن ذهاب القوة مستلزم للهلاك. ولهذا استقر في عقول الناس أنه عند الجدب يكون نزول المطر لهم رحمة، وإن كان يتقوى بما ينبته أقوام على ظلمهم، لكن عدمه أشد ضررا عليهم، ويرجحون وجود السلطان مع ظلمه على عدم السلطان، كما قال بعض العقلاء: ستون سنة من سلطان ظالم خير من ليلة واحدة بلا سلطان"[39].

وهذا الكلام لابن تيمية رحمه الله تعالى في غاية من الروعة والجمع بين الأدلة الشرعية والعقلية والحسية وما تعارف الناس عليه من خبرتهم –كما في البيت الشعري. وهذا الإمام الجليل لم يتوقف عند هذا الحد من المسألة بل تطرق إلى تطبيق هذه القاعدة على واقع جرى في الأمة حتى زمانه وبين كيف يجب التعامل مع هذه القاعدة وتحت أي اعتبار. فيقول في ذات السياق: "ثم السلطان يؤاخذ على ما يفعله من العدوان ويفرط فيه من الحقوق مع التمكن. لكن أقول هنا: إذا كان المتولي للسلطان العام أو بعض فروعه -كالإمارة والولاية والقضاء ونحو ذلك- لا يمكنه أداء واجباته وترك محرماته ولكن يتعمد ذلك ما لا يفعله غيره قصدا وقدرة جازت له الولاية وربما وجبت؛ وذلك لأن الولاية إذا كانت من الواجبات التي يجب تحصيل مصالحها من جهاد العدو وقسم الفيء وإقامة الحدود وأمن السبيل كان فعلها واجبا، فإذا كان ذلك مستلزما لتولية بعض من لا يستحق وأخذ بعض ما لا يحل وإعطاء بعض من لا ينبغي، ولا يمكنه ترك ذلك، صار هذا من باب ما لا يتم الواجب أو المستحب إلا به فيكون واجبا أو مستحبا، إذا كانت مفسدته دون مصلحة ذلك الواجب أو المستحب؛ بل لو كانت الولاية غير واجبة وهي مشتملة على ظلم، ومن تولاها أقام الظلم حتى تولاها شخص قصده بذلك تخفيف الظلم فيها ودفع أكثره باحتمال أيسره كان ذلك حسنا مع هذه النية، وكان فعله لما يفعله من السيئة بنية دفع ما هو أشد منها جيدا.

وهذا باب يختلف باختلاف النيات والمقاصد، فمن طلب منه ظالم قادر وألزمه مالا فتوسط رجل بينهما ليدفع عن المظلوم كثرة الظلم وأخذ منه وأعطى الظالم مع اختياره أن لا يظلم، ودفعه ذلك لو أمكن، كان محسنا ولو توسط إعانة للظالم كان مسيئا. وإنما الغالب في هذه الأشياء فساد النية والعمل، أما النية فبقصده السلطان والمال، وأما العمل فبفعل المحرمات وبترك الواجبات لا لأجل التعارض ولا لقصد الأنفع والأصلح.

ثم الولاية وإن كانت جائزة أو مستحبة أو واجبة فقد يكون في حق الرجل المعين غيرها أوجب أو أحب فيقدم حينئذ خير الخيرين وجوبا تارة واستحبابا أخرى. ومن هذا الباب تولي يوسف الصديق –عليه الصلاة والسلام- على خزائن الأرض لملك مصر بل ومسألته أن يجعله على خزائن الأرض، وكان هو وقومه كفارا كما قال تعالى: {ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به.. الآية}، وقال تعالى عنه: {يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار}، و{ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم.. الآية}، ومعلوم أنه مع كفرهم لا بد أن يكون لهم عادة وسنة في قبض الأموال وصرفها على حاشية الملك وأهل بيته وجنده ورعيته، ولا تكون تلك جارية على سنة الأنبياء وعدلهم، ولم يكن يوسف يمكنه أن يفعل كل ما يريد، وهو ما يراه من دين الله، فإن القوم لم يستجيبوا له، لكن فعل الممكن من العدل والإحسان، ونال بالسلطان من إكرام المؤمنين من أهل بيته ما لم يكن يمكن أن يناله بدون ذلك، وهذا كله داخل في قوله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم}"[40].

وفي هذه الحالة يعمل ابن تيمية –رحمه الله- لازم هذا المذهب بقوله: "فإذا ازدحم واجبان لا يمكن جمعهما فقدم أوكدهما، ولم يكن الآخر في هذه الحال واجبا، ولم يكن تاركه لأجل فعل الأوكد تارك واجب في الحقيقة؛ وكذلك إذا اجتمع محرمان لا يمكن ترك أعظمهما إلا بفعل أدناهما لم يكن فعل الأدنى في هذه الحال محرما في الحقيقة، وإن سمي ذلك ترك واجب وسمي هذا فعل محرم باعتبار الإطلاق لم يضر.

ويقال في مثل هذا ترك الواجب لعذر وفعل المحرم للمصلحة الراجحة أو للضرورة أو لدفع ما هو أحرم؛ وهذا كما يقال لمن نام عن صلاة أو نسيها: إنه صلاها في غير الوقت المطلق قضاء. هذا وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها لا كفارة لها إلا ذلك)"[41].

ويبين ابن تيمية العلة في مثل هذا المنهج الإصلاحي، والواجب الذي يتعين على أهل الفقه والاجتهاد سلوكه بقوله: "وباب التعارض باب واسع جدا لا سيما في الأزمنة والأمكنة التي نقصت فيها آثار النبوة وخلافة النبوة فإن هذه المسائل تكثر فيها، وكلما ازداد النقص ازدادت هذه المسائل، ووجود ذلك من أسباب الفتنة بين الأمة، فإنه إذا اختلطت الحسنات بالسيئات وقع الاشتباه والتلازم، فأقوام قد ينظرون إلى الحسنات فيرجحون هذا الجانب وإن تضمن سيئات عظيمة، وأقوام قد ينظرون إلى السيئات فيرجحون الجانب الآخر وإن ترك حسنات عظيمة، والمتوسطون الذين ينظرون الأمرين، قد لا يتبين لهم أو لأكثرهم مقدار المنفعة والمضرة، أو يتبين لهم فلا يجدون من يعينهم العمل بالحسنات وترك السيئات، لكون الأهواء قارنت الآراء؛ ولهذا جاء في الحديث: (إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات)، فينبغي للعالم أن يتدبر أنواع هذه المسائل، وقد يكون الواجب في بعضها -كما بينته فيما تقدم: العفو عند الأمر والنهي في بعض الأشياء؛ لا التحليل والإسقاط.

مثل أن يكون في أمره بطاعة فعلا لمعصية أكبر منها فيترك الأمر بها دفعا لوقوع تلك المعصية مثل أن ترفع مذنبا إلى ذي سلطان ظالم فيعتدي عليه في العقوبة ما يكون أعظم ضررا من ذنبه ومثل أن يكون في نهيه عن بعض المنكرات تركا لمعروف هو أعظم منفعة من ترك المنكرات فيسكت عن النهي خوفا أن يستلزم ترك ما أمر الله به ورسوله مما هو عنده أعظم من مجرد ترك ذلك المنكر .

فالعالم تارة يأمر، وتارة ينهى، وتارة يبيح، وتارة يسكت عن الأمر أو النهي أو الإباحة، كالأمر بالصلاح الخالص أو الراجح، أو النهي عن الفساد الخالص أو الراجح، وعند التعارض يرجح الراجح -كما تقدم، بحسب الإمكان؛ فأما إذا كان المأمور والمنهي لا يتقيد بالممكن -إما لجهله وإما لظلمه- ولا يمكن إزالة جهله وظلمه، فربما كان الأصلح الكف والإمساك عن أمره ونهيه، كما قيل: إن من المسائل مسائل جوابها السكوت، كما سكت الشارع في أول الأمر عن الأمر بأشياء والنهي عن أشياء حتى علا الإسلام وظهر؛ فالعالم في البيان والبلاغ كذلك قد يؤخر البيان والبلاغ لأشياء إلى وقت التمكن، كما أخر الله سبحانه إنزال آيات وبيان أحكام إلى وقت تمكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى بيانها، يبين حقيقة الحال في هذا أن الله يقول: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} والحجة على العباد إنما تقوم بشيئين:

بشرط التمكن من العلم بما أنزل الله، والقدرة على العمل به، فأما العاجز عن العلم كالمجنون، أو العاجز عن العمل فلا أمر عليه ولا نهي، وإذا انقطع العلم ببعض الدين أو حصل العجز عن بعضه كان ذلك في حق العاجز عن العلم أو العمل بقوله، كمن انقطع عن العلم بجميع الدين أو عجز عن جميعه كالمجنون مثلا؛ وهذه أوقات الفترات فإذا حصل من يقوم بالدين من العلماء أو الأمراء أو مجموعهما كان بيانه لما جاء به الرسول شيئا فشيئا بمنزلة بيان الرسول لما بعث به شيئا فشيئا، ومعلوم أن الرسول لا يبلغ إلا ما أمكن علمه والعمل به، ولم تأت الشريعة جملة كما يقال: إذا أردت أن تطاع فأمر بما يستطاع. فكذلك المجدد لدينه والمحيي لسنته لا يبالغ إلا ما أمكن علمه والعمل به، كما أن الداخل في الإسلام لا يمكن حين دخوله أن يلقن جميع شرائعه ويؤمر بها كلها، وكذلك التائب من الذنوب والمتعلم والمسترشد لا يمكن في أول الأمر أن يؤمر بجميع الدين ويذكر له جميع العلم فإنه لا يطيق ذلك، وإذا لم يطقه لم يكن واجبا عليه في هذه الحال، وإذا لم يكن واجبا لم يكن للعالم والأمير أن يوجبه جميعه ابتداء بل يعفو عن الأمر والنهي بما لا يمكن علمه وعمله إلى وقت الإمكان، كما عفا الرسول عما عفا عنه إلى وقت بيانه، ولا يكون ذلك من باب إقرار المحرمات وترك الأمر بالواجبات لأن الوجوب والتحريم مشروط بإمكان العلم والعمل، وقد فرضنا انتفاء هذا الشرط. فتدبر هذا الأصل فإنه نافع؛ ومن هنا يتبين سقوط كثير من هذه الأشياء، وإن كانت واجبة أو محرمة في الأصل لعدم إمكان البلاغ الذي تقوم به حجة الله في الوجوب أو التحريم، فإن العجز مسقط للأمر والنهي، وإن كان واجبا في الأصل والله أعلم. ومما يدخل في هذه الأمور الاجتهادية علما وعملا أن ما قاله العالم أو الأمير أو فعله باجتهاد أو تقليد فإذا لم ير العالم الآخر والأمير الآخر مثل رأي الأول فإنه لا يأمر به أو لا يأمر إلا بما يراه مصلحة، ولا ينهى عنه إذ ليس له أن ينهى غيره عن اتباع اجتهاده، ولا أن يوجب عليه اتباعه، فهذه الأمور في حقه من الأعمال المعفوة لا يأمر بها ولا ينهى عنها بل هي بين الإباحة والعفو وهذا باب واسع جدا فتدبره"[42].

وهذا المنهج الرباني لا يتميز به ابن تيمية فحسب بل هو منهج عملي لدى علماء السلف وأئمتهم. يقول العز بن عبدالسلام –رحمه الله تعالى- في كتابه (قواعد الأحكام في مصالح الأنام)، تحت قاعدة (قاعدة في تعذر العدالة في الولايات)[43]: "إذا تعذرت العدالة في الولاية العامة والخاصة بحيث لا يوجد عدل، ولينا أقلهم فسوقا"، وبعد ضربه المثال قال: "فيكون هذا من باب دفع أشد المفسدتين بأخفهما"، وتوقف فيما لو "ابتلي الناس بتولية امرأة أو صبي مميز يرجع إلى رأي العقلاء، فهل ينفذ تصرفهما العام فيما يوافق الحق... ففي ذلك وقفة"[44]، بل تجاوز ذلك إلى الحديث فيما "لو استولى الكفار على إقليم عظيم فولوا القضاء لمن يقوم بمصالح المسلمين العامة، فالذي يظهر إنفاذ ذلك كله جلبا للمصالح العامة ودفعا للمفاسد الشاملة، إذ يبعد عن رحمة الشرع ورعايته لمصالح عباده تعطيل المصالح العامة وتحمل المفاسد الشاملة، لفوات الكمال فيمن يتعاطى توليتها لمن هو أهل لها، وفي ذلك احتمال بعيد"[45]، وتحدث عمَّا إذا لم يمكن إلا تولية حاكم فاسق: "الحكام إذا تفاوتوا في الفسوق قدمنا أقلهم فسوقا، لأنا لو قدمنا غيره لفات من المصالح ما ليس لنا عنه مندوحة، ولا يجوز تفويت مصالح الإسلام إلا عند تعذر القيام بها"، وإنما عني بمصالح الإسلام مصالح أهله، لذلك يقول: "إذا تفاوتت رتب الفسوق في حق الأئمة قدمنا أقلهم فسوقا، مثل إن كان فسق أحد الأئمة بقتل النفوس وفسق الآخر بانتهاك حرمة الأبضاع، وفسق الآخر بالتعرض للأموال، قدمنا المتعرض للأموال على المتعرض للدماء والأبضاع، فإن تعذر تقديمه قدمنا المتعرض للأبضاع على من يتعرض للدماء، وكذلك يترتب التقديم على الكبير من الذنوب والأكبر والصغير منها والأصغر على اختلاف رتبها"؛ ثم يوضح بأنه في حال لم يكن ذلك ممكنا إلا بنصرة أحدهم فُعلَ: "فإن قيل: أيجوز القتال مع أحدهما لإقامة ولايته وإدامة تصرفه مع إعانته على معصيته؟ قلنا: نعم دفعا لما بين مفسدتي الفسوقين من التفاوت، ودرءا للأفسد فالأفسد، وفي هذا وقفة وإشكال من جهة أنا نُعِينُ الظالم على فساد الأموال دفعا لمفسدة الأبضاع وهي معصية، وكذلك نُعين الآخر على إفساد الأبضاع دفعا لمفسدة الدماء وهي معصية. ولكن قد يجوز الإعانة على المعصية لا لكونها معصية بل لكونها وسيلة إلى تحصيل المصلحة الراجحة، وكذلك إذا حصل بالإعانة مصلحة تربو على مصلحة تفويت المفسدة كما تبذل الأموال في فدى الأسرى الأحرار المسلمين من أيدي الكفرة والفجرة"، ويقول: "ومبنى هذه المسائل كلها على الضرورات ومسيس الحاجات، وقد يجوز في حال الاضطرار ما لا يجوز في حال الاختيار"[46]. ويقول رحمه الله في (فصل تساوي المصالحِ مع تعذُّرِ جَمعِهَا): "إذا تساوت المصالح مع تعذر الجمع تخيرنا في التقديم والتأخير للتنازع بين المتساويين"، وضرب لذلك أمثلة أيضا[47].

وفي فصل آخر تحدث –رحمه الله- عمَّا "لا يمكن تحصيل مصلحته إلا بإفساده أو بإفساد بعضه أو بإفساد صفة من صفاته"، وذكر أمثلة لا بغرض الحصر[48]. ويقول في موضع آخر: "وقد تجوز المعاونة على الإثم والعدوان والفسوق والعصيان، لا من جهة كونه معصية، بل من جهة كونه وسيلة إلى مصلحة، وله أمثلة:..."، وذكر شيئا منها ثم قال: "وليس هذا على التحقيق معاونة على الإثم والعدوان والفسوق والعصيان، وإنما هو إعانة على درء المفاسد، فكانت المعاونة على الإثم والعدوان والفسوق والعصيان فيها تبعًا لا مقصودًا"[49].

وهذا كله –أي تقديم الأصلح فالأصلح- كما يقول العز بن عبدالسلام: "مركوز في طبائع العباد... فلو خيرت الصبي الصغير بين اللذيذ والألذ لأختار الألذ, ولو خير بين الحسن والأحسن لأختار الأحسن, لا يقدم الصالح على الأصلح إلا جاهل بفضل الأصلح أو شقي متجاهل لا ينظر إلى ما بين المسرتين من تفاوت"[50].

ويضرب ابن القيم مثالا على هذا المنهج في زمانه، فيقول: "أنك إذا رأيت الفساق قد اجتمعوا على لهو ولعب أو سماع مكاء وتصدية فإن نقلتهم عنه إلى طاعة الله فهو المراد, وإلا كان تركهم على ذلك خيراً من أن تفرغهم لما هو أعظم من ذلك، فكان ما هم فيه شاغلاً لهم عن ذلك, وكما إذا كان الرجل مشتغلاً بكتب المجون ونحوها, وخفت من نقله عنها انتقاله إلى كتب البدع والضلال والسحرة فدعه وكتبه الأولى, وهذا باب واسع"[51].

ويقول الإمام الشاطبي -رحمه الله تعالى- عن بعض الأمور الواقعة في زمانه أيضا: "إن الأمور الضرورية أو غيرها من الحاجية أو التكميلية إذا اكتنفتها من خارجها أمورٌ لا تُرضى شرعاً، فإن الإقدام على جلب المصالح صحيح على شرط التحفظ بحسب الاستطاعة من غير حرج؛ كالنكاح الذي يلزمه طلب قوت العيال مع ضيق طرق الحلال واتساع أوجه الحرام والشبهات، وكثيراً ما يلجأ إلى الدخول في الاكتساب لهم بما لا يجوز، ولكنه غير مانع لما يؤول إليه التحرز من المفسدة المربية على توقع مفسدة التعرض، ولو اعتُبر مثل هذا في النكاح في مثل زماننا لأدى إلى إبطال أصله، وذلك غير صحيح؛ وكذلك طلب العلم إذا كان في طريقه مناكر يسمعها ويراها؛ وشهود الجنائز، وإقامة وظائف شرعية إذا لم يقدر على إقامتها إلا بمشاهدة ما لا يرتضى، فلا يُخرج هذا العارضُ تلك الأمور عن أصولها؛ لأنها أصول الدين وقواعد المصالح، وهو المفهوم من مقاصد الشارع، فيجب فهمها حق الفهم، فإنها مثار اختلاف وتنازع"[52].

ويقول أيضا: "وذلك أن القواعد المشروعة بالأصل إذا داخلتها المناكر، كالبيع والشراء والمخالطة والمساكنة، إذا كثر الفساد في الأرض واشتهرت المناكر، بحيث صار المكلف عند أخذه في حاجاته وتصرفه في أحواله لا يسلم في الغالب من لقاء المنكر أو ملابسته فالظاهر يقتضي الكفَّ عن كل ما يؤدي إلى هذا، ولكن الحقَّ يقتضي أن لا بد له من اقتضاء حاجاته، كانت مطلوبة بالجزء أو بالكل، وهي إما مطلوب بالأصل وإما خادم للمطلوب بالأصل، لأنه إن فرض الكف عن ذلك أدى إلى التضييق والحرج أو تكليف ما لا يطاق، وذلك مرفوع عن هذه الأمة. فلابد للإنسان من ذلك، لكن مع الكف عما استطاع الكف عنه، وما سواه فمعفو عنه لأنه بحكم التبعية لا بحكم الأصل"، واستشهد بكلام لابن العربي فقال: "وقد قال ابن العربي في مسألة دخول الحمام بعد ما ذكر جوازه: فإن قيل: فالحمام دار يغلب فيها المنكر، فدخولها إلى أن يكون حراما أقرب منه إلى أن يكون مكروها، فكيف يكون جائزا؟ قلنا: الحمام موضع تداوٍ وتطهر، فصار بمنزلة النهر، فإن المنكر قد غلب فيه بكشف العورات وتظاهر المنكرات فإذا احتاج إليه المرء دخله، ودفع المنكر عن بصره وسمعه ما أمكنه، والمنكر اليوم في المساجد والبلدان، فالحمام كالبلد عموما، وكالنهر خصوصا. هذا ما قاله"، ثم علق بقوله: "وهكذا النظر في الأمور المشروعة بالأصل كلها، وهذا إذا أدى الاحتراز من العارض للحرج، وأما إذا لم يؤد إليه وكان في الأمر المفروض مع ورود النهي سعة كسد الذرائع ففي المسألة نظر، ويتجاذبها طرفان.."[53].

ويقول الشيخ محمد بن عبدالوهاب –رحمه الله: "ومن الأعمال ما فيه خير لاشتماله على أنواع من المشروع، وفيه شر من بدعة وغيرها، فيكون ذلك العمل شرا بالنسبة إلى الإعراض عن الدين بالكلية كحال المنافقين والفاسقين، وهذا قد ابتلي به أكثر الأمة في الأزمان المتأخرة؛ فعليك هنا بأدبين: أحدهما: الحرص على التمسك بالسنة في خاصتك ومن أطاعك، واعرف المعروف، وأنكر المنكر. الثاني: الدعوة إلى السنة بحسب الإمكان فإذا رأيت من يعمل هذا ولا يتركه إلا إلى شر منه، فلا تدع إلى ترك منكر بفعل ما هو أنكر منه، أو بترك واجب أو مندوب تركه أضر من فعل ذلك المكروه. فإذا كان الفاعلون للبدع معيبين، فالتاركون للسنن كذلك؛ فإن منها ما يكون واجبا مطلقا، ومنها مقيدا كالنافلة، فإنها لا تجب، ولكن من أراد أن يصليها وجب عليه الإتيان بأركانها، وكما يجب على من أتى الذنوب من الكفارات، وما يجب على من كان إماما أو مفتيا من الحقوق، وعامتها يجب تعليمها، والحض عليها، والدعاء إليها. وكثير من المنكرين للبدع تجدهم مقصرين في فعل السنن، فلا ينهى عن منكر إلا ويؤمر بمعروف يغني عنه، كما يؤمر بعبادة الله عن عبادة ما سواه، والنفوس خلقت لتعمل، وإنما الترك مقصود لغيره. فتفطن لحقيقة الدين، وانظر ما اشتملت عليه الأفعال من المصالح والمفاسد، بحيث تعرف مراتب المعروف والمنكر حتى تقدم أهمها عند الازدحام؛ فإن هذا حقيقة العلم بما جاءت به الرسل، وهذا خاصة العلماء"[54].

وهذا المنهج بات ضروريا جدا في تعاطي العلماء والدعاة المصلحين مع الواقع. فالأمر لا يقتصر على معرفة مراتب الأحكام والتكاليف في الشرع وإن كان جزءا منه، بل عليه معرفة الواقع وما يمكن تحقيقه فيه من المصالح ودفع المفاسد، كما يقول ابن تيمية: "والمؤمن ينبغي له أن يعرف الشرور الواقعة ومراتبها في الكتاب والسنة، كما يعرف الخيرات الواقعة ومراتبها في الكتاب والسنة، فيفرق بين أحكام الأمور الواقعة الكائنة والتي يراد إيقاعها في الكتاب والسنة، ليقدم ما هو أكثر خيراً وأقل شراً على ما هو غيره، ويدفع أعظم الشرين باحتمال أدناهما ويجتلب أعظم الخيرين بفوات أدناهما، فإن من لم يعرف الواقع في الخلق والواجب في الدين لم يعرف أحكام الله في عباده، وإذا لم يعرف ذلك كان قوله وعمله بجهل، ومن عبد الله بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح"[55].

وإنما وقع الخلاف والجفاء وتضييع مصالح الناس وتفويت منافع الدعوة من هذا الباب. قال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله: "نعم قد يشكل على كثير من الناس نصوص لا يفهمونها، فتكون مشكلة بالنسبة إليهم لعجز فهمهم عن معانيها، ولا يجوز أن يكون في القرآن ما يخالف صريح العقل والحس إلا وفي القرآن بيان معناه، فإن القرآن جعله الله شفاءً لما في الصدور وبيانا للناس، فلا يجوز أن يكون بخلاف ذلك، لكن قد تخفى آثار الرسالة في بعض الأمكنة والأزمنة حتى لا يعرفون ما جاء به الرسول –صلى الله عليه وسلم، إما أن لا يعرفوا اللفظ، وإما أن يعرفوا اللفظ ولا يعرفوا معناه؛ فحينئذ يصيرون في جاهلية بسبب عدم نور النبوة، ومن ها هنا يقع الشرك وتفريق الدين شيعا، كالفتن التي تحدث السيف، فالفتن القولية والعملية هي من الجاهلية بسبب خفاء نور النبوة عنهم. كما قال مالك ابن أنس: إذا قلَّ العلم ظهر الجفاء، وإذا قلت الآثار ظهرت الأهواء. ولهذا شبهت الفتن بقطع الليل المظلم، ولهذا قال أحمد -في خطبته: الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة بقايا من أهل العلم. فالهدى الحاصل لأهل الأرض إنما هو من نور النبوة، كما قال تعالى: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى}، فأهل الهدى والفلاح هم المتبعون للأنبياء، وهم المسلمون المؤمنون في كل زمان ومكان، وأهل العذاب والضلال هم المكذبون للأنبياء. يبقى أهل الجاهلية الذين لم يصل إليهم ما جاءت به الأنبياء فهؤلاء في ضلال وجهل وشرك وشر لكن الله يقول: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً}، وقال: {رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لئلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ}، وقال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ}، فهؤلاء لا يهلكهم الله ويعذبهم حتى يرسل إليهم رسولا, وقد رويت آثار متعددة في أن من لم تبلغه الرسالة في الدنيا فإنه يبعث إليه رسولا يوم القيامة في عرصات القيامة"[56].

ومن أسوأ ما يقع فيه كثير من المصلحين هو منابذتهم لبعضهم، وتحاملهم فيما بينهم، واعتبار أنفسهم أكثر تقوى لما تمكسوا به من اجتهاد. علما بأن الناس –وأقصد هنا العلماء خصوصا- تختلف في إدراكها لحقائق التفاضل بين الأمور وتقديرها لترتيب الأعظم مصلحة أو الأكثر فسادا، فضلا عن إدراكها للواقع بأبعاده، خاصة مع بعد كثير منهم عن مواطن السياسة وشئون الحكم وخلطة العامة والخاصة اشتغالا بالعلم واهتماما بالدعوة، فلا غروا أن يجهل كثير منهم حجم أخطار الخصوم وأثرها وحقيقتها في الأساس، بل وتقديره لمآلات الأمور قياس على العرف أو السنن الاجتماعية والكونية أو تقديرا لتفاصيل الواقع ومجريات أحداثه. وفي هذا يقول الإمام الشاطبي –رحمه الله: "النظر في مآلات الأفعال معتبر ومقصود شرعًا، كانت الأفعال موافقة أو مخالفة، وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل، فقد يكون مشروعًا لمصلحة فيه تستجلب، أو لمفسدة تدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه، وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه أو مصلحة تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك، فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية، فربما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها، فيكون هذا مانعًا من إطلاق القول بالمشروعية، وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم المشروعية ربما أدى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي أو تزيد، فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية وهو مجال للمجتهد صعب المورد، إلا أنه عذب المذاق محمود الغب، جار على مقاصد الشريعة"[57].

وهذا يجري على المعصية وعلى البدعة. يقول ابن تيمية –رحمه الله: "فإذا تعذر إقامة الواجبات من العلم والجهاد وغير ذلك إلا بمن فيه بدعة مضرتها أقل من مضرة ترك ذلك الواجب كان تحصيل مصلحة الواجب مع مفسدة مرجوحة معه خيرًا من العكس"[58]. ولذلك كان أحمد بن حنبل يرى بالقتال والصلاة خلف المأمون رغم مذهبه بكفر مذهبه القائل بخلق القرآن، فإنها بدعة نشأت في زمانه وحمل الناس عليها بالسيف ولم تكن لا من أصول الدين ولا من فروعه.

وإذا كان العلماء لم يتطرقوا لمسألة إعانة الكفار على كفرهم، فيما لو كانت المصلحة في ذلك، إلا أن القرآن الكريم تضمن مثالا على ذلك في سورة يوسف، فقد أنقذ يوسف –عليه الصلاة والسلام- أهل مصر مع بقائهم على كفرهم هم ومن حولهم من شعوب المنطقة، كما أن الشريعة اعتبرت حماية أهل الذمة ورعاية مصالحهم مع بقائهم على كفرهم وشركهم، وتحدث أبو المعالي الجويني وابن تيمية وغيرهم عن جواز البقاء في دار احتلها الكفار ولم يسع أهلها الخروج منها، وقيامهم بمصالحهم مع ما يتلبس ذلك من دفع للضرائب وما في حكمها، وخدمة تقتضيها حالة بقائهم في دولة الكفر، وقد تولى العلماء القضاء والولايات للدولة الفاطمية –رغم إيمانهم بكفرها- لما في ذلك من المصلحة، ومع ما في ذلك من مفاسد تمثل لتلك الدولة مصالح سياسية واقتصادية.[59]

وكذلك يجري قياس القاعدة على الظلم. يقول ابن تيمية -رحمة الله: "فالواجب على المسلم أن يجتهد وسعه، فمن ولي ولاية يقصد بها طاعة الله وإقامة ما يمكنه من دينه ومصالح المسلمين، وأقام فيها ما يمكنه من ترك المحرمات، لم يؤاخذ بما يعجز عنه، فإن تولية الأبرار خير للأمة من تولية الفجار"[60]. وقد سئل شيخ الإسلام في زمانه عن رجل أعطاه ولي الأمر إقطاعا وفيه شيء من المكوس.. فهل يجوز له الأكل منها، أو يقطعها لأجناده، أو يصرفها في علف خيوله، وجامكية الغلمان؟ فأجاب: "الحمد للّه، أما المال المأخوذ من الجهات، فلا يخلو عن شبهة، وليس كله حراما محضا، بل فيه ما هو حرام، وفيه ما يؤخذ بحق، وبعضه أخف من بعض. فما على الساحل وإقطاعه أخف مما على بيع العقار، ونحو ذلك من السلع، ومما على سوق الغزل ونحوه، فإن هذا لا شبهة فيه فإنه ظلم بين. وكذلك ضمان الأفراج، فإنه قد يؤخذ إما من الفواحش المحرمة، وإما من المناكح المباحة، فهذا ظلم، وذلك إعانة على الفواحش التي تسمى مغاني العرب ونحو ذلك. فإن هذا فيه ضمان الحانة في بعض الوجوه، فهذا أقبح ما يكون، بخلاف ساحل القبلة، فإنه قد يظلم فيه كثير من الناس. لكن أهل الإقطاعات الكثيرة الذين أقطعوا أكثر مما يستحقونه، إذا أمر السلطان أن يؤخذ منها بعض الزيادة، لم يكن هذا ظلما وإقطاعه أصلها زكاة، لكن زيد فيها ظلم. وإذا كان كذلك فمن كان في إقطاعه شيء من ذلك، فليجعل الحلال الطيب لأكله وشربه، ثم الذي للناس، ثم الذي يليه يجعل لعلف الجمال، ويكون علف الخيل أطيب منها فإنها أشرف، ويعطى الذي يليه للدبادب والبوقات والبازيات ونحوهم. فإن الله يقول: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم}، فعلى كل إنسان أن يتقى الله ما استطاع، وما لم يمكن إزالته من الشر يخفف بحسب الإمكان، فإن الله بعث الرسل بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها"[61].

وسواء كان ذلك لمصلحة دينية أو دنيوية. فقد سئل ابن تيمية –رحمه الله- عن رجل مقبول القول عند الحكام يخرج للفرجة في الزهر في مواسم الفرج، حيث يكون مجمع الناس، ويرى المنكر ولا يقدر على إزالته، وتخرج امرأته أيضًا معه، هل يجوز ذلك؟ وهل يقدح في عدالته؟ فأجاب: "ليس للإنسان أن يحضر الأماكن التي يشهد فيها المنكرات ولا يمكنه الإنكار، إلا لموجب شرعي: مثل أن يكون هناك أمر يحتاج إليه لمصلحة دينه أو دنياه لا بد فيه من حضوره، أو يكون مكرهًا. فأما حضوره لمجرد الفرجة، وإحضار امرأته تشاهد ذلك، فهذا مما يقدح في عدالته ومروءته إذا أصر عليه؛ والله أعلم"[62].

وهذه المسألة لا تنفك عموما عن مسائل في الدعوة إلى الله تعالى وعذر الخلق فيما يقعون فيه من المخالفات والمنكرات نظرا لكثرة الفتن وشيوع الفساد وقلة المصلحين النصحة والأئمة المجددين المتحلين بالعلم والفقه والعمل. وقد أشار ابن تيمية –رحمه الله- إلى أهل زمانه، وهو بلا شك أقل سوء من زماننا الحاضر، وما كان عليه الكثير من الوقوع في أنواع من الكفر، قائلاً: "وهؤلاء الأجناس وإن كانوا قد كثروا في هذا الزمان، فلقلة دعاة العلم والإيمان، وفتور آثار الرسالة في أكثر البلدان، وأكثر هؤلاء ليس عندهم من آثار الرسالة وميراث النبوة ما يعرفون به الهدى، وكثير منهم لم يبلغهم ذلك، وفي أوقات الفترات، وأمكنة الفترات، يثاب الرجل على ما معه من الإيمان القليل، ويغفر الله فيه لمن لم تقم الحجة عليه، ما لا يغفر به لمن قامت الحجة عليه، كما في الحديث المعروف (يأتي على الناس زمان لا يعرفون فيه صلاةً، ولا صياماً، ولا حجاً، ولا عمرة، إلا الشيخ الكبير، والعجوز الكبيرة، ويقولون: أدركنا آباءنا وهـم يقولون لا إله إلا الله، فقـيل لحذيفة بن اليمان: ما تغني عنهم لا إله إلا الله؟ فقال: تنجيهم من النار)[63]".[64]

يقول الشيخ عبدالرحمن بن ناصر السعدي –عند تفسيره لسورة هود وحديثه عن الفوائد المستنبطة من قصة شعيب عليه السلام مع قومه: "ومنها أن وظيفة الرسل وسنتهم وملتهم إرادة الإصلاح بحسب القدرة والإمكان، فيأتون بتحصيل المصالح وتكميلها أو بتحصيل ما يقدر عليه منها، وبدفع المفاسد وتقليلها، ويراعون المصالح العامة على المصالح الخاصة. وحقيقة المصلحة هي التي تصلح بها أحوال العباد وتستقيم بها أمورهم الدينية والدنيوية.

ومنها أن من قام بما يقدر عليه من الإصلاح لم يكن ملوما ولا مذموما في عدم فعله ما لا يقدر عليه، فعلى العبد أن يقيم من الإصلاح في نفسه وفي غيره ما يقدر عليه".. ثم يقول: "ومنها أن الله يدفع عن المؤمنين بأسباب كثيرة قد يعلمون بعضها وقد لا يعلمون شيئا منها، وربما دفع عنهم بسبب قبيلتهم أو أهل وطنهم الكفار، كما دفع الله عن شعيب رجم قومه بسبب رهطه، وأن هذه الروابط التي يحصل بها الدفع عن الإسلام والمسلمين لا بأس بالسعي فيها، بل ربما تعين ذلك لأن الإصلاح مطلوب على حسب القدرة والإمكان. فعلى هذا لو ساعد المسلمون الذين تحت ولاية الكفار وعملوا على جعل الولاية جمهورية يتمكن فيها الأفراد والشعوب من حقوقهم الدينية والدنيوية لكان أولى من استسلامهم لدولة تقضي على حقوقهم الدينية والدنيوية وتحرص على إبادتها وجعلهم عمَلَةً وخَدَمًا لهم. نعم إن أمكن أن تكون الدولة للمسلمين وهم الحكام فهو المتعين ولكن لعدم إمكان هذه المرتبة فالمرتبة التي فيها دفع ووقاية للدين والدنيا مقدمة والله أعلم"[65].

والخلاصة مما سبق هي أن:

- الشريعة في ذاتها مصلحة، وأن المفسدة التي قد تتخلل الأوامر الشرعية والمنفعة التي قد تتضمنها النواهي الشرعية غير مقصودة للشارع, وإنما يقصد الجهة الراجحة من المصلحة أو المفسدة. وهي عبارة مشهورة للفقهاء.

- إعمال الأحكام الشرعية في واقع الناس يختلف باختلاف الزمان والحال، ومنوط بفقه الناس لما يأتون وما يستقبلون من شأنهم. ولم يقع في الإسلام من الشرور والضعف والخلاف إلا بسبب قلة العلم وضعف الفقه وغلبة الهوى.

- إذا اجتمعت مصالح ومفاسد من واقع الحال، فإن أمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد عند قيامنا بالتكليف فعلنا ذلك امتثالا لأمر الله تعالى. فإذا تعذر الدرء ولم يكن من الفعل أو الترك بُدٌّ وكانت المفسدة أعظم من المصلحة، درئت المفسدة وإن كان ذلك بفوات المصلحة، فإن كانت المصلحة أعظم من المفسدة، حُصِّلت المصلحة وإن كان ذلك بالتزام المفسدة، فإن استوت المصالح والمفاسد تخير الإنسان بينها، أو توقف فيها إذا أمكنه التوقف، وكل ذلك داخل تحت قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم}.[66]

- أنه إذا اجتمعت مفسدتان من واقع الحال، فإن أمكن درؤهما معا كان ذلك الأوجب في دين الله، فإذا تعذر إلا درء أحدهما نُظِرَ في أيهما أعظم وارتكبت الأخف منهما، وسمي ذلك رغم كونه محرما في أصله طاعة، وهو مراد لله تعالى في تلك الحال. كما فعل الخضر مع أصحاب السفينة، ومع الغلام، كما في سورة الكهف.

- مفهوم ارتكاب المفسدة الأخف يلزم منه لوازم لا تنفك عنه، حسب كل حالة، فما كان لازما التزم به وإن كان وجها من وجوه المفسدة. وهذا ظاهر من كلام ابن تيمية وغيره في إعانة بعض الظلمة لاجتناب ظلم أعظم، أو الإنكار على المنكر على العصاة والظلمة ديانة لما قد يقع من منكر أعظم.

- النظر إلى مآلات الأمور وما قد ينشأ عن أي عمل -وإن كان مشروعا في أصله، أكان واجبا أو مستحبا أو مباحا- واجب شرعا.

- هذه المسائل تكثر مع بعد الزمان عن عهد النبوة، ومع غلبة الفساد وكثرة الخبث وتصدر السفهاء وجهل المتفقهين في الدين والتباس الأمور. وإن كانت في أصلها من ميراث النبوة ومن فقه السلف.

- موازنة المصالح والمفاسد والترجيح بينها أمر تقديري يختلف باختلاف علم وفقه ومدارك الناس، وتأثير مقاصدهم وحسن فراستهم، فهي مسائل اجتهادية، تتعلق بغير مجرد توفر النص ووجود القاعدة بل بالنظر والفكر والإعمال.

- هذه المسائل مدارها على الفقه بالدين ومراتبه ومقاصده وقواعده وأصوله وتفاضل الأمور فيه، والمعرفة بالواقع معرفة خبرة بالحياة وتعايش وخلطة للناس، ومعرفة سنن الله الكونية في الأنفس والمجتمعات، والقدرة على وزن الأمور واستشراف المستقبل بمعرفة المآلات وربط النتائج بمقدماتها كمنهج في التفكير المنطقي بعيدا عن العاطفة أو الأماني.

- أن هذه المسائل غاية في الأهمية في باب السياسة الشرعية نظرا لتعلق السياسة بأحوال الناس إصلاحا وفسادا، فإن إغفالها أو الخوض فيها بجهل أو بقلة فقه وعلم ومعرفة وخبرة له كثير أثر على معالجة الأمور وتدارك المصالح الدينية والدنيوية.

هذا مع التنبيه إلى أن هذا المبحث ذو صلة بمباحث أخرى لها علاقة بالدعوة والأخلاق، فإن ما يتعلق بتعامل المسلم عموما مع أهل المعصية أو البدعة أو الظلم أو الكفر لا يقتصر على جانب السياسة بل يشمل أوجه الحياة والعيش، فربما كان هؤلاء ذوي رحم له أو جيرة أو صحبة في عمل أو شراكة في مال، فكان عليه من واجبات الإحسان والمودة بما يقيم حقوق هذه القضايا، وما يمتثله من خلق حسن وتعامل كريم في سبيل تحبيبهم إلى الدعوة وتزيين الإيمان لهم. وهذا لا يخص عامة الناس بل وكذلك العلماء والمصلحين، فإن قيامهم بذلك يمثل القدوة لغيرهم. فإن مجرد وقوع الناس في المعاصي أو البدع أو الظلم أو الكفر لا يسقط اعتبار العيش معهم ومخالطتهم إلا في ظروف وشروط حددها الشارع وأمر بها. وقد قال تعالى: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}.[67]

والأصل اعتبار كل شيء في مقامه، والسعي في الجمع بين أوجه التكاليف المأمور بها سياسة أو خُلقا، فإن السياسة قد تقتضي خلاف الخُلق كما أن الخُلق قد يقتضي خلاف السياسة. فعن سعد بن أبي وقّاص -رضي الله عنه- قال: لما كان يوم فتح مكة اختبأ عبدالله بن سعد بن أبي السرح عند عثمان بن عفان، فجاء به حتى أوقفه على النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله بايع عبدالله. فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثاً، كل ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاث، ثم أقبل على أصحابه فقال عليه الصلاة والسلام: (أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله؟)، فقالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسك، ألا أومأت إلينا بعينك؟، قال: (إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين.[68]. فقد ترك الرسول –عليه الصلاة والسلام- أمرا كان يريده سياسة لما اتصف به من مكارم الأخلاق التي لا ينبغي للأنبياء التنزل عنها.

وختاماً:

فالواجب اليوم على العلماء والمصلحين مغادرة موقع الإنكار باللسان والتحذير من كل فتنة –سواء كانت معصية أو ظلما أو بدعة أو كفرا- إلى موقع الدفع، والتغيير، وتقليل المفاسد والشرور، أو إعانة القائمين على ذلك، أو التماس العذر لهم ونصحهم ظاهرا وباطنا مع الدعاء لهم، فإن الواقع اليوم يفرض تكاتف الجهود ومواجهة الشر والفساد بكل قوة وفقه وحكمة. فإذا لم يمكن منع طوائف الفسق والظلم والبدعة والكفر من شرورهم ولا دفعهم مطلقا، وهذه هي حقيقة الحال في غالب البلدان، فلا أقل من تقليل شرورهم وتضييق مفاسدهم. وللكلام بقية.

:: موقع مجلة البيان الالكتروني 



[1] رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب. وقد ضعف الحديث عدد من أهل العلم، وذهب بعضهم إلى تحسين الحديث لكثرة طرقه وشواهده، كما هو رأي الترمذي. وصححه الشيخ الألباني بمجموع طرقه، في السلسلة الصحيحة.

[2]  مجموع الفتاوى: ج13/65- 66.

[3]  عون المعبود، لمحمد شمس الحق العظيم آبادي، دار الفكر، ط 1995م، ص:387.

[4]  يونس: 83- 86.

[5]  كما ذهب إليه عدد من المفسرين.

[6]  طه: 47.

[7]  النساء: 97- 100.

[8]  النحل: 110.

[9]  انظر مثلا قوله تعالى: {فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي..}، و{الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}، و{لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ}، و{لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}.

[10]  أحيل القارئ الكريم لما كتبه الشيخ عبدالوهاب الطريري حول الفتوى وما أثير حولها في موقعه، وغيره من المواقع تحت عنوان: سجال فتوى ماردين.

[11]  الطريري يتحدث عن تفاصيل تحريف فتوى ابن تيمية عن القتال، الشرق الأوسط، في 7/5/2010م.

[12]  أخرجه أبو يعلى في مسنده، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، برقم 6049: ج3/334.

[13]  أخرجه الحاكم في مستدركه (ج5/669)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. والحديث في سنن ابن ماجه: ج2/1344.

[14]  بغية المرتاد، لابن تيمية: ص311.

[15]  أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الفتن، باب ذهاب القرآن والعلم: ج2/1344، والحاكم في مستدركه: ج4/520، عن حذيفة رضي الله عنه. والحديث قوَّى إسناده الحافظ في فتح الباري: ج13/16، وصحَّحه الألباني في السلسلة الصحيحة: ج1/171.

[16]  مجموع الفتاوى، لابن تيمية: ج11/407.

[17]  إعلام الموقعين: 3/11.

[18] الحجرات: 7.

[19]  البقرة: 216.

[20]  التوبة: 49.

[21]  رواه أحمد من حديث أنس، وهو صحيح. انظر: صحيح الجامع للألباني، رقم 6765.

[22]  أخرجه البخاري ومسلم.

[23]  أخرجه الحاكم وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وقال الذهبي: صحيح، ورواه البيهقي في الدلائل.

[24]  إعلام الموقعين: ج3/4- 5، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد، دار الجيل.

[25]  المائدة: 105.

[26]  مجموع الفتاوى: ج28/127.

[27]  التغابن: 16.

[28]  القصص: 50.

[29]  المرجع السابق.

[30]  يوسف: 53.

[31]  مجموع الفتاوى: ج28/167.

[32]  مفتاح دار السعادة: ج2/19.

[33]  مجموع الفتاوى: ج10/364. وانظر: ومجموع الفتاوى: ج20/56.

[34]  مجموع الفتاوى: ج1/265.

[35]  الرياض الناضرة والحدائق النيرة: ص230.

[36]  مجموع الفتاوى: ج10/512.

[37]  البقرة: 219.

[38]  الاستقامة: ج1/439.

[39]  مجموع الفتاوى: ج20/48، بتصرف في بعض المواطن الذي جرى التصحيف فيها ويقتضي الكلام خلافه، في ترتيب الأمثلة: الثاني، الثالث، الرابع، ويمكن الرجوع للأصل، لمعرفة خطأ المطبوع قطعا.

[40]  مجموع الفتاوى: ج20/55.

[41]  مجموع الفتاوى، مرجع سابق.

[42]  مجموع الفتاوى: المرجع السابق.

[43]  وهذه مسألة من أكثر النوازل حدوثا في القرون المتأخرة.

[44]  وهذه من المسائل المقطوعة عند البعض دون النظر إلى مفاسدها ومصالحها بإطلاق!

[45]  وهي مسألة اليوم تقترب من تمكن القوى العلمانية في كثير من الدول الإسلامية.

[46]  انظره: ج1/87.

[47]  المرجع السابق: ج1/88

[48]  المرجع السابق: : ج1/92.

[49]  المرجع السابق: ج1/129.

[50]  المرجع السابق: ج1/7.

[51]  إعلام الموقعين: ج3/7.

[52]  الموافقات: ج5/199.

[53]  الموافقات: ج3/528.

[54]  مسائل لخصها الشيخ محمد بن عبدالوهاب: ج1/88.

[55]  مجموع الفتاوى، لابن تيمية: ج20/305.

[56]  مجموع الفتاوى: ج17/307.

[57]  الموافقات: ج4/194.

[58]  مجموع الفتاوى: ج28/212.

[59]  وربما يشبه هذا أو مثله، تروي الرسول –صلى الله عليه وسلم- في شأن أهل قريش وقد عرض عليه الملك أن يطبق عليهم الأخشبين –جبلين بمكة- فقال: (بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا)، وفي هذا الإرجاء لعذاب الكفار وهم المقيمن على كفره وتكذيبه وعدواته والفساد في الأرض والصد عن دين الله نوع رضى بالمفسدة الأقل رجاء المصلحة الأعظم رغم عدم يقينية تلك المصلحة! فتأمله.

[60]  مجموع الفتاوى: ج28/396.

[61]  مجموع الفتاوى: ج28/591.

[62]  مجموع الفتاوى: ج28/239.

[63]  رواه ابن ماجة والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وصححه الألباني في (صحيح ابن ماجة).

[64]  مجموع الفتاوى: ج35/165.

[65]  تيسير الكريم الرحمن، السعدي، مؤسسة الرسالة، ط6- 1997م: ص345.

[66]  انظر: قواعد الإحكام: ج1/93.

[67]  الممتحنة: 8- 9.

[68]  رواه أبو داود والبيهقي.