«وكيلٌ على الصدقة».. الحاجة إلى مثل هذا العمل ماسّة، حيث لا يجد الأغنياء في دائرة معارفهم وأسرهم من تنطبق عليه شروط استحقاق الزكاة، فلا يعرفون سبيلاً لتوصيل زكاتهم إلى مصارفها الصحيحة إلا من خلال واسطة مأمونة بينهم وبين الفقير، ذلك الشخص هو: الوكيل على الصدقة.

وكلمة وكيل في اللغة العربية تدور بين المعاني التالية:

- وَكيل: وهو الذي يسعى في عمل غيره وينوب عنه فيه. والجمع: وُكلاءُ (المعجم الوجيز/ باب: وكل).

1 - من يفوض إليه أمر من الأمور: «وكيل الشركة، وكيل المتهم».

2 - من يعتمد عليه في تدبير أمر من الأمور.

3 - جريء.

4 - كفيل.

5 - و«الوكيل» من أسماء الله الحسنى، قال تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173]، أَيِ الْكَفِيلُ بِأَرْزَاقِ الْعِبَادِ.

الفرق بين «العاملين عليها» و«الوكلاء على الصدقة»:

قال الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله - في «الشرح الممتع»: «فالعاملون عليها هم الذين تولوْا عليها، فالعمل هنا عمل ولاية وليس عمل مصلحة، أي: الذين لهم ولاية عليها، ينصبهم ولي الأمر.

وهم الذين ترسلهم الحكومة لجمع الزكاة من أهلها، وصرفها لمستحقيها، فهم ولاة وليسوا أجراء، وإنما قلت هذا لأجل أن يفهم أنّ من أعطي زكاة ليوزعها فليس من العاملين عليها بل هو وكيلٌ عليها» أ. هـ.

ويترتب على هذا البيان فارق مهم جداً، وهو أنّ العاملين عليها أصحاب سهم من السهام الثمانية لمستحقي الزكاة؛ لأن هذا هو عملهم الذي كُلِّفوا به من ولي الأمر، وتفرغوا له، وأصبح مصدراً لكسب رزقهم، ويلزمهم لأدائه الذهاب إلى المدن والقرى من أجل إحصاء الزكاة وجبايتها من مصادرها.

أما الوكيل على الصدقة فبخلاف ذلك، فدوره ينحصر في الوكالة عن الغني في توصيل الزكاة والصدقة إلى مستحقيها، وهو وكيلٌ في الوقت ذاته عن الفقير في قبض الزكاة.

وقد تقوم المؤسسات والجمعيات الخيرية بهذا الدور بكفاءة في كثير من البلاد، لكن هذا الحديث موجَّه في المقام الأول إلى من يقوم بهذا الدور من الدعاة والمصلحين وأئمة المساجد بشكل فردي؛ حيث تكون العلاقة بين كلٍّ منهم وبين الفقير أكثر قرباً، ومرات اللقاء أكثر تكراراً، ما يتيح الفرصة أمام الوكيل للقيام بدوره الدعوي والتربوي مع الفقير.

أهمية دور الدعاة في العناية بالفقراء:

لا شك أنّ الفقر من المصائب التي يمكن أن تسبِّب الفتنة في الدين إذا انضم إليها الجهل وضعف الإيمان؛ ولذلك تعدّه حركات التنصير مدخلاً جيداً تجد فيه بغيتها، خاصةً في الأماكن والظروف التي يعاني فيها الأفراد فقراً شديداً؛ كأماكن المجاعات، وفي أعقاب الحروب والكوارث، وبين مخيمات اللاجئين. كما أن البيئة الفقيرة تعد مناخاً جيداً لنمو عديد من الأمراض النفسية؛ كالحقد والحسد، وكذا الانحرافات الخلقية؛ مثل السرقة، والقتل، والزنا بأنواعه، وبيع المحرمات وتعاطيها..! وأهل الدعوة هم أحق وأوْلى من يتحمّل مسؤولية مكافحة تلك الأمراض وعلاجها من خلال رعاية الفقراء والمساكين في كل مجتمع؛ فهناك ارتباط وثيق بين الدعوة إلى الله والعناية بسد حاجات الناس، لأن القلوب جُبلت على محبة من يحسن إليها، ويسعى في مصالحها، وطريق الدعاة إلى قلوب الناس مع الإحسان أيسر، ورحم الله من قال:

أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم

فطالما استعبد الإنسانَ، إحسانُ

وكن على الدهر معواناً لذي أمل

يرجو نداك فإنّ الحر معوانُ

ويتركز عمل الوكيل الدعوي والتربوي مع الفقير على محورين:

لأن الفقر مظنة الفتنة في الدين؛ فقد كان صلى الله عليه وسلم يتعوذ بالله تعالى من الفقر قارناً إياه بالكفر، فعن أبي بكرة قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر، وعذاب القبر» - صحيح على شرط مسلم -، لذلك يحرص الداعي على تربية الفقير إيمانياً من خلال إثارة القضايا الإيمانية التالية لديه وتصحيحها:

- تصحيح عقيدة الفقير فيما يتعلق بقضيتيْ الرزق والإيمان بالقضاء والقدر من خلال إلقاء الحقائق المؤيدة بالآيات والأحاديث، مثل قول الله تعالى: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [هود: ٦]، وأن خلو الأرض من الفقر وبسط الرزق للناس جميعاً أمر يسير على الله تعالى، عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى: «... يا عبادي لو أنّ أولكم وآخركم وإنسكم وجِنَّكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر..»[1].

لكن حكمته عزّ وجلّ اقتضت أن يكون الناس درجات في أرزاقهم، قال تعالى: {وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [النحل: 71].

وهكذا إلى أن نصل بالفقير إلى الرضا والتسليم لحكمة الله تعالى في تقسيم الأرزاق.

- ربط الفقير بأسماء الله تعالى من خلال العبارات اليسيرة التي تولّدها المواقف ونوعية الحديث الذي من المتوقع أن يدور بين الفقير والوكيل على الصدقة، مثل أسماء الله تعالى: الرزّاق، والحكيم، والغني، والكريم.

- توجيه الفقير إلى فضيلة الصبر على مصيبة الفقر والاستبشار بأجرها العظيم في الآخرة، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام» (مشكاة المصابيح - 5172) وصححه الألباني.

- دفع الفقير بمنتهى القوة إلى عبادة الدعاء والتضرع وبثّ الأمل في نفسه مستمداً من الرجاء في الله تعالى، وتعليمه – إن كان جاهلاً - آداب الدعاء، وأسباب الاستجابة، وكذلك دعوته إلى أداء العبادات التي دلت النصوص على أنها تعد سبباً مباشراً للرزق، مثل: لزوم التقوى، وكثرة الاستغفار.

- في لحظة العطاء وتفريج الكرب لا بد من ربط الفقير بالله تعالى وحده، وأنه صاحب الفضل والمنة فيما يصل إليه من خير، ونهيه عن نسبة الفضل إلى الوكيل نهائياً، بل إنّ الله تعالى هو الذي سخر الوكيل لخدمة الفقير، ولو لم يكن موجوداً لسخّر له من هو خير منه لقضاء حاجته، مع ترديد الآيات الدالة على هذه المعاني على سمع الفقير مراراً، مثل قول الله تعالى: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [النحل: 53]، وقوله عزّ وجلّ: {إنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْـمَتِينُ} [الذاريات: 58].

- قد يعجز الفقير عن تعلّم الدين، فمن حقه على الدعاة أن يوفروا له الكتب ونفقة المواصلات إلى الدروس وحلقات التحفيظ، أو إمداده بالمواد المقروءة والمسموعة التي تناسبه.

- توجيه الفقير إلى ضرورة الأخذ بكل الأسباب المتاحة له لإزالة وصف الفقر عن نفسه، والانتقال إلى حال الكفاية والاستغناء عن مذلّة السؤال، وقد كان هذا هو منهج النبي صلى الله عليه وسلم في توجيه الفقير القادر على العمل.

ولا بأس بمساعدته على إيجاد سبل الكسب الحلال، وترغيبه فيه، فأطيب ما أكل المرء ما كان من عمل يده، عن المِقدامِ بن معدي كرب - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكُل من عمل يديه، وإنّ نبي الله داود كان يأكل من عمل يده» - أخرجه البخاري.. كما أن البطالة مع القدرة على العمل تعد نقيصة يذم بها المرء، رُوي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: «إني لأرى الرجل فيعجبني، فإذا سألت عنه فقيل لا حرفة له سقط من عيني».

كل ذلك لن يحتاج إلى كثيرٍ من الوقت، لكن يحتاج من الداعي إلى أن يتقن إلقاء الموعظة القصيرة المؤثرة التي تتناسب مع الموقف، وأن يحسن توجيه الفقير إلى التعلق بالله وحده ورد الفضل إليه عز وجل دائماً.

ويتأكد في حق الوكيل على الصدقات أمور، من أهمها:

- استشعار ما يجمعه هذا العمل من شرف الاصطفاء وثقل الأمانة.. أما الشرف فلِمَا ورد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّـهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ لِلَّهِ عَبَّادًا اخْتَصَّهُمْ بِالنِّعَمِ لِمَنَافِعِ الْعِبَادِ، يُقِرُّهُمْ فِيهَا مَا بَذَلُوهَا، فَإِذَا مَنَعُوهَا نَزَعَهَا مِنْهُمْ، فَحَوَّلَهَا إِلَى غَيْرِهِمْ»[2]. ولِما يترتب على هذه الوظيفة من الأجر الكبير عند الله تعالى، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله أو القائم الليل الصائم النهار»، وَمَعْنَى السَّاعِي الَّذِي يَذْهَب وَيَجِيء فِي تَحْصِيل مَا يَنْفَع الأَرْمَلَة وَالْمِسْكِين[3].

وأما ثقل الأمانة؛ فلقول الله تعالى: {إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا وَإذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء: 58]، وعن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك»[4]، وهذا الأمر يعم جميع الأمانات الواجبة على الإنسان؛ من حقوق الله عز وجل على عباده، ومن الصلوات والزكوات والصيام والكفارات والنذور، وغير ذلك مما هو مؤتمن عليه لا يطلع عليه العباد، ومن حقوق العباد بعضهم على بعض كالودائع، يقول الشيخ محمد رشيد رضارحمه الله -: «والأمانة حق عند المكلف يتعلق به حق غيره ويودعه لأجل أن يوصله إلى ذلك الغير كالمال والعلم، سواء كان المودَع عنده ذلك الحق قد تعاقد مع المودِع على ذلك بعقد قولي خاص صرح فيه بأنه يجب على المودَع عنده أن يؤدي كذا إلى فلان مثلاً، أم لم يكن كذلك»[5].

- يحتاج الوكيل على الصدقة أيضاً إلى الإلمام بالأحكام الفقهية التي تتعلق بأحكام الزكاة والصدقات، ومطالعة هذه الأبواب في كتب الفقه، وكذلك التواصل مع العلماء الثقات لسؤالهم إذا عرض له ما يحتاج معه إلى سؤال أو فتوى؛ وذلك حتى يكون تصرفه صحيحاً منضبطاً بأحكام الشرع محققاً لمقاصده فيما وكل إليه من أموال الزكاة والصدقات.

وأخيراً:

إنّ الوكالة على الصدقات[6] رافدٌ من أهم روافد الدعوة، ومن خلاله يستطيع الدعاة أن ينهضوا بشريحة كبيرة من المجتمع، ويسدوا عنهم أبواب الفتنة، ويثبّتوهم على الدين، فما كانت مهمة الداعي لتقتصر على بث العلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقط، لكن المقصود أن تتكامل أعمالنا الدعوية؛ فلا ندع باباً إلا ولجناه، ولا جادة إلا سلكناها، وتلكم هي الدعوة الصادقة التي تجعل حياة الداعية كلها دعوة إلى الله تبارك وتعالى.

 

:: مجلة البيان العدد 310 جمادى الآخرة 1434هـ، إبريل - مايو 2013م.


[1]أخرجه مسلم (2577).

[2] أخرجه ابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج (1/24 ، رقم 5) - وحسَّنه الألباني (صحيح الجامع، رقم 2164).

[3] فتح الباري/ كتاب: الأدب، رقم: 5660.

[4] أخرجه الإمام أحمد.

[5] تفسير المنار/ ج5، ص: 137.

[6] المقصود هنا هو الصدقات بمعناها الشامل الذي يتضمن الزكاة المفروضة، وما سواها من أنواع الصدقات الأخرى، قال تعالى: «خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها» (التوبة: 103).. قيل: هي صدقة الفرض؛ قاله جويبر عن ابن عباس/ الجامع لأحكام القرآن للقرطبي.