في هذا الجزء من المقال سنبحث في العلاقات بين مفهوم الفرقة الناجية وعدد من المفاهيم التي أثيرت حوله؛ إما بقصد المعارضة للمفهوم أو الموافقة، وكذلك سنسرد جملة من الشبه المعاصرة حول هذا المفهوم.

الفرق الناجية ومفهوم التعددية

من المفاهيم المعاصرة التي راجت في الغرب الحديث، مفهوم (التعددية)، وهذا المفهوم تضخم حتى بات من أركان الفكرة الليبرالية التي تسيطر على الذهنية الغربية.

مفهوم التعددية نشأ اضطراراً كعلاج لمعضلة الاستبداد الكنسي الذي ساد في مراحل معينة من تاريخ أوروبا بين الطوائف العقدية آنذاك.

الحصار الكنسي المفروض على الحياة الطبيعية للناس، وضّح مفاهيم مغلوطة ومشوهة عن الدين وعن طريقة التعايش مع الآخر المخالف، ما زاد من احتقان شرائح من الناس، وبالأخص طبقة (الفلاسفة)، الذين سارعوا لحمل لواء التغيير والإصلاح.

الفلاسفة تنادوا بضرورة وجود علاج جذري لمعضلة التعصب الديني، فجاءت حزمة من المفاهيم التي تنشد ملحمة الإصلاح في جدار العقلية الكنسية الذي بدأ يتهشم تحت الضربات المتلاحقة، فأمست أسماء فلاسفة كروسو ولوك وفولتير ومونتسكيو، وآخرين، تُتداول على الألسنة.

مفهوم التعددية ليس نوعاً واحداً بطبيعة الحال، فهناك التعددية العقائدية، والفكرية، والسياسية، والعرقية.

وهناك ترابط واضح بين هذه الأنواع؛ فالتعددية العقائدية تؤدي إلى تعددية سياسية.

والتعددية في المنظومة الليبرالية ليست مجرد إطار للتعايش السلمي بين المختلفين عقدياً وفكرياً، وإنما أمست (أيديولوجيا) لا بد من الإيمان بها في ظل المناخ العلماني المعاصر.

وكما قيل «العلمانية هي نزع القداسة من مفاهيم دينية قديمة وإلباسها على مفاهيم حديثة معاصرة؛ كالتعددية ونحوها».

عدد من الباحثين العرب، وتماشياً مع (ظاهرة الجدل) الغربي، حاول البحث في ثنايا التراث الإسلامي لإبراز شواهد على أنه يقبل التعددية وفق التصور الليبرالي، حتى أوصلهم البحث إلى (وثيقة المدنية)، فكانت لهم أبرز مثال على ما يطمحون إليه، وجعلوها اعترافاً من التراث الإسلامي بالخلاف العقدي والفكري، واحترامه والتسامح معه، وجعل كافة أطياف المجتمع على قدم المساواة بناء على الرابطة الوطنية لا العقدية.

وهناك فريق آخر أنكر مطلقاً وجود مفهوم التعددية في الإسلام، وعزاه إلى شيوع وصلابة مفهوم (الفرقة الناجية)، وهذا ما يهمنا في هذا البحث.

وتعد الجناية الكبرى في ظل انتشار المفاهيم المعاصرة هي إنزال التصورات الليبرالية الحديثة على التراث الممتد عبر أربعة عشر قرناً، وهذا يعد خللاً منهجياً وانتكاسة علمية وقصوراً في الوعي.

فالتعددية موجودة في التراث الإسلامي بمعنى آخر مغاير عن المعنى الليبرالي، حيث إنها موجودة في نطاق الاجتهاد الفكري والفقهي والسياسي، «فالتعدد الفكري مثلاً على نوعين:

النوع الأول: السماح بالتعدد المصادم للإسلام؛ مثل: الإذن للأحزاب الشيوعية والعلمانية، وهذه تعددية ممنوعة ولا يصح الإذن بها.

النوع الثاني: السماح بالتعدد الملتزم بالإطار الإسلامي، بحيث يسمع للآراء والمذاهب التي لا تخرج عن دائرة الاجتهاد مع اتفاقها على الأصول والكليات الثابتة[1]».

والنوع الثاني هو: التعددية بالتصور الإسلامي، وهي المقبولة.

والاختلاف في الأصول لم يعلم عن الصحابة خبر عنه؛ فالأصل لديهم هو الدعوة إلى توحيد الأصول العقدية حتى لا تؤول الفرقة إلى شقاق وتناحر و(اقتتال)، لكن الرؤية الليبرالية عندما عجزت عن توحيد الأصل العقدي دعت إلى إهماله وتهميشه مقابل المناداة بالتعددية المطلقة.

يقول ابن تيمية: (والمقصود أن الصحابة لم يقتتلوا قط لاختلافهم في قاعدة من قواعد الإسلام أصلاً...)[2].

ومن ثم نستطيع القول: إن التعددية المقبول بها هي ما كان في نطاق الاجتهاد الفقهي والسياسي والفكري الذي لا يتعارض مع ثوابت الدين، وهذا لا يتعارض مع مفهوم (الفرقة الناجية).

الفرقة الناجية و(الطائفة المنصورة):

يرى عدد من العلماء أنه لا فرق بين مفهومي (الفرقة الناجية) و(الطائفة المنصورة)؛ فكما أن المفهوم الأول هو ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه، فكذلك تكون الثانية، ولا تنحصر في المجاهدين في سبيل الله كما يقول بعضهم.

قال النووي في شرحه على مسلم لحديث (لا تزال طائفة من أمتي...): وقال البخاري: هم أهل العلم.

وقال أحمد: إن لم يكونوا أهل الحديث فمن هم؟

قال النووي: «ومنهم شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم محدثون، ومنهم زهاد...».

وذهب الشيخ الألباني رحمه الله إلى أن المفهومين بينهما عموم وخصوص، حيث ذكر أنه ليس كل من كان من الفرقة الناجية هو من أهل العلم[3].

وذهب الشيخ مقبل الوادعي إلى أن الطائفة المنصورة أرفع من الفرقة الناجية؛ لأن المنصورة تقاتل من قاتلهم، بخلاف الناجية[4].

الفرقة الناجية والأمة المرحومة:

من مناهج الخلل المنهجي في التعامل مع أحاديث السنة، اجتزاء الحديث من بين عدة نصوص مترابطة ولها علاقة، وكذلك التسرع في رد الحديث لأول مرة بدعوى معارضته القرآن والسنة أو العقل.

وهذا الخلل تجده واضحاً عند من ردوا حديث الافتراق بدعوى معارضته أحاديث أخرى صحيحة، كحديث (لا تجتمع أمة على ضلالة).

والحديث حسن لتعدد طرقه وشواهده، وقد جاء عن الترمذي وابن ماجه وأبي داود، وأكد ابن حجر أن حديث (لا تزال طائفة من أمتي...) يؤكد هذا المعنى.

إذن ابن حجر لم يجعل الحديث معارضاً لحديث الافتراق، بل جعله مؤكداً لذات المعنى، وهو أن الأمة لا تجتمع على ضلالة، أي ستظل من هذه الأمة طائفة ظاهرة بالحق وناجية تقوم بأداء الحق.

قال ابن حزم: (فصحّ أنه لا تجتمع أمة محمد صلى الله عليه وسلم على غير الحق؛ لأنه قد أنذر بأنه لا يزال منهم قائم بالحق)[5].

وأما من عارضه بحديث (للمجتهد أجران وللمخطئ أجر)، فإن الأجر والأجرين يكون في الاجتهادات الفقهية لا في الأصول العقدية محل الاتفاق.

وكثيراً ما أورد المعترضون على حديث الافتراق حديثاً آخر يعارضه، وهو حديث (أمتي مرحومة). ونص الحديث: (أمتي مرحومة، ليس عليها عذاب في الآخرة، عذابها في الدنيا الفتن والزلازل والقتل).

والصحيح كما هي فتوى اللجنة الدائمة للإفتاء، أن حديث (أمتي مرحومة) معلول وفيه عبد الرحمن الهذلي المسعودي، وفي متنه نكارة وشذوذ، ومخالف لأحاديث أن أمة محمد سيعذبون في الآخرة كما في حديث الشفاعة[6].

وعلى فرض صحة الحديث، كما ذهب إليه بعض المعاصرين، إلا أنه لا ينفي تعذيب العصاة وأهل البدع يوم القيامة؛ لكثرة الأحاديث الواردة في هذا الباب.

مفهوم (التجديد في الدين) والفرقة الناجية:

بعض من تناولوا قضية (التجديد في الدين) تكلموا عن حديث الفرقة الناجية على أنه من الأحاديث التي تحمل في طياتها البشرى بحفظ الدين، ولأن من ركائز التجديد المحمود: الثبات في العقائد والأصول، ومن هنا تلتقي مع مفهوم الفرقة الناجية، حيث إن التجديد بالمعنى الأصيل هو محاولة العودة إلى ما كان عليه الدين يوم نشأ وظهر حتى يعود إلى صورته الأولى؛ لذا يكون أصحاب الفرقة الناجية مجددين من هذه الحيثية.

وأما التجديد بمعناه المنحرف، فهو نسف المقدمات والأصول كما يقول علي حرب عن حسن حنفي بأنه في مشروعه لتجديد العقيدة أراد نسف المقدمات والأصول وزعزعة البديهيات[7].

نقض الشبهات المعاصرة:

(1) شبهة التفسير السياسي:

الهوس بالتفسير السياسي في الفكر العربي المعاصر تضخم كثيراً حتى بات هو المفتاح لتفسير كل حوادث التاريخ، يقول عبد الجواد ياسين: (السلطة هي مفتاح التاريخ... لعبت السلطة دوراً جبروتياً طاغياً في تشكيل العقل...)[8].

حتى وصل الأمر إلى إخضاع النص الشرعي لهذا النمط من التفسير الذي يفيد بأن صاحبه استبعد المؤشر الديني في نشوء الأحداث والوقائع على مدار التاريخ، حتى آلت المسألة إلى (مركزية العقل المادي) و(استبعاد الغيبيات).

يقول محمد أركون عن حادثة جمع القرآن: (وقد وضع هذا المصحف عند عائشة بنت أبي بكر وزوجة النبي. هذه السور القرآنية ستستخدم مباشرة بصيغ جدالية هدفها الصراع على السلطة السياسية)[9].

ومن يلجأ إلى هذا النمط من التفسير يزعم أن هناك ما يسمى (اللا شعور السياسي)، وهو أن المواقف الدينية وراءها دائماً مواقف سياسية تؤثر وتتحكم فيها، فلا بد من التعامل مع تلك الآراء على أن وراءها أمراً مسكوتاً عنه ولا مفكر فيه[10].

وإن دور المفكر العربي عدم الوقوف على ظواهر الأسباب، بل الحفر في العمق يكشف عن حقيقة المؤثر السياسي، والحقيقة أن هذا التفسير يمثل إسقاطاً غير علمي وتشويهاً متعمداً واتهاماً في دواخل النفس البشرية ليس عليه دليل ولا بينة، بل مجرد تعسف وتكلف.

وسيظل التغيير السياسي مجرد آراء خالية من البراهين والبيّنات، وتجد اختلافات كبيرة بين أصحاب هذا التفسير وتكهنات واسعة لا تجتمع تحت مظلة واحدة؛ لذا هي تظل محل شك وريبة من الباحث الحقيقي الذي سيشعر أنها تشمل رؤية أيديولوجية للمفكر العلماني، عدا مسألة الجهل بالواقع التاريخي كما في نقل محمد أركون السابق!

(2) شبهة نسبية الحقيقة:

من سبل تعويم الحقيقة دعوى استحالة الوصول إليها وامتلاكها والتعامل مع حقائق النصوص السماوية المحكمة في فتوى واحدة مع الرأي البشري؛ وكل هذا للعمل على إزاحة اليقينات وإسباغ مفهوم الشك على كل المفاهيم.

عند عرض أقوال المعاصرين عن حديث الافتراق، حصلنا على نمطين من أنماط تعويم الحقيقة:

دعوى أن كل الفرق المالكة تدّعي أنها صاحبة الحق وتدلل على ذلك الزعم.

دعوى أنه يستحيل الحصول على الحقيقة.

فالدعوى الأولى فيها قدر من السذاجة، فليست العبرة بما يدّعيه ذلك المنحرف عن سننه، بل لا بد من أن يبرز صحيفة من البراهين تدعم رأيه لكيلا يظهر بمظهر العاري عن الحقيقة، والعبرة بقوة الأدلة ومدى توافقها مع نصوص الوحي.

والزعم الآخر يمثل تياراً معاصراً تمثله مدرسة ما بعد الحداثة، وهي تعويم الحقيقة بدعوى أن الفكر المنغلق والأحادي هو الذي يتبنى أصولاً ثابتة وحقيقية مطلقة، وهذا الفكر سيدافع عن صحة أصوله وسيتهم غيره بالمروق والكفر، وتنشأ النزاعات، ولكي يعيش الناس في تسامح لا بد من تقويض الحقيقة والقول بنسبتها.

وهذا التيار أفسد الغاية من البحث عن الحقيقة، وأفسد اللذة المعرفية النفسية الحاصلة بعد العثور عليها، وأفسد الفواصل المعتبرة في كل الأديان بين إنسان الحقيقة وإنسان الشك؛ لذا يكتفى للتدليل على بطلان هذا التيار برؤية الآثار السيئة التي أفرزها في الحقل الثقافي بالغرب، حيث شرعت اتجاهات معاصرة في إدانة مثل هذه الفوضى والحيرة التي يدعو إليها هذا التيار.

(3) شبهة مخالفة الواقع:

يستدل بعض المعاصرين عند تهميشه مفهوم (الفرقة الناجية)، بالواقع، وبأن عدد الفرق لم يصل واقعياً إلى العدد المذكور في الحديث. ولقد حاول كثير ممن كتب في هذا الحديث استيفاء الفرق المبتدعة، وحاولوا إحصاء تلك الفرق مع كثير من التكليف والمبالغة، لكن الصحيح والحق أن تقصد استيفاء العدد، وليس هو المراد من الحديث، فالحديث لم يقصد زمناً معيناً، بل هو إلى قيام الساعة، وهذا مما يدخل في علم الغيب.

لكن الافتراق يشهد له الواقع، وكل فرقة ضلت عن طريق السنة وأورثت فرقة أخرى ومناهج شتى، والاعتصام لا يكون إلا حول مرتكزات حددها الوحي وبلغ عنها الرسول صلى الله عليه وسلم.

وذهب بعض العلماء إلى أن المقصود من العدد هو التكثير، وأن مفهوم العدد مطرح، فليس محصوراً في ثلاث وسبعين فرقة، وأن النصارى اختلفوا أكثر من اليهود، وأن المسلمين أكثر من النصارى.

(4) شبهة أن الفرقة الناجية هي أمة الإجابة:

من ينظر في حال أمة الإجابة اليوم يجد أنها استوعبت كافة الفرق البدعية حتى الغلاة منها؛ كغلاة الصوفية والشيعة والخوارج ونحوها، فكيف يقال إن هؤلاء كلهم على طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه، والتغافل عن حجم الانحراف المذهل في منطلقاتهم العقدية والمصادمة لأصول الدين أحياناً.

(5) شبهة أن الاختلاف ضروري وهو واقع قدراً:

يخلط أصحاب هذه الشبهة بين الأمر القدري والشرعي، فيرضون ويقرون شرعاً بالخلاف العقدي لأنه واقع قدراً، يقول محمد سليم العوا: (الناظر في مسألة التعددية يلحظ أنه واقع لا يسع إنكاره، والاختلاف حق للمختلفين)[11].

وهذا خلط بين الإرادتين الشرعية والكونية؛ فالكفر والشرك والزنى وأنواع الموبقات المحرمة شرعاً واقعة قدراً، فهل يسوغ الرضا بها والتعايش معها؟!

بل لا بد من العمل والنصح وبيان الموقف الشرعي من الانحرافات عن منهج الفرقة الناجية بالأسلوب الشرعي والأمثل، وعدم المحاباة والتنازل في دين الله.


- موقف الفكر المعاصر من مفهوم الفرقة الناجية (1-2)

- موقف الفكر المعاصر من مفهوم الفرقة الناجية (2-2)

 

:: مجلة البيان العدد  326 شوّال 1435هـ، أغسطس  2014م.


[1] بحث التعددية الفكرية، الدكتور خالد المزيني، مجلة تأصيل، ص 54.

[2] منهاج السنة (6/336).

[3] السلسلة الصحيحة، المجلد الأول، 932.

[4] الأجوبة السديدة، (1/131).

[5] الإحكام في أصول الأحكام، ابن حزم، (1/540).

[6] فتاوى اللجنة الدائمة، الجزء 4.

[7] انظر: التجديد في الدين، عدنان إمامة، 388.

[8] السلطة في الإسلام، عبد الجواد ياسين، ص 8.

[9] تاريخ الفكر الإسلامي، أركون، 88، (مع العلم أن المصحف حفظ عند حفصة رضي الله عنها وليس عائشة، لكنه جهل المؤلف!).

[10] انظر: التفسير السياسي، سلطان العمري، ص 39.

[11] التعددية العقائدية، ص 289.