هل النحو صعب؟

هل النحو صعب؟


ضعف مستوى المتعلم عام وليس خاصا بالنحو.

من الأفكار الشائعة أنّ النحو صعب، فلا يكاد يعرف المتعلم في مراحل مختلفة من التعليم شيئا عن النحو إلاّ أنه مادة صعبة، ولا شكّ أنّ شيوع هذه الفكرة من أهم ما ينفّر من النحو. ولا أقصد هنا بصعوبة النحو، العجز عن استيعاب بابي التنازع والاشتغال، والعلل الثواني والثوالث...فهي أبواب ملغاة في الكتب المدرسية، بل أقصد أنّ المتعلّم لا يملك فكرة عن النظام النحوي، فحين يكتب أو يتحدث لا يراعي رفع ما ينبغي أن يرفع، ونصبَ ما ينبغي أن ينصب...

إنّ مستوى المتعلم هابط ليس في النّحو فحسب[1]، فلا أحد يصدّق اليوم ما قاله أحمد درويش[2]. فالعجز ليس خاصا بالنحو، كما يريد بعض الباحثين أن يشيعوه بين الناس، ليومئوا أنّه ينبغي استبداله بالعامية.

هل النّحو صعب؟

كثرة المؤلفات النحوية تدل على أنّ هناك مشكلة، ولعلّ الكثرة لا تدلّ على أنّ النحو صعب لذاته، بل تدلّ على أنّ طريقة تقديمه لم تكن تسهّل تعلّمه، لذلك نجد النحاة  يذكرون أنهم سيسهلونه، بثلاث سبل: اختصار الكتاب النحوي، بحذف كل الزوائد من التعليلات والاستطرادات، واختلاف الأحكام النحوية، وتسهيل لغة وعبارات المؤلَّف النحوي[3]، و ترتيب الأبواب ترتيبا مفيدا.

لقد أدرك النحاة قديما أنّ التطويل واضطراب الترتيب ووعورة لغة التأليف يعسّر فهم النحو وينفّر المتلعم منه، لذلك ألّفوا كتبا مختصرة كثيرة، واجتهدوا في تبويب النحو تبويبا منهجيا، قال عبد القاهر الجرجاني (471هـ): "هذه جمل رتبتها ترتيبا قريب المتناول "[4]. وذكر  الأنباري (ت.577هـ)  أنه ألّف كتاب "أسرار العربية"، خاليا من الإسهاب والتطويل[5]، وألّف ابن عصفور (669هـ)، "المقرّب"، ليقرِّب النحو إلى أذهان الناس بحسن ترتيب الأبواب، وسهولة اللفظ[6].

هذا يثبت أنّ النحاة يعترفون ضمنيا أنّ للتأليف النحوي عيوبا ثلاثة: التطويل، واضطراب التبويب، والتعقيد اللغوي ، وقد ألفت مئات من الكتب النحوية - قديما وحديثا- تسعى كلها إلى تجاوز هذه العيوب.

فالنحو ليس صعبا لذاته، فموضوعاته سهلة الإدراك، فليس هناك صعوبة في معرفة معنى الإعراب والبناء، وليس صعبا معرفة أنّ المعربات أربعة: مرفوعات ومنصوبات ومجرورات ومجزومات،... لكن المشكلة التي مازلت قائمة هي عجز المتعلم عن استعمال  القواعد، فهو يعرف أنّ الفاعل اسم مرفوع... لكن حين يكتب أو حين يتحدث لا يطبق.

سبل تجاوز صعوبات تعلّم النحو.

مشكلة عدم قدرة المتعلم على استعمال قواعد النحو تعود إلى تعويده على حفظ القواعد حفظا آليا، وهذا ما أشار إليه ابن خلدون قديما، إذ رأى أن اكتساب اللغة العربية، لا يتحقق إلا باستعمال المحفوظ، قال ابن خلدون : "وعلى قدر المحفوظ وكثرة الاستعمال تكون جودة المقول المصنوع نظما ونثرا"[7]. و الحفظ الآلي معناه أن المتعلم يحفظ القواعد دون فهمها، والعيب ليس في المتعلّم دائما بل في طريقة التدريس، ذلك أن التّحفيظ ما زال مهيمنا.

وأظنّ أنّ مشكلة عجز المتعلم عن استعمال ما تعلمه من قواعد نحوية، يرجع أيضا إلى غموض مفهوم النحو عنده، فهو لا يعرف فائدة النحو، فلو أدرك أن عناصر الجملة العربية كلها تخضع لنظام نحوي، بحيث لا يُرفع مرفوع ولا يُنصب منصوب ولا يُجر مجرور ولا يُجزم إلا لسبب (عامل)، لو اتضحت هذه الفكرة في ذهنه وتمثلها تمثلا صحيحا، لاكتشف بنفسه سهولة النحو وحلاوته. لكن المتعلم يكتب ويتحدث وذهنه خال من هذه الفكرة حول نظام تركيب عناصر الجملة في اللغة العربية.

ولعّل أفدح خطأ جنى على تعلم النّحو، هو تغييب تدريس نظرية العامل للمتعلم في المراحل الأولى لتعلّم النحو، بدعوى أنها نظرية صعبة الإدراك، وأن لا فائدة لها في تعليم النحو للمتعلمين الناشئين، إنه لن يتمثل طالب النّحو العلاقات التركيبية في الجملة العربية، ولن يستعمل قواعد النحو استعمالا واعيا، إلاّ إذا علم أنّ أصول النّحو وقواعده مصوغة وفق نظرية العامل، من طبيعة الحال لا نقصد أن يدرس المتعلم تفاصيل النظرية كلها، بل ينبغي أن يعرف كلّ ما يساعده على تمثل نظام الكلام العربي.

أحسب أنه آن الأوان لإعادة النظر في طرق تدريس النحو، بالتركيز على إفهام القواعد لا تحفيظها، فلا قيمة لقواعد تحفظ عن ظهر قلب ولا يستطيع حافظها أن يستعملها، لا بد من توجيه الجهود ليستثمر متعلم العربية ما تعلمه من قواعد.   لا بد من إعادة النظر في برامج تدريس النحو، وذلك ببدء كلّ كتاب مدرسي بمقدمة حول أهمية النحو وفائدته، ولا بدّ من أن تشتمل هذه المقدمة على تعريف مبسط لنظرية العامل، كي يستوعب المتعلم نظام الكلام العربي. إنّ لنظرية العامل أهمية كبرى في إدراك العلاقات التركيبية بين أجزاء الجملة العربية، لا بدّ من أن يعرف المتعلم معنى العامل والمعمول والعمل...هذه بعض الحلول السهلة الممكنة التي نظن أنها قادرة على تحبيب النحو للمتعلم.

 :: موقع مجلة البيان الالكتروني

 


[1] المجلس الأعلى للتعليم. حالة منظومة التربية والتكوين وآفاقها. التقرير السنوي 2008.ج.الأول. ص.29.

[2] إنقاذ اللغة من أيدي النحاة. حوار جذري حول مشكلات العربية المعاصرة. دار الفكر المعاصر. بيروت. لبنان.ط.1. 1999. ص.11-12.

[3]  XE "مقدمة في النحو لخلف الأحمر ت. عز الدين التنوخي. دمشق 1961.ص.33-34" مقدمة في النحو لخلف الأحمر ت. عز الدين التنوخي. دمشق 1961. ص.33-34.

[4]  كتاب الجمل في النحو. دار الكتب العلمية. بيروت. شرح ودراسة وتحقيق يسري عبد الغني عبد الله. ط.1. 1990.

[5]  XE "أسرار العربية. للأنباري. ت. د. فخر صالح قدارة. دار الجيل بيروت.ط1 . 1995. ص.27"  ت. د. فخر صالح قدارة. دار الجيل بيروت. ط1 . 1995. ص.27

[6]  XE "المقرب ومعه مثل المقرب. ت. عادل أحمد عبد الموجود، وعلي محمد معوّض.دار الكتب العلمية. بيروت.  ط1. 1998. ص. 66." المقرب ومعه مثل المقرب. ت. عادل أحمد عبد الموجود، وعلي محمد معوّض.دار الكتب العلمية. بيروت.  ط1. 1998. ص. 66.

[7] مقدمة ابن خلدون. تحقيق درويش الجويدي. المكتبة العصرية. صيدا. بيروت. 2002. ص.559.

 

أعلى