• - الموافق2026/02/20م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
قانون الاستيلاء على أراضي الضفة.. تشريع بالقوة أم إعادة هندسة الجغرافيا؟

قانون الاستيلاء على أراضي الضفة الغربية ليس مجرد إجراء إداري، بل خطوة سياسية واستراتيجية بعيدة المدى تقوم على التهجير البطيء وبأدوات قانونية، ودون مشاهد صاخبة. إنه اقتلاع هادئ، لكنه عميق الأثر، والنتيجة هي تجريد الفلسطينيين من حقوقهم الملكية والقانونية.


لم يعد الصراع على الأرض في الضفة الغربية مجرد مواجهة ميدانية تُدار بالجرافات والجنود، بل تحوّل إلى معركة قانونية تُخاض بالنصوص والتشريعات. فقد برز مؤخرًا، ما يُعرف بقانون الاستيلاء على الأراضي بوصفه أحد أخطر الأدوات التي تستخدمها دولة الاحتلال لإعادة تشكيل الملكية والسيادة على الأرض الفلسطينية، ضمن مشروع أوسع يتجاوز السيطرة الأمنية إلى إعادة تعريف المكان قانونيًا وديموغرافيًا.

فقد وافقت الحكومة الصهيونية، على فتح عملية تسجيل الأراضي في الضفة الغربية، للمرة الأولى منذ عام 1967، في خطوة دراماتيكية تعمق عملية ضم الضفة، وتحويلها إلى دولة مستوطنين، تاركة السلطة الفلسطينية بلا سيادة ووظيفة، والفلسطينيين بلا حماية قانونية.

وصادقت الحكومة الصهيونية على اقتراح نائب رئيس الوزراء وزير العدل ياريف ليفين، ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش، ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، الذي ينص على تسجيل مساحات شاسعة في الضفة الغربية باسم الدولة (أراضي دولة).

وبموجب هذا القرار، سيتم تخويل هيئة تسجيل وتسوية الحقوق العقارية التابعة لوزارة العدل الصهيونية بتنفيذ التسوية على أرض الواقع، وستُخصص ميزانية محددة لهذا الغرض.

أهداف القرار ودوافعه

-       تفويض سلطة تسجيل وتسوية الحقوق العقارية في وزارة العدل الصهيونية للعمل داخل الضفة المحتلة.

-       تثبيت ملكية مساحات شاسعة من الضفة الغربية باسم دولة الاحتلال في سجلات الطابو الصهيونية الرسمية.

-       تخصيص ميزانيات وكوادر بشرية ضخمة لإنهاء النزاعات القانونية حول ملكية الأرض لصالح التوسع الاستيطاني.

ويأتي هذا القرار كجزء من حزمة تشريعات وإجراءات أقرها المجلس الوزاري الصهيوني المصغر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينت) في 8 فبراير 2026، تهدف إلى قلب الواقع القانوني في الضفة من خلال إنهاء عوائق الاستيطان وتغيير قوانين الملكية لصالح دولة الاحتلال.

ووفقا للقانون الدولي، وقرار مجلس الأمن 2334، تعتبر هذه الإجراءات باطلة لأن القوة القائمة بالاحتلال لا تملك حق تغيير القوانين السارية في الأرض المحتلة أو نقل ملكية الأراضي العامة لصالح مواطنيها.

 

وفي هذا السياق، يتحول الفلسطيني، الذي يملك أوراقًا رسمية تثبت ملكيته منذ عقود أو قرون، إلى طرف يحتاج لإثبات حقه أمام منظومة قانونية لا تعترف به أصلًا بوصفه صاحب سيادة.

تداعيات القرار وخطورته

-       السيادة القانونية (تجاوز الإدارة العسكرية): بإسناد المهمة لوزارة العدل الصهيونية بدلا من الإدارة المدنية التابعة للجيش، تخطو دولة الاحتلال خطوة واسعة نحو معاملة الضفة الغربية كجزء سيادي من دولة الاحتلال وليس أرضا محتلة تدار عسكريا.

-       السيطرة الميدانية في مناطق (أ) و(ب): لم يقتصر الأمر على مناطق (ج)، بل شمل القرار توسيع صلاحيات الهدم والرقابة الصهيونية لتشمل مناطق (أ) و(ب) الخاضعة إداريا للسلطة بذريعة حماية الآثار والمياه والبيئة.

-       تصفية "بروتوكول الخليل": سحب صلاحيات الترخيص والبناء من بلدية الخليل في منطقة الحرم الإبراهيمي والمستوطنة المحيطة به، مما يعني إلغاء عمليا للاتفاقات الموقعة عام 1997 وتقويضا لولاية المؤسسات الفلسطينية. ويقسّم اتفاق الخليل الذي أُبرم في 17 يناير 1997 المدينة إلى قسمين: "الخليل أ" ويتبع للسيادة الفلسطينية، و"الخليل ب" ويخضع للسيطرة الصهيونية ويضم أجزاء واسعة من جنوب وشرق المدينة.

-       تسهيل الاستيلاء والتهويد: فتح سجلات الأراضي للاطلاع العام يسهل على الجمعيات الاستيطانية تحديد الثغرات القانونية في ملكية الأراضي الفلسطينية (خاصة أملاك الغائبين) والسيطرة عليها عبر صفقات مباشرة أو ملتوية.

شرعنة الاستيطان الكامل

وينهي هذا القرار حالة "المنع القانوني" التي كانت تحكم أراضي الضفة الغربية المحتلة ويمكّن المستوطنين من التملّك فيها، ومن المتوقع في المرحلة المقبلة:

-       تسارع وتيرة بناء المستوطنات: حيث ستصبح الأراضي متاحة قانونيا وجاهزة للتسويق كعقارات رسمية، وفقا للقرار الصهيوني.

-       تصادم ميداني في مناطق (أ) و(ب): مع بدء دخول طواقم الرقابة الصهيونية للهدم والإنفاذ داخل عمق المدن الفلسطينية.

-       تآكل مشروع حل الدولتين: فالقرار يغلق الثغرات الجغرافية التي كان يمكن أن تشكل قوام دولة فلسطينية متصلة، وهو ما يسعى له اليمين المتطرف في الحكومة الصهيونية.

أخطر ما في هذا القانون أنه يعيد تعريف مفهوم الملكية نفسه. فبدل أن تكون الملكية حقًا ثابتًا لصاحب الأرض، تصبح مسألة قابلة لإعادة التفسير وفق ميزان القوة.

وفي هذا السياق، يتحول الفلسطيني، الذي يملك أوراقًا رسمية تثبت ملكيته منذ عقود أو قرون، إلى طرف يحتاج لإثبات حقه أمام منظومة قانونية لا تعترف به أصلًا بوصفه صاحب سيادة.

انتاج خريطة جديدة

القانون ليس مجرد نص قانوني، بل أداة لإعادة تشكيل الجغرافيا. فمن خلاله، يتم تقطيع الأرض الفلسطينية إلى جزر معزولة، محاطة بكتل استيطانية مترابطة.

هذا النمط يعيد إنتاج خريطة جديدة، لا تقوم على الامتداد الطبيعي، بل على الفصل والتجزئة. والنتيجة هي خلق واقع جغرافي يجعل قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا أمرًا بالغ الصعوبة.

بهذا المعنى، يصبح القانون جزءًا من مشروع "هندسة المكان"، حيث لا يتم الاستيلاء على الأرض فقط، بل يتم إعادة تعريف وظيفتها وهويتها وسكانها.

على المستوى الإنساني، يخلق القانون حالة دائمة من عدم اليقين. فالفلسطيني الذي يزرع أرضه اليوم، قد يجد نفسه غدًا مهددًا بفقدانها بقرار قانوني.

هذا النوع من الاقتلاع يختلف عن التهجير المباشر، لأنه يتم ببطء، وبأدوات قانونية، ودون مشاهد صاخبة. إنه اقتلاع هادئ، لكنه عميق الأثر، والنتيجة هي تجريد الفلسطينيين من حقوقهم الملكية والقانونية.

ختامًا فإن قانون الاستيلاء على أراضي الضفة الغربية ليس مجرد إجراء إداري، بل خطوة سياسية واستراتيجية بعيدة المدى، ومحاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الأرض وسكانها، وبين القوة والقانون.

وفي جوهره، يعكس هذا القانون حقيقة أساسية: أن الصراع في فلسطين لم يعد فقط صراعًا على الأرض، بل صراعًا على تعريف الأرض نفسها.

ورغم كل شيء، تبقى الأرض بالنسبة للفلسطيني أكثر من مجرد وثيقة ملكية. إنها جزء من الهوية، والقرار الصهيوني قد يغيّر الوضع القانوني، لكنه لا يستطيع تغيير الذاكرة.

 

أعلى