• - الموافق2026/02/20م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
ماذا تريد أمريكا من سوريا؟

ما هو موقع سوريا من الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة؟ ولماذا تطلق واشنطن يد إسرائيل في الجنوب السوري؟ وما الدور الذي تريده الولايات المتحدة بالتحديد من سوريا حتى تقبل بها جزءا من المنظومة الإقليمية؟


"نحن نحب المسار الحالي، ويجب أن نحافظ عليه."

هذا ما قاله وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو منذ عدة أيام وتحديدا في 15 فبراير خلال زيارته لبراتيسلافا في سلوفاكيا، عقب اجتماعه التاريخي الذي عقده في ميونخ مع كل من وزير الخارجية السوري وقائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد).

ووصف روبيو الاجتماع الثلاثي بالتاريخي، وأكد أن اجتماعه المشترك مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني وقائد قسد مظلوم عبدي في ميونخ كان خطوة غير مسبوقة.

وأسهب روبيو في شرح فلسفة الإدارة الحالية (إدارة ترامب) في التعامل مع سوريا بعد سقوط النظام السابق، مشيرا إلى أن واشنطن كان أمامها خياران:

الخيار الأول: ترك البلاد تتفكك إلى 18 قطعة، مما يؤدي لحرب أهلية طويلة، وهجرة جماعية، وتحول سوريا لملعب للإرهاب وإعادة نفوذ إيران.

الخيار الثاني: محاولة العمل مع السلطات الانتقالية والرئيس أحمد الشرع وفريقه.

وأكد روبيو: لقد اخترنا الخيار الثاني لأنه الخيار المنطقي الوحيد.

وكشف وزير الخارجية الأمريكي عن أن الرئيس ترامب تواصل شخصيا مرتين مع الرئيس السوري أحمد الشرع لطلب وقف القتال، وذلك لتسهيل نقل آلاف معتقلي تنظيم داعش إلى العراق، ومنح وقت إضافي لإتمام عملية دمج القوات الكردية في مؤسسات الدولة السورية.

وأعرب روبيو عن رضاه عن المسار العام للأحداث في سوريا رغم التحديات، لكنه شدد على ضرورة المضي قدماً في تنفيذ الاتفاقات.

وأكد أن الاتفاق مع الأكراد ليس النهاية، بل يجب الوصول لاتفاقات مشابهة مع الدروز والبدويين والعلويين لضمان تمثيل كافة مكونات المجتمع السوري وتأمين حقوقهم.

وقد أوردت تلك التصريحات بطولها، لأنها كانت تعبيرًا عن المواقف الأمريكية الأخيرة، والمنقولة عن أعلى قيادة سياسية في امريكا بعد الرئيس الأمريكي، والذي أوضح فيها جانبا من التعامل والاهتمام الأمريكي بسوريا بعد بشار.

وبناءً على تلك التصريحات وتحركات إدارة ترامب، يمكننا تحليل السياسة الأمريكية تجاه سوريا الجديدة، بقيادة الرئيس أحمد الشرع.

الواقعية في علم السياسة

في وجهة نظرنا يعد الاقتراب الواقعي في العلاقات الدولية، يمثل العدسة الأكثر دقة لفهم عقلية ترامب-روبيو.

هذا الاقتراب يركز على المصالح الصلبة، ويبتعد عن المثالية أو نشر الديمقراطية، وغيرها من الشعارات التي طالما تغنى بها الديمقراطيون أو بعض القيادات في الحزب الجمهوري.

ولكن ما هو الاقتراب الواقعي؟

هو مدرسة فكرية، تفترض أن النظام الدولي فوضوي، ولا توجد سلطة عليا تحمي الدول، لذا فإن المحرك الوحيد لسلوك الدولة هو المصلحة الوطنية والبحث عن القوة والأمن.

ويقوم هذا الاقتراب على فلسفة فهم العالم كما هو، وليس كما ينبغي أن يكون.

 

أمريكا لا تريد ديمقراطية مثالية في سوريا، بل تريد دولة وظيفية مستقرة تحمي حدود الكيان، وتمنع تمدد النفوذ الإيراني، وتكفي واشنطن شر التدخل العسكري المباشر ضد داعش.

كما يستخدم سياسات مثل الصفقات المقايضة، وتوازن القوى، والاعتراف بالأمر الواقع.

ويتعامل أصحاب الواقعية السياسية مع الدول المختلفة بمنطق لا يهم من يحكم، أو ما هي خلفيته الأيديولوجية، المهم هو: هل يستطيع تأمين مصالحنا ومنع خصومنا من التمدد؟

الواقعية في سياسة ترامب تجاه سوريا

إذا حاولنا تطبيق اقتراب الواقعية السياسية على استراتيجية ترامب تجاه سوريا منذ سقوط الأسد وحتى الآن، سنجد أن إدارة ترامب لم تعد تنظر لسوريا كملف حقوق إنسان، أو تغيير نظام، بل من خلال عدة مبادئ:

1. مبدأ الاستقرار مقابل الشرعية

فقد تخلت أمريكا عن قانون قيصر، والعقوبات، ولكن بشكل مؤقت ومرن، مقابل التزامات أمنية من أحمد الشرع. الواقعية هنا تقول: سوف نمنحك الاعتراف وعدم وضع فيتو على مشاريع الاستثمار لإعادة الإعمار، مقابل أن تنهي نفوذ إيران، وتضمن أمن الكيان الصهيوني.

مع العلم أن الولايات المتحدة، وخصوصا في عقيدة ماركو روبيو وإدارة ترامب، لا تسعى لتدمير الدولة الإيرانية ككيان لأن ذلك سيوجد فراغا هائلا وفوضى لا يمكن التنبؤ بها في الخليج وآسيا الوسطى، بل تسعى لتحجيم إيران، وإبقائها دولة داخل حدودها.

فإدارة ترامب تسعى من خلال علاقاتها بالنظام السوري إلى قطع الأذرع، وليس ضرب الرأس في طهران، وتجفيف الممر البري (طهران-بغداد-دمشق-بيروت).

فالتحجيم هنا يعني إنهاء الدور الوظيفي لسوريا كقاعدة إمداد لحزب الله وكساحة نفوذ للحرس الثوري.

2. تتمثل الواقعية السياسية لدى الإدارة الأمريكية أيضًا، في توازن القوى الداخلي، ومحاولة دمج قسد في النظام السوري الجديد.

وقد استعرضنا تصريح روبيو عن تاريخية اجتماع ميونخ، والذي يعكس رغبة أمريكا في ايجاد توازن داخلي.

فإدارة ترامب، لا تريد للأكراد أن يكونوا دولة مستقلة تجنبًا لصدام مع تركيا، أما كلامها على أن الحكومة السورية عليها الوصول لاتفاقات مع الأكراد، الدروز، البدو، والعلويين، فهذا مرجعه إلى ضغوط من أعضاء الكونجرس والذين يبتزهم اللوبي الصهيوني.

 ولذلك فإن امريكا تريد عنوانًا واحدًا في دمشق تتعامل معه وهو الشرع، لكنها تريده عنوانًا يرأس شراكة ولا ينفرد بالحكم، ويضمن إيجاد ثقل موازن، يحرص على بقاء النفوذ الأمريكي داخل مؤسسات الدولة السورية الجديدة.

3. أما المبدأ الثالث للواقعية الأمريكية في سوريا، فتتمثل في ملء الفراغ لمنع الخصوم من التمدد

فالتركيز الأمريكي وفق هذا المبدأ ينصب على الجغرافيا السورية ومنع تحولها إلى منطقة رمادية، فالواقعية ترى أن الطبيعة تمقت الفراغ؛ فإذا انهارت مؤسسات الدولة أو تفتتت سوريا (كما حذر روبيو من الـ 18 قطعة)، فإن إيران وأذرعها ستملأ هذا الفراغ فورا وبشكل تلقائي، أو التدخل الروسي كما حدث بعد 2011.

فالهدف هنا بناء دولة سورية قوية وموحدة مؤسساتيًا وعسكريًا، لتكون هي السد الذي يمنع التمدد الإيراني الطبيعي. أمريكا هنا لا تقايض، بل تستثمر في استقرار الدولة لمنع الخصوم من إيجاد موطئ قدم.

4. تهدف الواقعية الأمريكية أيضًا، إلى جعل الحكم السوري الجديد يتولى زمام ما تسميه مكافحة الإرهاب ومحاربة داعش، وبذلك يتم تحويل عبء الأمن من الميزانية الأمريكية إلى الحكومة السورية الجديدة.

الخلاصة: أمريكا لا تريد ديمقراطية مثالية في سوريا، بل تريد دولة وظيفية مستقرة تحمي حدود الكيان، وتمنع تمدد النفوذ الإيراني، وتكفي واشنطن شر التدخل العسكري المباشر ضد داعش.

الجرح الغائر

يبدو أن هناك جرحًا غائرًا في الواقعية الأمريكية تجاه سوريا.

فتصرفات الكيان الصهيوني تجاه الحكم السوري الجديد تنسف هذه الواقعية الأمريكية المعلنة، والتي تريد تقوية النظام الجديد وتمكينه وإعطائه الفرصة لممارسة سلطاته، فجيش الكيان الصهيوني يتوغل يوميًا في سوريا.

وقام بقصف دمشق، واحتل أجزاء جديدة من الجنوب السوري، وساند تمرد الدروز، ومنع الحكومة السورية من بسط نفوذها في السويداء، ولم تتوقف السياسة العدوانية لدولة الكيان الصهيوني تجاه الحكم الجديد في سوريا، حتى بعد تحسن العلاقات بين ترامب والشرع.

وتفسير ذلك: إما ترامب لا يستطيع إجبار نتانياهو على وقف تربصه بسوريا، أو أنه يؤيد الاعتداءات الإسرائيلية لغرض ما.

وبما أن ترامب استطاع إرغام نتانياهو على إيقاف حرب غزة، فترامب لا تنقصه القدرة على الضغط على الكيان.

يبقى أن هناك غرضًا أمريكيًا في إبقاء الضغط الصهيوني على النظام السوري.

والإجابة تكمن في الواقعية النفعية.

ترامب ليس عاجزًا، لكنه لا يرى مصلحة أمريكية في حماية سيادة سوريا حاليًا. بالنسبة له، كلما توغل جيش الاحتلال الصهيوني، زادت حاجة الشرع للوساطة الأمريكية، مما يرفع من قيمة الصفقة التي تريدها واشنطن، وإرغام حكومة دمشق على الدخول في اتفاقات إبراهيم، أو اتفاق أمني شامل يشبه اتفاق 1974 ولكن بشروط 2026.

والرسالة الأمريكية في تأييدها للأعمال العدائية الصهيونية، ليست موجهة فقط للحكم الجديد فقط، بل إلى أكبر داعميه وهي تركيا.

فالموقف الأمريكي ليس موجها ضد تركيا بالمعنى العدائي، بل هو موجه لضبط إيقاعها:

فمغزى الرسالة إلى تركيا: لا تحاولوا الانفراد برسم خارطة سوريا؛ فالكيان الصهيوني وبدعم صامت منا سيبقى اليد الطولى التي تمنع أي تغيير استراتيجي لا نرضى عنه.

 

 

أعلى