عَبَقٌ من 'زيْن العابدين'..الإعلامي العالِم..!

عَبَقٌ من 'زيْن العابدين'..الإعلامي العالِم..!



الشيخ زين العابدين الركابي، وهو أحد أعز أصدقاء والدنا جعفر شيخ إدريس - صداقة ربت على الخمسين عاما-  حتى إنه صار لنا كالوالد، عرفناه برحمته وصلته، وكرمه، وفكاهته، وكم ابتهجنا برؤيته هو والوالد يتناقشان نقاش المفكرين الكبار! ويتمازحان مزاح الإخوة الأصدقاء...ويأكلان ذات الأكلة التي لا يملاَّن منها 'كسرة ومُلاح أخضر'...

ووالله إن القلب ليحزن والعين لتدمع ونحن نذكر أن تلك المجالس قد طويت صفحاتها...
فكم من مرة أشركونا فيها في نقاش، وكم من مجلس عرفنا فيه أخبارا وسمعنا فيه تحاليل ليست بالأغاليط، وعبارات تنمِّي جوهر الإيمان في النفوس!

ذكريات العائلة مع 'العم زين' كثيرة ومنها:

- دق على والدي الباب أول مرة قبل حوالي ٥٣ عاما وكلاهما لا يعرف من الاخر سوى اسمه، فسلم عليه وقال له 'هل أنت جيم 'ج'؟ فضحك الوالد وقال 'نعم' [وكان 'ج' الاسم الذي يكتب به الوالد في مطلع شبابه] ...فجلس معه جلسة لا ينساها الوالد حتى اليوم...

- ثم عندما دخل 'العم زين' المستشفى قبل أكثر من خمسة وأربعين عاما، وجاء العيد، قالت والدتي - رعاها الله- لوالدي 'أخوكم الركابي، لعلكم تطلبوا منه أن يقضي العيد خارج المستشفى كما يقضيه بقية الناس' وقد كان...فخرج من المستشفى وصارت جدتي مريم التونسي - رحمها الله-  تمرِّضه وهو شاب في بداية العشرينات حتى شفاه الله ... فكانت علاقة طيبة مباركة منذ ذلك الحين...

- كان خطيبا 'مصقعا' - كما يصفه الوالد- يشارك في الليالي السياسية وتنتهي الليلة بصحن من الفول يأكله مع والدي - رعاه الله- وصاحبهم المقرب بابكر كرَّار - رحمه الله-.

- وقعت في يدي أخي عبد الرحمن مقالة له كتبها في الستينات .. فعرضتُها عليه وقلت له 'أسلوبك هو ذاته' فقال 'نعم ولكن تطورت الأفكار'..

- أول كتاب كتبه الشيخ الركابي كان عمره دون الخامسة والعشرين وكان عنوان الكتاب 'النُّور أولى'!

- أحبه أهل مصر، وأهل السودان، ثم جاء إلى السعودية فأحب أهلها وأحبوه وصار من أهلها وانبنت بينه وبين قادتها وشيجة ولُحْمة طيبة صادقة حتى إن الأمير سلمان - وفقه الله- بنفسه كلمه مرة عند السابعة صباحا ليشكره على مقال له فائق الحسن عن السنة النبوية وحجيتها. 

- أنشأ مادة سمَّاها 'منهج التفكير الإسلامي' كانت مقررة على طلاب الماجستير وكان يدرسها الوالد معه ومن بعده...فلله در ذيَّاك الدرس !

- يمتعض الشيخ الركابي عند ذكر أهل 'الفهلوة' -أيا كان اتجاههم الفكري-فهو يسخر من السطحية ويؤمن بالأفكار ذات العمق والتحاليل المبنية على الدراية وصدق الرواية...

- كان يحكي للوالد حادثة حدثت فخرجت منه كلمة كأنما 'فلتت' منه -فالتقطتُها- ..فقال 'أقوم حوالي الساعة ٣ صباحا'... فيالله ما أجمل أن تجد المفكر السياسي والإعلامي الإسلامي ذا الورد القرآني الليلي... 

- من أجمل ما تميز به عمنا الشيخ زين استحضاره لآيات القرآن والعجب العجاب في تضمينه لها مستشهدا بها ومدبجا بها مقالاته..ولا يتأتى ذلك إلا لمن قرأ القرآن كثيرا وتأمله آخر الليل طويلا.

- من يعرفه يعرف محبته الشديدة واحترامه وتقديره لزوجته الخالة أم محمد، وولهه ببناء أبنائه.. نسأل الله أن يجبر مصابنا ومصابهم ويجمعنا أحبابا في دار الكرامة...

- لم ينقطع العم زين عن زيارة الوالد في مرضه -عافاه الله- حتى غرَّد د/الطريري: 'تهنئة لاستاذنا الكبير زين العابدين الركابي على هذا النبل والوفاء الكبير، ما زرت الشيخ جعفر إدريس ولا لقيت من زاره إلا قالوا: رأيناه عنده'.

- أصر الوالد على الذهاب لصلاة الجنازة ثم المقبرة ثم ثلاثة أيام العزاء- رغم مرضه-. وكأنه يتلمس أي أثر من عبق ذلك الحبيب - وقال وعينه تذرف- 'كان نعم الأخ ... ونعم الصديق'...

- أذكر أني أردت أن أقدم الشيخ زين في محاضرة فقلت لوالدي ماذا أقول؟ فقال قل: 'أقدم لكم علَمَا من أعلام الإعلام الإسلامي'... 

فرحمة الله على ذلك العلَم العالِم وأسكنه الفردوس الأعلى ورزقه دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله وأدخله الجنة ووقاه فتنة النار وعذاب النار وفتنة القبر وعذاب القبر، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا لفراقك يا أبا محمد لمحزونون، 'إنا لله وإنا إليه راجعون'...

أعلى