• - الموافق2026/01/31م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
القلق العراقي من استقرار سوريا

بين استقرارٍ سوريٍّ، وقلقٍ عراقيٍّ على الحدود، يتكشف صراع خفي على النفوذ والهوية. تتدافع الهواجس السياسية والأمنية وتتجلى مظاهر الاستنفار، ليبرز السؤال: ما هي سيناريوهات العلاقة المقبلة بين بغداد ودمشق، في إقليم يُعاد تشكيله تحت ضغط القوى الإقليمية والدول

هل هناك بوادر قلق وتململ في العراق من النجاحات التي تحققها الحكومة السورية الجديدة، والتفاف الغالبية الكبرى من الشعب السوري حولها؟

فبعد مرور أكثر من عام على التحول الجذري في سوريا وسقوط النظام السابق في ديسمبر 2024، تبلورت في العراق مواقف معقدة تجمع بين الترقب الحذر والقلق الاستراتيجي.

وبينما يرى الشارع العربي السني في العراق استقرار سوريا الجديدة بارقة أمل لتعاون اقتصادي وأمني، تسود أوساط سياسية أخرى خاصة القوى القريبة من الساسة الشيعة والأكراد وهم المسيطرون على القرار السياسي العراقي، حالة من الترقب والحذر.

فما هي أهم مظاهر القلق العراقي؟

وماذا تكون الدوافع وراء هذه التخوفات وأسبابها؟

وعلى ضوء ذلك كيف يمكن توقع مستقبل العلاقات العراقية السورية.

مظاهر القلق في العراق 

يمكن تلخيص تلك المظاهر في عدة عناصر:

أولاً: الاستنفار العسكري على الحدود:

فقد شهد هذا الشهر تحركات مكثفة للقوات الخاصة العراقية نحو الحدود الغربية، بالتزامن مع سيطرة الحكومة السورية الجديدة على مناطق في دير الزور والرقة والحسكة بعد انسحاب قوات قسد.

ثانيًا: الجدل حول سجناء داعش:

ثار لغط سياسي كبير عقب قرار نقل مئات المعتقلين من تنظيم داعش من سجون شمال شرق سوريا إلى العراق تحت إشراف أمريكي، حيث اعتبرت قوى برلمانية مثل كتلة (حقوق) الشيعية أن هذه الخطوة تصدير للأزمات السورية باتجاه بغداد.

وكتلة (حقوق) النيابية هي كتلة سياسية عراقية تمثل حركة حقوق المرتبطة بكتائب حزب الله الشيعي.

وقد تأسست تلك الحركة عام 2021. عندها فازت بمقاعد داخل البرلمان العراقي، وتنشط ضمن الإطار التنسيقي الذي يضم الكتل الشيعية المختلفة.

ثالثًا: من مظاهر القلق الشيعي من تأثير النموذج السوري هو الشخصية التي سيتم إسناد رئاسة الحكومة لها:

فقد اجتمعت القوى الشيعية في بغداد على اختيار شخصيات أكثر موالاة لإيران لتولي رئاسة الوزراء، فبرز اسم نوري المالكي مجددا لمواجهة ما يعتبرونه تهديدا سنيا قادما من الغرب (يقصدون سوريا).

 

القلق الشيعي في العراق لا ينبع فقط من تغير الأشخاص، بل من طبيعة العقد الاجتماعي الجديد في سوريا، الذي أصبح قوامه الإسلام السني، وهو الإسلام بنسخته النقية الأصلية والتي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه

رابعًا: ومن مظاهر هذا القلق أيضا، انتشار فيديوهات على مواقع التواصل يظهر فيها ضباط برتب عسكرية رسمية أو رجال دين معممون على الخط الحدودي بين العراق وسوريا، خاصة في مناطق القائم والوليد.

فنجد رجال دين شيعة يظهرون مع جنود في الجيش العراقي، حيث يقسمون بشعارات طائفية، مثل قسمهم بالسيدة زينب، وبأنهم لن يتركوا المقامات، قائلين: "لبيكِ يا زينب.. لن تُسبى مرتين".

ثم يوجه ضباط شيعة تهديدات مباشرة لشخصيات في الحكومة السورية الجديدة بوصفهم نواصب، أو أحفاد بني أمية.

فهذه الأقوال ليست مجرد رد فعل عاطفي، بل هي رسالة سياسية واضحة مفادها أن الحدود ليست مجرد خطوط جغرافية، بل هي خطوط مواجهة أيديولوجية، واستخدام الشعارات الطائفية في هذه الفيديوهات يهدف إلى شحن القاعدة الشعبية الشيعية، وتصوير التغيير في سوريا على أنه تهديد وجودي للمكون الشيعي في العراق.

أسباب القلق الشيعي العراقي من تطورات سوريا

هناك مجموعة من الأسباب تكشف عن حجم الزلزال الجيوسياسي الذي ضرب المنطقة في ديسمبر 2024، بإسقاط الأسد ووصول حكومة جديدة تعبر عن تطلعات الشعب السوري، وكيف يرتد صداها في بغداد حتى الآن:

السبب الأول، الهوية السياسية للنظام الجديد

ولذلك نجد أن ​القلق الشيعي في العراق لا ينبع فقط من تغير الأشخاص، بل من طبيعة العقد الاجتماعي الجديد في سوريا، الذي أصبح قوامه الإسلام السني، وهو الإسلام بنسخته النقية الأصلية والتي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

فالقوى الشيعية الحاكمة في بغداد، ترى في وصول شخصيات ذات خلفية إسلامية، مثل قيادات هيئة تحرير الشام السابقة أو الفصائل القريبة من تركيا، إلى سدة الحكم في دمشق يمثل بعثا لتيار كان العراق يظن أنه احتواه بعد هزيمة داعش.

وتزداد مخاوف القوى الشيعية من أن تتحول سوريا إلى نموذج ملهم للمناطق السنية في العراق، في الأنبار، والموصل، وصلاح الدين، للمطالبة بإقليم إداري أو حتى تغيير موازين القوى في بغداد.

ثانيا، الشرعية الثورية مقابل الشرعية التوافقية

فالحكومة السورية الجديدة تستمد شرعيتها من إسقاط نظام عن طريق زحف عسكري مؤيد شعبيا، بينما يعتمد النظام العراقي في وجوده على توافق أمريكي إيراني، أي من قوى خارجية وليس برغبات الشعب العراقي.

هذا الاختلاف، يجعل الطبقة السياسية في العراق تخشى من انتقال عدوى التغيير الجذري إلى الشارع العراقي المطالب بالإصلاح.

ثالثا، الفراغ الأمني العابر للحدود

أو ما اصطلح سياسيًا باسم هاجس السيولة.

ورغم أن الحكومة السورية الجديدة بدأت تفرض سيطرتها، إلا أن العراق ينظر إلى الحدود (أكثر من 600 كم) كمنطقة خطر دائم.

 

وهناك اتجاه في إدارة ترامب لزيادة الضغوط العسكرية على إيران لتغيير سياساتها في المنطقة، وفي مقدمتها التخلي عن أذرعها، وعلى رأسها الذراع الإيراني في العراق.

فتفكك قسد المدعومة أمريكيا، والتي ظلت لسنوات تشكل حائط صد بين العراق وأي فصيل متمرد يريد إنهاء الحكم العراقي، وهذا ما تحقق مع انهيار تنظيم قسد أو اندماجه في هياكل جديدة.

ولذلك يخاف العسكريون في العراق الموالون للنظام من أن المنطقة الممتدة من دير الزور إلى البوكمال، ربما تستغلها بعض الفصائل التي قد تجد في الصحراء العراقية-السورية ملاذا، يعيد إنتاج خلايا الذئاب المنفردة التي ربما تستهدف كربلاء أو بغداد بعمليات انتحارية، وهو الهاجس الأكبر للأجهزة الأمنية العراقية.

رابعا، ملف النازحين والمخيمات

لا يزال مخيم الهول وغيره يمثل قنبلة موقوتة. فالقلق العراقي يكمن في كيفية تعامل الحكومة السورية الجديدة مع هذه الملفات؛ هل ستقوم بترحيلهم نحو العراق؟ أم ستتركهم عرضة للاستقطاب مجدداً؟ وهذه بلا شك ستصبح ورقة أمنية في يد الحكومة السورية.

خامسا، انكسار الممر الإقليمي

هذا هو السبب الأكثر استراتيجية وحساسية، ويتعلق بمكانة العراق في محور التمدد الإيراني.

ولعدة سنوات طويلة، كان العراق يمثل حلقة الوصل في الجسر البري الذي يمتد من طهران عبر بغداد ودمشق وصولا إلى ضاحية بيروت الجنوبية.

وسقوط النظام السابق في سوريا كسر هذا الممر في حلقته الوسطى والأهم. بالنسبة للفصائل العراقية، هذا يعني أنها أصبحت معزولة جغرافيا عن حليفها الأساسي في لبنان (حزب الله).

فتحول سوريا نحو المحور السني الناشئ عن انكسار الممر الإيراني يعني بالضرورة تزايد النفوذ التركي-العربي في سوريا. وهذا التحول يضغط على العراق لكي يختار؛ فإما أن يبقى متمسكا بالتحالف مع إيران ويواجه عزلة من جيرانه (سوريا الجديدة، الأردن، السعودية، تركيا)، أو أن ينخرط في هذا المحور الجديد، وهو خيار ترفضه القوى السياسية التقليدية الشيعية في بغداد بشدة.

مستقبل العلاقات العراقية السورية

لعل العامل الأبرز هذه الأيام في تشكل تلك العلاقة، هو الضغوط الأمريكية المتزايدة على إيران بقصد تغيير توجهاتها ودورها الإقليمي، وهناك اتجاه في إدارة ترامب لزيادة الضغوط العسكرية على إيران لتغيير سياساتها في المنطقة، وفي مقدمتها التخلي عن أذرعها، وعلى رأسها الذراع الإيراني في العراق.

هذا الموضوع بلا شك يعزز المخاوف العراقية من وجود دور لسوريا الجديدة في ذلك الأمر، وعندما علمت أمريكا بنية إيران في الإتيان بنور المالكي كرئيس للحكومة العراقية كإجراء وقائي في تعزيز هيمنتها على العراق ومواجهة التهديدات الأمريكية العسكرية، وكورقة في التفاوض من وراء الكواليس، وعندما علمت أمريكا بذلك، هددت صراحة بأن انتخاب المالكي يعني توقف المساعدات الأمنية والمالية.

وبالنسبة للعراق، هذا ليس مجرد تهديد سياسي، بل هو تهديد بانهيار اقتصادي، لأن الولايات المتحدة لا تزال تتحكم بمنافذ تدفق الدولار من مبيعات النفط العراقي.

وفي رسالة لماركو روبيو وزير الخارجية الأمريكي، أبلغ بغداد بوضوح أن أي حكومة يهيمن عليها نفوذ طهران لن تكون شريكًا لواشنطن.

هذا الضغط وضع القوى السياسية الشيعية العراقية أمام خيارين أحلاهما مر: المضي بالمالكي ومواجهة عقوبات أمريكية، أو التراجع وفقدان السيطرة لصالح مرشحين أكثر مرونة.

ودخل توماس باراك المبعوث الأمريكي لسوريا على الخط، الذي أدلى بتصريحات حول عدم استدامة النظام السياسي في بغداد، فُهمت على أنها تهديد بإيجاد منطقة نفوذ سني تمتد من دمشق إلى حدود بغداد، مما يكسر الهيمنة المركزية للشيعة، خاصة أن باراك صاحب مقولة أن حدود سايكس بيكو كانت غير عادلة، كما أنه الذي قال من شهور إن لبنان قد يُعاد إلى سوريا إذا لم يتم نزع سلاح حزب الله.

وإذا عدنا إلى تصريح باراك بخصوص العراق نجد أنه قال بوضوح، "إن حكومة تُنصّبها إيران في العراق لن تكون ناجحة، لا في تلبية تطلعات العراقيين ولا حتى السوريين نحو مستقبل أفضل، ولا في بناء شراكة فعالة مع الولايات المتحدة".

فما علاقة السوريين بهذا الموضوع؟

يبدو أن إدخال السوريين في المعادلة العراقية هنا ليس صدفة ولا زلة لسان، بل يعكس تصورًا أوسع لإعادة ترتيب موازين النفوذ في الإقليم.

وهذا ما يزيد من تخوفات القوى الشيعية من وجود تفاهم، أمريكي سوري تركي، لدعم حراك في المحافظات السنية العراقية وخاصة في الأنبار والموصل.

ومما زاد من القلق الحكومي الشيعي في بغداد، هو الأنباء غير المؤكدة عن زيارة رغد صدام حسين إلى دمشق ولقائها الرئيس السوري أحمد الشرع، فهذا الخبر إن صح يعني تهديد سوري بعودة صورة جديدة من حكم صدام حسين إلى العراق، والتي تعني إنهاء الحكم الشيعي الذي تم فرضه على العراق.

ودخل أيضًا في المعادلة العراقية السورية التمدد التركي. فقد كرر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في عدة مناسبات، آخرها في 22 يناير الماضي، أن تركيا لم تعد مجرد قوة إقليمية أو طرفًا ينتظر ما تقرره القوى الكبرى، بل هي قطب أساسي في النظام العالمي الذي يُعاد تشكيله.

وخطاب أردوغان هذا هو بمثابة إعلان نهاية الحقبة التي كان فيها العراق ساحة للتنافس الإيراني-الأمريكي فقط. فقد دخلت تركيا كطرف ثالث قوي، وهي تستخدم النجاح السوري كمنصة لإعادة صياغة موازين القوى في العراق أيضًا، وهو ما يفسر استنفار الضباط والموالين لإيران على الحدود؛ فهم لا يواجهون سوريا الجديدة فحسب، بل يواجهون الصعود التركي.

ولعل إعلان تركيا المفاجئ عن كشف شبكة تجسس إيرانية في تركيا منذ عدة أيام يصب في هذا الاتجاه.

 

أعلى