• - الموافق2026/03/15م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha

فوق بقعة مرجانية صغيرة في الخليج، يتقاطع النفط مع الجغرافيا، وتتجاور الأسواق مع فوهات الصواريخ. بقعة صغيرة لكنها بمثابة شريان للطاقة في العالم وإذا مُسَّ الشريان لا أحد يعرف متى يتوقف النزيف؟


في مياه الخليج العربي تقبع جزيرة لا يتجاوز قطرها بضعة كيلومترات، لكنها تحمل على ظهرها ما يقارب تسعين بالمائة من نفط إيران المتجه إلى العالم. استهدافها لا يمثل ضربة عسكرية؛ إنه قفزة كبيرة في الهواء بشأن مستقبل أسواق الطاقة، وتوازن الردع الإقليمي، ومصير ملايين البشر الذين لا ناقة لهم في هذه الحرب ولا جمل.

لم يكن اسم جزيرة خرج يتردد في التقارير الاستراتيجية بلا سبب. فمنذ ستينيات القرن الماضي، حين بدأت شركات الطاقة الدولية في تطوير بنيتها التحتية، تحولت هذه البقعة المرجانية الصغيرة إلى ما يشبه القلب النابض للاقتصاد الإيراني.

النفط يتدفق إليها عبر شبكة أنابيب ممتدة من أعماق الحقول الإيرانية، يُخزَّن في صهاريج هائلة، ثم يُحمَّل على ناقلات عملاقة تنطلق نحو أسواق آسيا وأوروبا. والسبب في هذا التركيز ليس اعتباطياً؛ فمعظم الساحل الإيراني ضحل لا يُطاق للناقلات الكبرى، فغدت خرج المنفذ الوحيد القادر على تصريف هذا الكم الهائل من الخام.

حين أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن القوات الأمريكية نفّذت ضربات في الجزيرة، لم يكن الأمر مجرد بيان عسكري عابر. كان إشهاراً لورقة ظلت مطوية في ملفات الاستراتيجية الأمريكية لعقود ورقة الضغط على الشريان الاقتصادي الإيراني بصورة مباشرة. والتساؤل الذي يفرض نفسه: لماذا الآن؟ ولماذا خرج تحديداً؟

الشريان الذي لا بديل عنه

تُشير تقديرات خبراء الطاقة إلى أن ما يقارب تسعين بالمئة من صادرات إيران النفطية تمر عبر خرج قبل أن تلج الأسواق الدولية. هذا الرقم وحده يكفي لفهم لماذا تحتل الجزيرة مكانها في أي خطة ضغط أو استنزاف. فالنفط ليس سلعة عادية في الحسابات الإيرانية؛ إنه الشريان الذي يبُعد نحو 25 إلى 30 كيلومتراً من الساحل الإيراني  تتدفق منه الأموال لتمويل الحرس الثوري، ودعم المحاور الإقليمية، والإبقاء على ماكينة الدولة في حركة. تجفيف هذا الشريان أو حتى إضعافه يعني شيئاً واحداً: حصار اقتصادي من نوع آخر، أكثر مباشرة وأسرع أثراً من سنوات العقوبات.

غير أن البنية التحتية للجزيرة ليست مجرد خزانات وأرصفة. إنها شبكة معقدة من خطوط الأنابيب البحرية، ومحطات الضخ، ومنظومات التوزيع، ونقاط الربط مع الحقول الداخلية. وتعطيل هذه الشبكة في مكان واحد لا يعني بالضرورة توقفاً فورياً وشاملاً؛ فالجزيرة كما أثبتت حرب الخليج الأولى تملك قدرة على الإصلاح السريع والتكيّف. لكن الضربة المتكررة أو الممنهجة شأنها مختلف تماماً.

درس الحرب العراقية الإيرانية

ما بين عامَي 1980 و1988، حاول العراق مراراً أن يُجفف النفط الإيراني من منبعه. استهدف خرج بعشرات الغارات الجوية، ومع ذلك استمر تصدير النفط الإيراني بشكل أو بآخر طوال سنوات الحرب. الأضرار كانت تُصلح، والأرصفة كانت تُعاد، والناقلات كانت تتحرك. إيران وقتها لم تملك ترف الاستسلام؛ فكانت تدفع بكل ما تملك للإبقاء على الشريان حياً. هذا الدرس التاريخي لم يغِب عن أذهان المخططين الأمريكيين. فالسؤال لم يكن: هل يمكن ضرب خرج؟ بل: ما الذي تعنيه الضربة إن لم تكن منهجية ومتواصلة؟

معادلة الطاقة العالمية

ثمة بُعد آخر لا يستقيم إغفاله. أسواق الطاقة العالمية تعيش حالة من الهشاشة المزمنة؛ توترات جيوسياسية متراكمة، وطلب آسيوي لا يتوقف، واحتياطيات استراتيجية لا تتوسع بسرعة كافية. في هذا السياق، أي صدمة إمداد حتى وإن لم تكن شاملة قادرة على دفع أسعار النفط إلى مستويات تُحدث ارتدادات في كل اقتصاد يعتمد على مشتقاته. وحين نتحدث عن خرج، فنحن لا نتحدث عن مخزن إيراني وحسب؛ نتحدث عن نقطة في الشبكة العالمية للطاقة، تربط إيران بالمصافي الهندية والكورية والصينية. تعطيل هذه النقطة لفترة كافية قد يُعيد رسم خارطة التسعير العالمي بصورة مؤلمة.

سيناريو الرد الإيراني

لن تقف إيران مكتوفة الأيدي أمام استهداف هذه الأهمية القصوى. والسيناريوهات المطروحة في غرف التحليل الاستراتيجي لا تقتصر على رد مباشر في الخليج. ثمة ثلاثة مسارات محتملة: أولها ضرب منشآت النفط في دول الخليج المجاورة في رسالة مفادها أن ما يطال خرج لن يبقى خسارة إيرانية منفردة.

وثانيها تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، الممر الذي يمر عبره ما يقارب خُمس النفط المتداول في العالم؛ وهنا لا تكون الأزمة إقليمية، بل حدث اقتصادي كوني.

وثالثها توسيع الجبهات عبر الأذرع الإقليمية في اليمن والعراق وسوريا، في ما يُشبه توزيع الألم على من سهّل أو غطّى العملية.

كل هذه الاحتمالات ليست تنظيراً أكاديمياً؛ إنها حسابات موضوعة على طاولة صانع القرار في طهران منذ سنوات.

ثمة فارق جوهري بين غارة تستهدف منشأة عسكرية أو بنية تتصل بالحرس الثوري داخل الجزيرة، وبين ضربة تطال البنية التحتية للتصدير ذاتها. الأول رسالة ضغط قابلة للاحتواء. والثاني قرار بتصعيد مفتوح على نتائج يصعب التنبؤ بها. ولعل ذلك يفسر لماذا تحاشت واشنطن على مدى عقود رغم كل مراحل التوتر الإقدام على ما يشبه الاستهداف الفعلي لمنظومة التصدير. فالخط بين الضغط والانفجار الإقليمي رفيع في هذا الملف بالذات.

جزيرة صغيرة وعقدة كبرى

خرج ليست في حسابات المخططين مجرد موقع جغرافي؛ إنها عُقدة في شبكة. وكل من يستهدف عُقدة يعرف أن الشبكة ستهتز ليس في طهران وحدها، بل في المنامة وأبوظبي والرياض وموسكو وبكين. فالطاقة في عالم اليوم ليست مجرد سلعة؛ إنها سلاح سياسي، وورقة ردع، وخيط يمسك به الكثيرون في آن واحد.

ما يجري حول هذه الجزيرة الصغيرة إلى الآن ملفاً إيرانياًأمريكياً لكن مع تطور الأحداث لن يبقى كذلك، إنه اختبار لطبيعة النظام الإقليمي في مرحلة ما بعد تفكك المحاور، وما إذا كانت القوى الكبرى قادرة على إدارة التصعيد دون أن تفقد السيطرة على موجاته الارتدادية.

والتاريخ يقول إن من يقطع الشرايين لا يملك دائماً القدرة على إيقاف النزيف.

أعلى