اختيار مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى قد يفتح باب أسئلة أكبر عن شرعية النظام نفسه. فهل ينجح في تثبيت حكمه رغم العواصف الداخلية والرفض الخارجي، أم تبدأ مرحلة أخطر في تاريخ الجمهورية الإيرانية؟
"سوف أقوم أنا بتعيين المرشد الإيراني القادم كما فعلت في فنزويلا"
هذا الكلام جزء من حديث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال مقابلة هاتفية حصرية مع
موقع أكسيوس (Axios) يوم الخميس 5 مارس قبل
اختيار مجتبي خامنئي كمرشد خلفًا لوالده بعدة أيام.
وأضاف ترامب في المقابلة،
"إنهم
يضيعون وقتهم، ابن خامنئي (مجتبى) شخص تافه وغير مقبول بالنسبة لي. يجب أن أشارك في
عملية التعيين، تماماً كما فعلت مع ديلسي في فنزويلا".
وديلسي المقصودة في تصريحات الرئيس ترامب هي ديلسي رودريغيز، التي برز اسمها كقائدة
للمرحلة الانتقالية في فنزويلا مطلع العام الجاري، وكانت تشغل نائب الرئيس
الفنزويلي مادورو، والذي خطفته القوات الأمريكية في عملية ليلية مفاجئة، لم يتم
الكشف عن الكثير من أسرارها بعد.
وفي المقابل نقلت قناة الميادين بعدها عن عضو مجلس خبراء القيادة آية الله حسين
مظفري قوله، إن اجتماع اختيار القائد سيُعقد خلال الساعات القادمة.
بينما تحدث أحد الآيات عن أن الاختيار قد حسم وتم اختيار المرشد الجديد.
وبعدها تم حسم التضارب، وأعلن مجلس خبراء القيادة في إيران الأحد انتخاب مجتبى
خامنئي، مرشدًا أعلى جديدًا للبلاد، خلفًا لوالده الذي اغتيل في بداية الهجوم
الأمريكي الصهيوني على طهران في 28 فبراير الماضي.
وأعلن المجلس في بيان أنه تمّ في الجلسة الاستثنائية، وبناء على التصويت الحاسم
لممثلي مجلس خبراء القيادة، تعيين مجتبى الحسيني الخامنئي... القائد الثالث"
للجمهورية الإسلامية منذ إنشائها عام 1979.
وبهذا تم حسم التضارب داخل نخبة القيادة الإيرانية، والتي على ما يبدو شهدت صراعًا
داخليًا حول الخلافة وصنع القرار في زمن الحرب.
ولكن هناك عدة تساؤلات تتعلق بهذا الاختيار، أبرزها ثلاثة تساؤلات رئيسية:
تساؤل يتعلق بمعضلة الشرعية والتوريث في نظام الثورة، حول جوهر النظام الإيراني
الذي قام أساساً على أنقاض الحكم الملكي الوراثي.
فكيف سيتمكن النظام من تسويق فكرة توريث منصب المرشد شعبياً وسياسياً دون إحداث شرخ
في الأيديولوجية الثورية التي ترفض حكم العائلة؟
وهناك تساؤل
يتعلق
بحقيقة امتلاك مجتبى خامنئي الاجتهاد الفقهي الكافي الذي يتطلبه الدستور الإيراني
لشغل منصب الولي الفقيه؟
أما السؤال الثالث، فهو الأهم لأنه يتعلق بالحرب التي تشنها الولايات المتحدة
والكيان الصهيوني على إيران، كيف سيتعامل مجتبى خامنئي مع رفض ترامب لتعيينه مسبقا؟
للإجابة على هذه التساؤلات، لابد في البداية من اختيار الاقتراب العلمي الذي سيوضح
لنا الطريق الذي نسلكه للإجابة على هذه الأسئلة.
الشرعية السياسية
أرى أن الاقتراب العلمي الأقرب والأكثر ملاءمة لتقييم اختيار المرشد الجديد، هو
اقتراب الشرعية السياسية. وهو إطار نظري يركز على كيفية اكتساب النظام السياسي أو
الحاكم للقبول والدعم من قبل الشعب والنخب السياسية، مما يجعله شرعياً في أعينهم،
وفي نفس الوقت يحظى النظام بالقبول دوليا.
هذا الاقتراب لا ينظر إلى السلطة كقوة خام فقط، بل كعلاقة اجتماعية تعتمد على
الإقناع والقبول الطوعي أو الإكراهي المقنع.
كما يُستخدم هذا الاقتراب في دراسة الأنظمة الاستبدادية الثورية أو الهجينة، حيث
يساعد في تفسير كيفية الحفاظ على الاستقرار رغم التناقضات الداخلية أو الضغوط
الخارجية.
الاقتراب يفترض أن الشرعية ليست ثابتة، بل ديناميكية وتتأثر بعوامل داخلية (مثل
الأيديولوجيا والمؤسسات) وخارجية (مثل الضغوط الدولية). إذا فقد النظام شرعيته، قد
يؤدي ذلك إلى أزمات مثل الاحتجاجات أو الانقلابات.
فهذا الاقتراب يساعد في تحليل كيف يمكن للنظام الإيراني تسويق التوريث دون إضعاف
أيديولوجيته الثورية، وكيف يتعامل مع الشكوك الفقهية، وكيف يواجه الرفض الخارجي من
قبل قوى مثل الولايات المتحدة.
للوصول إلى هذه الأهداف فإن هذا الاقتراب يستخدم عدة أدوات لقياس الشرعية، تتكون من
شقين رئيسيين: شرعية داخلية، وشرعية خارجية.
الشق الأول: أدوات الشرعية الداخلية
الشرعية الأيديولوجية والدينية: التطابق مع العقيدة الرسمية والمواصفات الفقهية.
الشرعية الدستورية والقانونية: سلامة الإجراءات القانونية والمؤسسية لعملية
الاختيار وفقاً للدستور.
الشرعية التاريخية والكاريزمية: الرصيد النضالي التأسيسي والجاذبية الشخصية لدى
الجماهير.
الشرعية البراغماتية (الإنجاز الأداء): القدرة على تلبية احتياجات المواطنين وتقديم
إنجازات ملموسة.
شرعية التوافق النخبوي: دعم مراكز القوة الفعلية (الجيش، الأمن، المؤسسات
الاقتصادية).
الشق الثاني، أدوات الشرعية الخارجية.
شرعية الاعتراف والقبول الدولي: مدى اعتراف المجتمع الدولي والمؤسسات الأممية
بالقيادة الجديدة، والقدرة على الانخراط في النظام العالمي دون التعرض للعزلة أو
العقوبات المباشرة التي تعيق إدارة الدولة.
عند تطبيق ادوات اقتراب الشرعية السياسية السابقة على الحالة الإيرانية نجد الآتي:
الأداة الأولى الشرعية الأيديولوجية الدينية:
في أواخر أغسطس ومطلع سبتمبر من عام 2022، قامت وكالة أنباء الحوزة العلمية (وكالة
رسا) والمواقع الرسمية التابعة لمكتب التبليغ الإسلامي في قم، بنشر إعلانات عن بدء
التسجيل لدروس الفقه والأصول المتقدمة التي يقدمها مجتبى خامنئي.
في
هذه الإعلانات الرسمية، تم إسقاط لقبه السابق حجة الإسلام والمسلمين (وهو اللقب
الذي كان يُعرف به لسنوات طويلة)، واستُبدل رسمياً بلقب "آية الله". هذا التغيير
عبر المنصات التابعة للدولة اعتبره المراقبون إعلاناً رسمياً بترقيته الفقهية
وتأهيله الديني لمنصب المرشد، الذي يتطلب وفق المادة 109 من الدستور توافر الصلاحية
العلمية اللازمة للإفتاء.
شروط بلوغ هذه الرتبة قاسية وتتطلب عقوداً من الزمن، وتتلخص في:
اجتياز
المراحل الدراسية الثلاث: مرحلة المقدمات، ثم مرحلة السطوح، وصولاً إلى مرحلة
الدراسات العليا التي لا تعتمد على كتاب محدد، بل يناقش فيها الأستاذ آراء الفقهاء
ويطرح رأيه المستقل.
بعد
هذه المراحل الثلاث يجب أن يقضي طالب العلم سنوات طويلة، عادة تتجاوز 15 إلى 20
عاماً في حضور دروس لكبار المراجع، حتى يكتسب القدرة على الاستنباط المستقل.
بعدها يمنح الطالب شهادات مكتوبة من مراجع التقليد الكبار، يشهدون فيها صراحة بأنه
بلغ مرتبة الاجتهاد ويحق له استنباط الأحكام.
ولكن مجتبى افتقد إلى عدة أشياء في تلك المسيرة المفترضة، منها
غياب
التفرغ العلمي: حيث قضى الرجل الجزء الأكبر من حياته منذ أواخر التسعينيات كمدير
فعلي لمكتب والده منخرطا في إدارة الشؤون السياسية، والأمنية، والمالية للدولة،
وبناء شبكات النفوذ مع الحرس الثوري، جعل من المستحيل عملياً تفرغه للبحث والتدريس
الفقهي الصارم الذي تتطلبه الحوزة للوصول إلى مرتبة الاجتهاد الحقيقي.
كما
لم يُنشر أو يُعرف أن مجتبى خامنئي قد حصل على إجازات اجتهاد صريحة من المراجع
العظمى المستقلين في قم أو النجف (مثل آية الله السيستاني أو آية الله وحيد
الخراساني)، في حين أن الاعتراف باجتهاده يأتي حصراً من رجال الدين المسيسين أو
المرتبطين هيكلياً بمؤسسة المرشد الأعلى، مما يجعله اجتهاداً حكومياً، وليس
اجتهاداً مستقلاً.
وبذلك عند تقييم الشرعية الدينية لمجتبى خامنئي، نجد أنها شرعية مفروضة من أعلى،
مدعومة بأدوات الدولة، وليست شرعية مكتسبة من أسفل، عبر القبول الأكاديمي التقليدي
في الحوزة. هذا يجعله في موقف ضعيف أمام النخبة الدينية المحافظة التي قد لا تجرؤ
على معارضته علناً الآن بسبب سطوة الأجهزة الأمنية، لكنها لا تعترف بسلطته الروحية
والفقهية باطنياً.
الأداة الثانية: الشرعية الدستورية، ومأزق التوريث
قامت جمهورية الثورة الإيرانية على أنقاض النظام الملكي، الذي وصفه الخميني
بالطاغوت لكونه وراثياً.
ولكن اختيار مجتبى، يحول النظام إلى وراثي حتى لو بغطاء دستوري، لأنه يعيد إنتاج
ذات النموذج الذي قامت الثورة لإسقاطه، مما يُفقد النظام مبرر وجوده الأخلاقي أمام
الشارع.
وبذلك من الناحية الإجرائية، التعيين ممكن دستورياً. بينما من الناحية الفكرية
والسياسية، هو انتحار لشرعية النظام لأنه يحول الجمهورية إلى ملكية دينية مقنعة.
الأداة الثالثة: الشرعية التاريخية والكاريزمية
يواجه مجتبى خامنئي تحدياً في هذا المسار، يتمثل في عدة عناصر:
منها، غياب الرصيد النضالي، فالرجل من مواليد عام ١٩٦٩، فهو كان طفلاً وقت الثورة.
ورغم مشاركته المحدودة في أواخر الحرب مع العراق، إلا أنه لا يمتلك سجلاً نضالياً
مستقلاً يؤهله لمنافسة الجيل الأول الذي يرى نفسه الأحق بالقيادة.
ومنها
أيضا غياب كاريزما القائد الذي يعتمد على الخطابة، والحضور الجماهيري، والقدرة على
التعبئة، فمجتبى شخصية صامتة إعلامياً بشكل شبه كامل. لم يُعرف عنه إلقاء خطابات
حماسية أو التفاعل المباشر مع الحشود.
الأداة الرابعة: شرعية الإنجاز
هذه
الأداة تقيس قدرة القائد على إثبات جدارته من خلال نتائج ملموسة على أرض الواقع،
ولكي يكتسب أي سياسي شرعية الإنجاز، يمر عادة بمناصب (محافظ، وزير، رئيس برلمان)
حيث يمكن قياس نجاحه.
ولكن مجتبى قفز فوق هذه المراحل، فنفوذه نابع من المكانة (قربه من والده) وليس من
الأداء في منصب عام.
بل
يُنظر إليه في الشارع الإيراني كمسؤول عن الكثير من السياسات الأمنية والاقتصادية
بصفته مدير مكتب والده، وهذا يجعل شرعية إنجازه سلبية في نظر المعارضة والمحايدين،
حيث يُربط اسمه بالأزمات مثل قمع الاحتجاجات دون أن يُربط بإنجازات على صعيد
التنمية.
الأداة الخامسة: شرعية توافق النخبة ودعم مؤسسات القوة
وهذه
هي الورقة الرابحة لمجتبى والركيزة التي قد تحسم وصوله للسلطة رغم ضعف الأدوات
الأخرى.
فالرجل
يمتلك علاقات عضوية مع قيادات الحرس الثوري، وجهاز الاستخبارات التابع له. هذا
الدعم يوفر له شرعية القوة التي تستطيع فرض واقع سياسي جديد وإسكات الأصوات
المعارضة داخل النخبة الايرانية.
والأمر
الأخطر أن مجتبى يدير من خلال مكتب المرشد إمبراطوريات مالية تمثل جزءاً ضخماً من
اقتصاد إيران، مع قدرته على توزيع الموارد تمنحه ولاء شبكة واسعة من المستفيدين
داخل أجهزة الدولة.
الأداة السادسة: شرعية الاعتراف والقبول الدولي
هذه
الأداة هي التي تحدد قدرة إيران بزعامة مجتبى على البقاء كدولة فاعلة في النظام
العالمي.
فمجتبى
مدرج على قوائم العقوبات الدولية، وتوليه السلطة سيعني أن رأس الدولة هو شخص منبوذ
قانونياً من القوى الكبرى، مما قد يغلق أبواب الدبلوماسية ويعقد العودة للاتفاق
النووي.
حيث
يُنظر إليه دولياً كرمز للجناح الصقوري الأكثر تشدداً، هذا التصور سيجعل القبول
الدولي به كشريك للتفاوض أو الاستقرار صعباً جداً، وقد يدفع نحو مزيد من الضغوط
والعزلة على إيران، مما يضعف استقراره الداخلي في المدى البعيد.
الخلاصة
باستخدام
اقتراب الشرعية السياسية، يظهر أن اختيار مجتبى خامنئي هو مخاطرة كبرى للنظام.
فبينما يمتلك أداة واحدة قوية تتمثل في توافق النخبة والقوة الصلبة للنظام، فإنه
يعاني من هشاشة شديدة في الأدوات الخمس الأخرى. هذا الخلل يجعل حكمه المحتمل
معتمداً بالكامل على القمع والأمن بدلاً من الرضا والقبول، وفي نفس الوقت قد يطيل
أمد الصدام مع الوليات المتحدة، وهو وضع يتسم بعدم الاستقرار.