• - الموافق2026/03/04م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
ما بعد إيران ومحورها؟

في لحظةٍ تتهاوى فيها المحاور وتُعاد صياغة الخرائط، تقف المنطقة على حافة تحولٍ تاريخي حاسم. سقوط طهران أو صمودها ليس النهاية، بل بداية صراعٍ جديد على السيادة والهوية والتوازن. ما بعد إيران قد يكون هو الأهم والأخطر في اللحظة الراهنة


لم تصل إيران إلى لحظة الانكشاف الراهنة صدفةً ولا نتيجة مؤامرة عابرة، بل عبر تراكم طويل من السياسات الملتبسة، وتوسيع دوائر النفوذ دون حسابٍ دقيق لكلفة التمدد، والرهان على تحالفات رمادية لم تتحول يومًا إلى ضمانات صلبة. هكذا وجدت نفسها في عزلة استراتيجية خانقة، تتآكل فيها أوراق الردع واحدةً تلو الأخرى. غير أن سقوط النظام إن وقع لن يكون شأنًا داخليًا إيرانيًا، بل زلزالًا جيوسياسيًا يعيد رسم خرائط القوة في الإقليم كله.

سواء صمدت طهران أمام الضربة الأمريكيةالإسرائيلية أو انكسرت، فإن إيران التي عرفتها المنطقة قد انتهت. محورٌ امتد من بغداد إلى بيروت وصنعاء لم يعد قادرًا على الاستمرار بالصيغة ذاتها، وحتى إن بقيت الدولة، فإن قدرتها على استعادة موقعها كمنافس إقليمي خلال عقود مقبلة ستبقى موضع شك عميق. فالحروب لا تُسقط الأنظمة فقط، بل تُسقط الصور الذهنية والهيبة الرمزية التي تقوم عليها مشاريع النفوذ.

غير أن الخشية الكبرى لا تتعلق بإيران وحدها، بل بما بعد إيران. فغياب نظام الولي الفقيه قد يفتح الباب لاستفراد إسرائيل بالمنطقة، وتحويل إيران إلى دولة مندمجة في المنظومة الغربية، أقرب إلى نموذج مرحلة الشاه قبل ثورة 1979. استدعاء حقبة محمد رضا بهلوي ليس حنينًا تاريخيًا، بل احتمالًا استراتيجيًا مغريًا للغرب: إيران منزوعة المخالب، متصالحة مع واشنطن، ومتكيّفة ضمنيًا أو صراحة مع ترتيبات الشرق الأوسط الجديد التي طالما بشّر بها بنيامين نتنياهو.

في هذه الحال، لن يكون الأمر مجرد تغيير نظام، بل انتقالًا نوعيًا يضع احتياطيًا نفطيًا ضخمًا يُقدَّر بنحو 200 مليار برميل داخل دائرة النفوذ الأمريكي المباشر، مع ما يعنيه ذلك من تحكمٍ شبه كامل في مضيق هرمز، شريان الطاقة العالمي. وإذا أضيف إلى ذلك الضغط المتصاعد على نظام نيكولاس مادورو في فنزويلا، فإن صورة إعادة هندسة سوق الطاقة عالميًا تبدو أكثر اكتمالًا.

المفارقة أن سقوط النظام الإيراني رغم ما خلّفه مشروعه من مآسٍ طائفية في العراق وسوريا واليمن قد لا يكون مكسبًا صافيًا للعالم السني أو لدول الخليج على المدى البعيد. فإيران المروّضة داخل الحظيرة الغربية تمنح واشنطن هامش مناورة أوسع، وتقلّص حاجتها إلى شراكاتها التقليدية، وتحوّل الخليج إلى ساحة خيارات متعددة، يُستخدم فيها عامل الأمن كورقة ضغط لا كورقة شراكة متكافئة.

 

الأمم لا تختفي من معادلة الفعل لمجرد سقوط نظام. بل إن احتكار إيران لبوابة المقاومة – لفظًا أكثر منه معنى – حال دون تبلور مشروع سني جامع، متصالح مع أمته، وغير مثقل بإرث التوظيف الطائفي.

إسرائيل ستتنفس الصعداء مؤقتًا: لا مشروع نووي مقلق، ولا أذرع عسكرية عابرة للحدود، ولا تحدٍّ مباشر في لبنان أو اليمن. غير أن هذا الارتياح قد يكون قصير الأمد. ففراغ المقاومة الشيعية لا يعني نهاية فكرة المقاومة، بل قد يؤسس لتحولها. إذ إن احتكار طهران لخطاب الممانعة مع تناقضاته كان يحجب إمكان تشكّل صيغة مقاومة سنية أكثر التصاقًا بوجدان الأمة، وأقل ارتهانًا لحسابات دولة بعينها.

الصراع في المنطقة لم يكن طائفيًا خالصًا يومًا؛ بل تداخل فيه الطائفي بالاستراتيجي، والمذهبي بالجيوسياسي. وإذا أُقصيت إيران من معادلة التوازن، وتفرّدت إسرائيل والولايات المتحدة بإدارة المجال الحيوي للإقليم، فإن البيئة الشعبية السنية التي خبرت الاحتلال والتدخل والخذلان مرشحة لإنتاج محور مقاومة جديد، لا يقوم على الانفعال المذهبي بقدر ما يقوم على استعادة مفهوم السيادة والكرامة ورفض الإملاء الخارجي.

بمعنى آخر: غياب طهران لا يعني نهاية المحاور، بل إعادة تشكيلها. والتاريخ الحديث شاهد على أن محاولات الإخضاع الكامل كثيرًا ما تولّد نقيضها. ما جرى بعد الغزو الأمريكي في أفغانستان والعراق يقدّم مثالًا واضحًا: فالقوة المفرطة قد تحسم معركة، لكنها لا تحسم المجال الاجتماعي والسياسي، بل تزرع بذور مقاومات أكثر تعقيدًا وأشد انتشارًا.

تصريحات نتنياهو في أحد مؤتمرات جهاز الأمن العام الإسرائيلي، قبيل زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى تل أبيب، لم تكن عابرة. حديثه عن مصلحة كبيرة في إنشاء محور خاص في مواجهة المحور الشيعي الجريح والمحور السني يكشف إدراكًا مبكرًا بأن الفراغ لن يبقى فراغًا، وأن أي محاولة لاحتكار المجال الإقليمي ستستدعي ردود فعل مضادة. فالمسألة ليست صراع مذاهب، بل صراع إرادات وسيادات.

ثمة من يبشر بأن ضعف طهران يعني خضوعًا شاملًا للمنطقة، وأن الجميع سيغدو أسرى للهيمنة الصهيونيةالأمريكية. غير أن هذا التبشير يتجاهل حقيقة التاريخ: الأمم لا تختفي من معادلة الفعل لمجرد سقوط نظام. بل إن احتكار إيران لبوابة المقاومة – لفظًا أكثر منه معنى – حال دون تبلور مشروع سني جامع، متصالح مع أمته، وغير مثقل بإرث التوظيف الطائفي.

الخطر الحقيقي إذن ليس في بقاء نظام أو سقوطه، بل في اختلال ميزان الردع اختلالًا كاملًا. فإذا خلت الساحة لما يمكن تسميته المتصهينين الخلّص والمتأمركين المحض، فإن رد الفعل الاجتماعي والسياسي في العالم السني لن يبقى ساكنًا. وسيتحول الصراع من تنافس محاور إلى مواجهة بين هيمنة مكشوفة ومقاومة ناشئة، تبحث عن قيادة جامعة ورؤية متماسكة.

نحن أمام لحظة انتقالية لم تكتمل فصولها بعد. قد تنكسر إيران، وقد تعيد ترتيب أوراقها، لكن المؤكد أن المنطقة دخلت طورًا جديدًا. وما يبدو لبعضهم انتصارًا حاسمًا قد يكون في حقيقته بذرة محور آخر، أكثر التصاقًا بوجدان الأمة، وأشد حرصًا على ألا تُختزل قضاياها في مشروع دولة واحدة.

إن معاداة إسرائيل مهما كانت وجاهتها الأخلاقية والسياسية لا تعني منح إيران شيكًا على بياض لتعبث بأمن مجتمعاتنا. القاعدة واضحة: كل من ينتهك سيادة دولنا، ويجعل جغرافيتنا ساحة نفوذ، هو خصم، أيًا كان خطابه. إسرائيل فعلت، وإيران فعلت، وكلتاهما تعاملت مع المجال العربي بوصفه فضاءً قابلًا لإعادة التشكيل وفق مصالحهما.

اللحظة الراهنة تكشف الأقنعة. إيران حين تضرب جيرانها تسقط عن نفسها دعوى نصرة المستضعفين، وإسرائيل حين تسعى لبناء محور في مواجهة المحورين تؤكد أن معيارها هو منع أي قوة منازِعة لتفوقها. وبين هذين المسارين، يبرز التحدي العربيالسني: كيف تُصاغ معادلة مقاومة جديدة، متصالحة مع الأمة، مستقلة القرار، غير مرتهنة لإيران، ولا خاضعة للاحتواء الإسرائيليالأمريكي؟

السنن التاريخية تقول إن الهيمنة المطلقة وهم، وإن كل فراغ في موازين القوى يولّد قوة مضادة. والسؤال لم يعد: هل سيولد محور سني مقاوم؟ بل: كيف يتشكل؟ وتحت أي قيادة؟ وبأي تصورٍ للعلاقة مع العالم؟ تلك هي معركة ما بعد المحور الإيراني؛ معركة بناء توازن جديد، لا يختطفه الخارج، ولا تحتكره طهران، بل ينبع من عمق الأمة واتفاقها على معنى السيادة والكرامة.

أعلى