رمضان مدرسة تربوية شاملة تبني الإنسان، يتعلم فيها أن قلبه ونيته وعمله مسخرين للعبادة في كل الظروف وهو محطة سنوية لتغيير العادات نحو الأفضل والمرأة هي عماد الأسرة، وإذا انتظمت منهجيتها انتظم البيت كله
مع دقات الساعة الثانية فجرًا، كانت معظم الأسر نائمة في سكون الليل، لكن "أم خالد"
كانت تحدق في السماء من نافذة مطبخها. كانت عيناها تدمعان، ليس من دخان الطعام، بل
من حسرة في القلب. شعرت أن رمضان ككل عام يمر كالسحاب. كل ليلة كانت تضع قائمة
طويلة في ذهنها؛ التراويح بخشوع، ختم القرآن مرتين، قيام الليل.
لكن
الواقع كان شيئًا آخر، فبمجرد أن تستيقظ للسحور، تبدأ المعركة اليومية. طفلها
الصغير يبكي، وابنتها تبحث عن ملابس العيد، وزوجها يستفسر عن نوع التمر المفضل
للضيوف. والمطبخ ينتظرها، والغسيل يتراكم، وفي كل مساء، كانت تجلس متعبة، تمسك
المصحف تقرأ القليل بيقين وخشوع ثم تجد عينيها تغلقان من الإرهاق.
كانت
تنظر إلى صديقاتها على "واتساب" يرسلن أذكار الصباح والمساء وعدد أجزاء القرآن التي
ختمنها، فتشعر بتقصير شديد.
كبرت الحسرة في صدرها، حتى ليلة من ليالي العشر الأواخر، وبينما كانت تُخرج صينية
الحلوى من الفرن، ساخنة تفوح بروائح ذكية، سمعت صوت زوجها من الغرفة المجاورة يقول
لصديقه على الهاتف: "والله يا فلان، منذ تزوجت أم خالد وأنا لم أذق طعاما ألذ من
طعامها، في رمضان تحديدًا، تجعل الجنة في بيتنا. الله يبارك فيها ويجزها عنا كل خير"
توقفت "أم خالد" للحظة، تجفف العرق عن جبينها. كلماته دخلت قلبها كالبلسم. ثم سمعت
صوت ابنها الصغير وهو يدعو: "اللهم ارحم أمي وأبي، وأدخلنا الجنة، وأطعِم أمي في
الجنة من كل فاكهة كما تطعمنا كل يوم". وهنا.. اغرورقت عيناها بدموع فهم ويقين.
وأدركت فجأة أن كل هذا الذي تفعله ليس بعيداً عن العبادة. أدركت أن الملائكة لم
تغفل عنها وهي تطبخ، وترتب البيت، وهي تبتسم لزوجها وأولادها. أدركت أن السر ليس في
ترك العمل، بل في احتساب النية.
في مطبخي محراب
تخطئ المرأة حين تنظر إلى المطبخ كعائق يحجبها عن الله، ولا تدرك انه قد يكون
معبدها الصغير إذا رددت برضا قائلة "اللهم إني احتسبت هذه الخدمة لك"، إذا نوت وهي
ترتب بيتها ان تطوع النفس على النظافة التي أمر بها الله.
تلك الفطنة في اغتنام لحظات الشهر الكريم هي فلسفة حياة تجعل من باب عد النوايا
كنزا من الحسنات
.
قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}
[الذاريات: 56] فهذه الآية تؤكد أن العبادة شاملة لكل عمل يقوم به الإنسان بنية
صادقة، فخدمة المرأة لأسرتها هي جزء من هذه العبادة التي خُلقنا من أجلها.
وقال سبحانه: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} [الزلزلة: 7]
فالله لا يضيع أجر أي عمل مهما صغر، فتحريك المرأة للطعام، وترتيبها للمنزل،
وابتسامتها لأهلها، كلها أعمال ستجدها في ميزان حسناتها.
وقال عز وجل: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ
فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ
مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97] فالمرأة إذا عملت عملاً صالحاً كخدمة أهلها
وهي مؤمنة محتسبة، فسينالها الوعد الإلهي بالحياة الطيبة والجزاء الحسن.
وقال تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا
وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً
وَلَا شُكُورًا} [الإنسان: 8-9] فهذه الآيات تصف أخلاق الأبرار، ويمكن للمرأة أن
تستحضر هذا المعنى وهي تعد الطعام لأسرتها، محتسبة أن هذا الإطعام هو لوجه الله.
دروس العلم والقرآن
حكت لي إحدى صديقاتي عن وقوفها بالساعات لإعداد الطعام الذي يحبه أسرتها وهي تراجع
في الوقت نفسه محفوظها من القرآن من مصحف وضعته أمامها في المطبخ، محتسبة في ذلك
نية إطعام الطعام وإفطار صائم وإدخال السرور على أهل بيتها هذا غير ثواب القرآن
وفضله وبركته.
وعقب الإفطار تجمع الصحون سريعا وتذهب في مسجد قريب من بيتها بكامل زيها الشرعي
لأداء ما تيسر من صلاة التراويح
.
أما شقيقتها فجعلت من مطبخها دارًا للعلوم، حيث ترتب على هاتفها الدروس التي تريد
سماعها وتبدأ في تشغيلها أثناء غسل الصحون وإعداد الطعام في المطبخ .
فأي عبادة أعظم من عبادة امرأة جعلت من مطبخها محراباً، ومن بيتها جنة، ومن نيتها
نوراً يمشي بين الناس؟
جنة البيت
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا صَلَّتِ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا،
وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا، قِيلَ لَهَا:
ادْخُلِي مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ" (رواه أحمد وابن حبان)
فهذا الحديث يبين عظم أجر طاعة الزوج في المعروف، وخدمة المرأة لزوجها وأولادها في
المطبخ هي صورة من صور هذه الطاعة التي توجب الجنة.
وقال
صلى الله عليه وسلم: "إِذَا أَنْفَقَ الْمُسْلِمُ نَفَقَةً عَلَى أَهْلِهِ، وَهُوَ
يَحْتَسِبُهَا، كَانَتْ لَهُ صَدَقَةً" (متفق عليه)
فبذل المرأة جهدها في إعداد الطعام وترتيب البيت لأهلها، وهي تحتسب الأجر عند الله،
يتحول إلى صدقة تؤجر عليها.
وقال صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ لِلَّهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ عُتَقَاءَ
مِنَ النَّارِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَإِنَّ لِكُلِّ مُسْلِمٍ دَعْوَةً يَدْعُو
بِهَا، فَيُسْتَجَابُ لَهُ" (رواه أحمد)
فمع انشغال المرأة بأعمال المنزل، قد تكون من عتقاء الله من النار في هذا الشهر،
وعليها اغتنام أوقات الإجابة للدعاء.
وقال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ
لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا
غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" (متفق عليه)
فالحديث يعلمنا أن مدار قبول الأعمال على "الإيمان والاحتساب"، وسر تحويل الأعمال
المنزلية لعبادة هو أن تؤديها المرأة وهي مؤمنة بالله محتسبة الأجر عليه.
المرأة العاملة أيضًا تزداد عليها المسؤوليات الخاصة بالعمل فضلا عن احتياجات
الأسرة. لكن الحكمة ضالة المؤمن، ففي رمضان عليها الاجتهاد بتعدد النوايا واستغلال
اللحظات. فيمكن الجمع بين إتقان العمل ورعاية الأسرة ولذة المناجاة، إذا أعدت خطة
يومية مرنة.
رمضان ليس مجرد امتناع عن الطعام، بل هو مدرسة تربوية شاملة تبني الإنسان، يتعلم
فيها أن قلبه ونيته وعمله مسخرين للعبادة في كل الظروف وهو محطة سنوية لتغيير
العادات نحو الأفضل والمرأة هي عماد الأسرة، وإذا انتظمت منهجيتها انتظم البيت كله.
وفيما يلي نطرح خطة منهجية مقترحة للمرأة والعبادة في رمضان:
المرحلة الأولى: قبل الفجر
مع نفحات السَّحَر استحضري نية إحياء سنة السحور وتأخيره وتقوية البدن على الصيام
والقيام واستقبال يوم جديد بطاعة.
قبل الفجر بنحو ساعتين يبدأ تحضير السحور بهدوء مع الاسرة والاجتماع على الطعام
وتحقيق صلة الرحم.
بعد السحور، يمكن تخصيص 20 دقيقة لصلاة القيام ولو بركعات قليلة مع إطالة السجود
والدعاء. ثم صلاة الفجر بخشوع في وقتها مع أذكار الصباح، فهذا السلاح الروحي الذي
يعين على النهار الطويل.
المرحلة الثانية: بركة الصباح
اجلسي في مصلاك بعد الفجر واذكري الله حتى الشروق ثم صل الضحى وانوي الحصول على أجر
حجة وعمرة تامة. فقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم "من صلَّى الفجرَ في جماعةٍ،
ثمَّ قعدَ يذكرُ اللهَ حتَّى تطلعَ الشمسُ، ثمَّ صلى ركعتينِ كانت له كأجرِ حجةٍ
وعمرةٍ، تامةً، تامةً، تامةً»
إن خرجتِ
إلى العمل، يمكن استحضار النية منذ ارتداء الزي الشرعي بنية الانصياع لأمر الله
ونشر الفضيلة في المجتمع وتكثير سواد الملتزمات بالحجاب.
يمكن استغلال الطريق لاستماع إلى الورد اليومي من القرآن (حتى لو كان جزءاً بسيطاً)
أو درساً علمياً قصيراً.
وفي مقر العمل جددي النية بأن كدكِ وإتقانكِ هو صدقة، وحافظي على أذكار اليوم بخشوع
بين المهام.
المرحلة الثالثة: (فترة العودة للمنزل والإعداد للإفطار)
عند العودة، استريحي قليلا بنية التقوي على العبادة. لا تدعي المطبخ يستهلك طاقتكِ.
استعيني بجدول أسبوعي للوجبات يوفر عليكِ الوقت والتفكير.
عند إعداد الطعام، استصحبي نيات عظيمة مثل إفطار صائم، إدخال سرور على أهل البيت،
إطعام الطعام، تقوية اهل البيت على العبادة تطبيق الآية "كلوا من طيبات ما رزقناكم"
. ارفعي صوت القرآن أو الدروس المسموعة أثناء الطهي، فكلمات الله تملأ البيت نورا
وقلبكِ طمأنينة. تذكري تجنب الإسراف تطبيقا لقوله تعالى "وكلوا واشربوا ولا تسرفوا".
المرحلة الرابعة: ساعة الاستجابة (قبل المغرب بدقائق(
قبل أذان المغرب بدقائق، اتركي المطبخ جانباً. اجلسي في ركن هادئ، تضرعي إلى الله
وأطِيلي الدعاء. هذه دقائق ثمينة لا تعوض، اجعليها موعداً مع العتق من النار.
المرحلة الخامسة: لحظات الإفطار والتراويح
افطري
على رطبات أو تمرات تطبيقا لسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. مع الدعاء، ثم
توجهي لصلاة المغرب جماعة مع الأسرة إن أمكن. حولي وجبة الإفطار إلى جلسة أسرية
دافئة بعيداً عن التلفاز.
بعدها،
احرصي على صلاة العشاء والتراويح، وإن استطعتِ اصطحاب بناتكِ أو اخواتك الصغيرات
وبنات الجيران لغرس حب المسجد. يمكنكِ أداء بعض صلاتكِ في البيت إن كان ذلك أيسر
للعناية بالأطفال، فالأجر عظيم.
المرحلة السادسة: ختام المسك
خصصي وقتاً للتواصل مع الأهل (صلة الرحم) عبر الهاتف أو رسائل قصيرة. تجنبي السهرات
الطويلة التي ترهق جسدكِ. جهزي احتياجات السحور ثم نامي باكراً لتستيقظي بنشاط
للقيام والسحور، مع أخذ قيلولة في النهار إن أمكنكِ ذلك.
المرحلة
السابعة: بصمة العشر الأواخر
مع دخول
العشر الاواخر من رمضان، قَلِلي من وقت النوم والراحة قدر الاستطاعة. أحْيي الليل
بالصلاة والذكر. أيقظي أهلكِ ولو للحظات في جوف الليل، مستشعرةً قول عائشة رضي الله
عنها: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر أحيا الليل، وأيقظ أهله،
وجَدَّ وشدَّ المئزر".
المرونة هي سر النجاح. لا تحملي نفسكِ فوق طاقتها، فإذا فاتتكِ سنة اليوم، أدركيها
غداً. النيات الصادقة وإخلاص كل الأعمال لوجه يرفع العادة إلى عبادة، ويهون مشقة
التعب مع لذة احتساب الأجر.
اجعلي بيتك جنة تفوح منها روائح الحسنات، فكل حركة وكلمة وابتسامة احتساب يثقل
ميزانك بما لا تدركين عظمه.
هكذا يتحول يومك المنهك الى سرادق عبادة، ورمضانك مدرسة نيات تفتح ابواب الجنة،
مستلهمة قوله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ}، فانطلقي
نحو الفوز الأكبر بقلب مطمئن وروح منيرة.