• - الموافق2026/03/14م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
باكستان..  مأزق الدولة النووية بين ضغوط الداخل وتعقيدات الإقليم

تواجه باكستان في المرحلة الراهنة اختباراً استراتيجياً بالغ الحساسية، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية عقب المواجهة العسكرية الأخيرة التي طالت إيران

البيان/القدس: تواجه باكستان في المرحلة الراهنة اختباراً استراتيجياً بالغ الحساسية، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية عقب المواجهة العسكرية الأخيرة التي طالت إيران. فالدولة الواقعة عند تقاطع جغرافي معقد تجد نفسها مضطرة لإدارة توازن دقيق بين اعتبارات الأمن الداخلي، ومتطلبات علاقاتها الإقليمية والدولية، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية والاجتماعية داخل البلاد.

وقد انعكست تداعيات اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي سريعاً على المشهد الداخلي الباكستاني، خاصة في ظل وجود واحدة من أكبر الكتل السكانية الشيعية في العالم داخل البلاد. وشهدت مدن رئيسية مثل كراتشي والعاصمة إسلام آباد احتجاجات غاضبة ومواجهات مع قوات الأمن، الأمر الذي دفع البعثات الدبلوماسية الأمريكية إلى إصدار تحذيرات أمنية لرعاياها في باكستان.

في هذا السياق، حاول رئيس الوزراء شهباز شريف تبني خطاب سياسي متوازن يهدف إلى احتواء الغضب الشعبي دون الدخول في مواجهة مباشرة مع واشنطن. فقد وصف عملية الاغتيال بأنها انتهاك واضح للأعراف والقانون الدولي، في موقف يعكس محاولة الحكومة الحفاظ على مسافة دبلوماسية محسوبة بين الضغوط الشعبية والاعتبارات الاستراتيجية.

وتزداد حساسية الموقف الباكستاني بالنظر إلى طبيعة العلاقة مع إيران، حيث يمتد بين البلدين شريط حدودي يتجاوز تسعمائة كيلومتر، إضافة إلى شبكة مصالح أمنية واقتصادية متنامية. وقد شهدت العلاقات الثنائية دفعة جديدة بعد زيارة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى إسلام آباد في أغسطس 2025، والتي ركزت على تعزيز التعاون الأمني ومواجهة التحديات الحدودية المشتركة.

في المقابل، تسعى إسلام آباد إلى إعادة ترميم علاقاتها مع الولايات المتحدة، خاصة في ظل حاجتها إلى دعم سياسي وأمني في ملفات إقليمية أخرى، أبرزها التوترات الحدودية مع أفغانستان وعمليات مكافحة الجماعات المسلحة في المناطق القبلية.

على الصعيد الاقتصادي، يثير التصعيد الإقليمي مخاوف جدية بشأن تدفق الاستثمارات الأجنبية، خصوصاً في إقليم بلوشستان الغني بالموارد الطبيعية. ويُنظر إلى هذا الإقليم بوصفه محوراً لمشاريع اقتصادية واستراتيجية كبرى، إلا أن هشاشته الأمنية واحتمالات تنشيط الحركات الانفصالية قد يشكلان تهديداً مباشراً لهذه الاستثمارات في حال استمرار الاضطرابات الإقليمية.

كما يضيف البعد الخليجي طبقة جديدة من التعقيد إلى الحسابات الباكستانية. فالعلاقات العسكرية الوثيقة مع دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، تجعل من الصعب على إسلام آباد تبني موقف حيادي كامل في أي صراع إقليمي واسع. وتضع هذه المعادلة القيادة السياسية أمام معادلة دقيقة بين التزامات التحالفات التقليدية ومتطلبات الاستقرار الداخلي.

اقتصادياً، بدأت آثار الأزمة الإقليمية تنعكس بوضوح على الوضع المعيشي داخل البلاد. فقد ارتفعت أسعار الطاقة بشكل ملحوظ، ما دفع الحكومة إلى رفع أسعار الوقود بنسبة كبيرة في محاولة لمواكبة الارتفاعات العالمية. وأدى ذلك إلى تصاعد المخاوف من موجة تضخم جديدة قد تزيد من الضغوط على اقتصاد يعاني أصلاً من اختلالات هيكلية.

ولمواجهة هذه التحديات، أعلنت الحكومة حزمة إجراءات تقشفية طارئة شملت تقليص استهلاك الطاقة وإعادة تنظيم أنماط العمل في المؤسسات الرسمية. وتهدف هذه الإجراءات إلى تخفيف العبء على ميزانية الدولة وتقليل استهلاك الوقود في ظل ارتفاع تكاليف الاستيراد.

في الجانب الأمني، عززت القوات البحرية الباكستانية إجراءاتها لحماية خطوط الملاحة وضمان استمرار تدفق واردات الطاقة عبر المسارات البحرية الحيوية. وتدرك القيادة العسكرية أن أي اضطراب في حركة الملاحة في الخليج أو مضيق هرمز سيترك أثراً مباشراً على الاقتصاد الباكستاني المعتمد بشكل كبير على الواردات.

كما يراقب البنك المركزي الباكستاني بحذر تداعيات التصعيد الإقليمي على مؤشرات التضخم والاستقرار المالي. وتشير التقديرات إلى أن حالة عدم اليقين في الشرق الأوسط تجعل من الصعب رسم توقعات اقتصادية دقيقة في المدى القريب.

في الوقت ذاته، تواجه إسلام آباد تحدياً دبلوماسياً إضافياً يتمثل في إدارة علاقتها مع واشنطن، في ظل تاريخ معقد من الشكوك المتبادلة. فالإدارة الأمريكية تنظر بحذر إلى السياسات الباكستانية الإقليمية، بينما تحاول الحكومة الباكستانية الحفاظ على قدر من الاستقلالية في قراراتها دون خسارة الدعم الدولي.

 

أعلى