البيان/متابعات: يعكس التراجع الأميركي عن خيار المواجهة العسكرية المباشرة مع إيران تحولا في تقدير الموقف داخل واشنطن، ناتجا عن تداخل عوامل أمنية وسياسية وإقليمية كشفت محدودية جدوى التصعيد مقارنة بكلفته المحتملة. فبعد موجة من التهديدات العلنية التي صدرت عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تشير تقارير صحفية أميركية، في مقدمتها نيويورك تايمز ووول ستريت جورنال، إلى أن المؤسسات الأمنية والعسكرية خلصت إلى أن أي ضربة عسكرية لن تفضي بالضرورة إلى إسقاط النظام في طهران، بل قد تعزز تماسكه الداخلي وتمنحه شرعية إضافية في مواجهة ما سيُقدَّم كعدوان خارجي.
وتعزز هذا الاستنتاج معطيات ميدانية تفيد بأن الرهان على إحداث اختراق داخلي متزامن مع الضغط الخارجي لم يحقق النتائج المرجوة. ففي هذا السياق، قال مفتش أسلحة الدمار الشامل السابق والمسؤول الأممي الأسبق سكوت ريتر إن الأجهزة الأمنية الإيرانية تمكنت، وفق روايته، من تفكيك شبكات مرتبطة بالموساد ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية كانت تعمل على تأجيج الاحتجاجات داخل البلاد، مشيرا إلى أن التواصل مع هذه الشبكات تم عبر وسائل اتصال فضائية وشبكات إنترنت غير تقليدية مثل “ستارلينك”. ورغم أن هذه التصريحات لا يمكن التحقق منها بشكل مستقل، فإنها تندرج ضمن رواية أوسع تعكس فشل محاولات الاستثمار الخارجي في الاضطرابات الداخلية لتحقيق تحول سياسي حاسم.
ويرتبط هذا الفشل، وفق القراءة الأميركية، بقدرة النظام الإيراني على احتواء الاحتجاجات ومنع تحولها إلى مسار يهدد بنية السلطة، وهو ما يتقاطع مع ما أشار إليه ريتر عند مقارنته بما يجري في إيران بتجربة العراق في تسعينيات القرن الماضي، حين فشلت محاولات استخباراتية أميركية في استغلال فرق التفتيش الدولية لإحداث اختراق داخل النظام العراقي. ويعزز هذا الربط القناعة داخل واشنطن بأن أدوات العمل السري والضغط غير المباشر لم تعد تضمن نتائج سياسية قابلة للبناء عليها.
في موازاة ذلك، برزت المخاوف الإقليمية كعامل ضاغط على القرار الأميركي، إذ تدرك واشنطن أن أي مواجهة مباشرة مع إيران لن تبقى محصورة جغرافيا، بل قد تمتد إلى ساحات متعددة عبر حلفاء طهران الإقليميين، ما يفتح الباب أمام استنزاف طويل الأمد للقوات الأميركية ويهدد استقرار أسواق الطاقة والممرات البحرية. وتكشف الضغوط التي مارستها دول عربية ، عن إدراك إقليمي مشترك بأن كلفة الحرب تفوق مكاسبها المحتملة، وأن نتائجها تبقى غير مضمونة.
ولا يمكن فصل هذا التراجع عن الحسابات الداخلية الأميركية، حيث يواجه الرئيس ترامب بيئة سياسية حساسة تجعل الانخراط في حرب جديدة خيارا محفوفا بالمخاطر، خصوصا في ظل غياب إجماع داخلي واضح حول جدوى التصعيد، وتنامي الأصوات المحذرة من تكرار سيناريوهات تدخل مكلفة دون أفق سياسي.
في ضوء ذلك، يبدو أن الاتجاه الأميركي نحو القنوات الدبلوماسية لا يعكس تخليا عن سياسة الضغط، بقدر ما يشير إلى إعادة تموضع تكتيكي يهدف إلى إدارة الصراع مع إيران بدل حسمه عسكريا، والحفاظ على أوراق القوة دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. ويخلص هذا المسار إلى أن تراجع واشنطن يعكس إدراكا متزايدا بأن ميزان الكلفة والعائد لم يعد في صالح الخيار العسكري، وأن أدوات الردع التقليدية باتت أقل قدرة على إنتاج تحولات سياسية حاسمة في بيئة إقليمية معقدة ومتغيرة.