البيان/القدس: في زيارة أثارت جدلاً واسعًا سياسيًا وأمنيًا، وصل المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، الجنرال ديفيد بترايوس، إلى مركز التنسيق المدني–العسكري (CMCC) في جنوب الدولة العبرية، المكلف بالإشراف على ترتيبات “وقف إطلاق النار” في قطاع غزة. تأتي هذه الزيارة في مرحلة انتقالية من الحرب، حيث بدأت ترتيبات ما بعد العدوان الصهيوني تحل محل العمليات العسكرية المباشرة، لتفتح المجال أمام مشاريع إعادة الإعمار المشروطة بالضبط الأمني والسيطرة على السكان.
بترايوس، أحد أبرز مهندسي عقيدة “مكافحة التمرد” الأميركية، أعرب عن إعجابه بتحول الجيش الصهيوني نحو نموذج “التطهير، ثم السيطرة، ثم إعادة البناء”، وهو النموذج نفسه الذي طبقه في العراق وأفغانستان. يقوم هذا النموذج على تقسيم المدن إلى وحدات سكنية مغلقة، خاضعة للمراقبة البيومترية، وربط الخدمات الأساسية بالامتثال الأمني، ما يحوّل السكان من فاعلين سياسيين إلى مواضيع خاضعة للضبط.
قبل زيارة بترايوس، عرض الجيش الأميركي تصورًا لما يُسمى “أول مجتمع مخطط لغزة” في رفح، وهو مجمع مغلق يضم نحو 25 ألف فلسطيني، يقع تحت سيطرة عسكرية كاملة ويخضع لنظام دخول بيومتري وبرامج إعادة تأهيل اجتماعي، مع تحكم صارم بالمساعدات والسكن والعمل. ويُنظر إلى المشروع على أنه نموذج تجريبي قابل للتكرار في مناطق أخرى من القطاع، بتمويل إماراتي محتمل. ويحوّل هذا النموذج قطاع غزة من مساحة سكانية وسياسية إلى مختبر لإدارة السكان وتحقيق الاستقرار عبر الضبط الأمني، مع الحد من أي نشاط سياسي مستقل.
مركز CMCC، على الرغم من دوره المعلن في تنسيق المساعدات الإنسانية، يواجه انتقادات واسعة، حيث تواصل الدولة العبرية منع دخول مواد أساسية، وتقييد عمل عشرات المنظمات الإغاثية، ما دفع بعض الأطراف الأوروبية إلى سحب موظفيها من المركز. يعكس هذا الوضع وظيفة المركز كأداة إدارة للأزمة وليس كحلّ لها، حيث يتحول الحصار إلى آلية ضبط طويلة الأمد.
ارتباط بترايوس الحالي بشركة KKR الاستثمارية الأميركية، التي تركز على الأمن السيبراني والهوية الرقمية والصناعات الدفاعية، يعزز الانطباع أن إعادة الإعمار في غزة مرتبطة بالمصالح المالية لرأس المال العابر للحدود، وليس بالاستجابة الإنسانية أو الحقوقية للفلسطينيين. وبذلك، يتحول الضبط الأمني إلى أداة جذب للمستثمرين، حيث تصبح حياة السكان اليومية خاضعة للمراقبة والتقييم.
هذا المسار يتكامل مع خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب وصهره جاريد كوشنر، الذين قدما غزة بوصفها فرصة استثمارية وعقارية، مع خطط “تنمية اقتصادية” تربط بين الأمن والحوكمة، ما يعكس تحولًا واضحًا من معالجة القضية السياسية والحقوقية إلى إدارة السوق والمصالح الاستثمارية.
يواجه هذا النموذج الفلسطينيون بتداعيات مباشرة على الحقوق والحياة اليومية. تحذر منظمات حقوق الإنسان من أن هذا النهج يحوّل غزة من “سجن مفتوح” إلى “سجن مغلق فائق التقنية”، حيث لا يكون الهدف تحسين الحياة، بل التحكم فيها، وتحويل المعاناة الإنسانية إلى مورد مالي وأمني. وقد اعتبر رئيس شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية، أمجد الشوا، أن هذه الخطط “نماذج افتراضية لا تعكس الواقع ولا تستشير الفلسطينيين”، وتسائل عن ملكية غزة الجديدة ومن سيستفيد منها بالفعل.
يخلص التقرير إلى أن المشروع المطروح لإعادة إعمار غزة لا يمثل مسارًا إنسانيًا تقليديًا، بل نموذجًا لإعادة ضبط المجتمع الفلسطيني وفق معايير أمنية–اقتصادية.
في هذا الإطار، يصبح الحضور الأمني والاستثماري الأميركي–الصهيوني في غزة مؤشرًا على انتقال الحرب من شكلها العسكري المباشر إلى شكل أكثر تعقيدًا، يجمع بين الإدارة الأمنية، وإعادة تشكيل المجتمع، واستغلال الموارد الفلسطينية لتحقيق مصالح اقتصادية واستراتيجية، مع تقليص دور الفلسطينيين كأصحاب قضية وسيادة.