البيان/وكالات:لم تكن المقابلة التي أجراها الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون مجرّد حوار عابر، بل بدت كأنها إعلان موقف عقائدي صريح، تتداخل فيه السياسة باللاهوت، وتُستدعى فيه النصوص التوراتية لإعادة تعريف الجغرافيا. السفير الأمريكي لدى تل أبيب، مايك هاكابي، قدّم خطابًا يتجاوز لغة المصالح إلى يقين أيديولوجي، يضع «أرض الميعاد» في قلب السجال.
هاكابي، القسّ الإنجيلي السابق والحاكم الأسبق لولاية أركنساس، عُرف بقربه من التيار الإنجيلي المحافظ في الولايات المتحدة، وبانتمائه الفكري إلى تيار «الصهيونية المسيحية» الذي يرى في تمدد الدولة العبرية تجسيدًا لنبوءات توراتية. هذه الخلفية لم تكن تفصيلًا ثانويًا، بل ظهرت واضحة في مفردات المقابلة ونبرتها.
استند السفير إلى «سفر التكوين»، مشيرًا إلى حدود تمتد «من النيل إلى الفرات»، معتبرًا أن استيلاء الدولة العبرية على تلك المساحات «سيكون أمرًا جيدًا». طرحٌ يعيد إحياء مفهوم «إسرائيل الكبرى»، ولكن بلغة صريحة تستند إلى النصوص التوراتية، لا إلى حجج أمنية أو سياسية تقليدية.
وحين حاول هاكابي لاحقًا وصف حديثه بأنه «مبالغة توضيحية»، لم يتراجع عن جوهر الفكرة. كارلسون واجهه بتساؤلات حول مشروعية إعادة رسم خرائط الشرق الأوسط استنادًا إلى نصوص توراتية قديمة، متسائلًا عن موقع المعايير القانونية والتاريخية في هذا الطرح.
وأشار إلى وجود عائلات فلسطينية في الضفة الغربية تثبت جذورها الممتدة في الأرض، مقابل أصول أوروبية لأسلاف رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو، في محاولة لتفكيك الرواية اللاهوتية عبر أدوات التاريخ والهوية.
في منعطف آخر، أقر هاكابي بأن الدولة العبرية مارست ضغوطًا على واشنطن قبيل غزو العراق عام ٢٠٠٣، مستندة إلى معلومات استخباراتية غير دقيقة، مؤكدًا أنها تحرّكت وفق مصالحها الخاصة. اعترافٌ يعيد إلى الواجهة سؤال التأثير الصهيوني في القرار الأمريكي، ويستحضر كلفة حرب لا تزال آثارها حاضرة في الوعي العالمي.
في ملف الضفة الغربية، أعلن هاكابي تأييده الصريح لضم المناطق المصنفة «ج»، مدعيًا أنها ليست أراضي محتلة بل «سيادية تابعة للدولة العبرية». موقفٌ يتعارض مع قرارات الشرعية الدولية، ويكرّس رؤية أحادية للصراع.كما هاجم حل الدولتين، واصفًا إياه بأنه غير قابل للتطبيق، واقترح إخضاع الفلسطينيين لسلطة الدولة العبرية المباشرة، زاعمًا أن ذلك قد يكون «أفضل لهم». طرحٌ رآه مراقبون إعادة صياغة للصراع خارج إطار الحقوق الوطنية المعترف بها دوليًا.
في أكثر لحظات الحوار توترًا، واجه كارلسون السفير بملفات قتل الأطفال واستهداف المستشفيات والصحفيين في قطاع غزة، واصفًا ما يجري بأنه «مجزرة ممولة من أموال الضرائب الأمريكية». ورد هاكابي بإلقاء اللوم على حركة حماس، مدعيًا استخدامها المدنيين دروعًا بشرية.وادّعى أن جيش الدولة العبرية يلتزم بمعايير أخلاقية «تفوق» تلك التي يعتمدها الجيش الأمريكي، تصريحٌ أثار استياء كارلسون الذي اعتبره تبريرًا غير مقبول لقتل المدنيين.