البيان/متابعات: تعود قاعدة أكروتيري الجوية البريطانية في قبرص إلى واجهة المشهد الأمني الإقليمي، في ظل تصاعد المخاوف بين السكان المحليين من تداعيات انخراطها المتزايد في الصراعات الدائرة في الشرق الأوسط. وتعد القاعدة إحدى أهم المنشآت العسكرية البريطانية خارج الأراضي الأوروبية، وتقع ضمن منطقتين تخضعان للسيادة البريطانية بموجب اتفاقيات أُبرمت مع قبرص منذ ستينيات القرن الماضي، عقب استقلال الجزيرة عن بريطانيا.
وخلال الأسابيع الأخيرة، شهدت القاعدة تطوراً ميدانياً لافتاً بعد تعرضها لهجوم بطائرة مسيّرة، في ظل التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة والدولة العبرية من جهة وإيران من جهة أخرى. وذكرت مصادر إعلامية أن الهجوم استهدف أحد ملاجئ الطائرات داخل القاعدة، ما أثار مخاوف من احتمال تحول الجزيرة إلى ساحة غير مباشرة للصراع الإقليمي.
ويرتبط الوجود العسكري البريطاني في قبرص بتاريخ طويل من التدخلات العسكرية في الشرق الأوسط، إذ استخدمت القاعدتان البريطانيتان في الجزيرة منذ عقود كنقطة انطلاق للعمليات العسكرية، بدءاً من العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 وصولاً إلى العمليات العسكرية الحديثة في المنطقة.
وفي الوقت الراهن، تشير تقارير ميدانية إلى أن قاعدة أكروتيري تلعب دوراً مهماً في العمليات المرتبطة بالحرب على قطاع غزة، من خلال تقديم دعم لوجستي واستخباراتي للعمليات العسكرية التي تنفذها الدولة العبرية. كما أفادت تقارير بأن طائرات استطلاع بريطانية وأمريكية تنطلق من القاعدة لتنفيذ مهام استخباراتية فوق القطاع بهدف جمع المعلومات وتحديد الأهداف.
وربطت بعض التقارير الاستخباراتية بين إحدى تلك المهام الجوية وغارة استهدفت مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، أسفرت عن استشهاد نحو 30 فلسطينياً، الأمر الذي وضع القاعدة في دائرة الجدل السياسي والحقوقي بشأن دورها في العمليات العسكرية بالمنطقة.
وعلى الصعيد العسكري، تضم قاعدة أكروتيري منظومة جوية متقدمة تشمل مقاتلات بريطانية من طراز "تايفون"، إضافة إلى طائرات "إف-35" الشبحية ومقاتلات "إف16"، وهي طائرات شاركت خلال الأشهر الأخيرة في عمليات اعتراض لصواريخ وأهداف جوية في أجواء المنطقة، بما في ذلك الأجواء الأردنية خلال موجات التصعيد المتبادل بين إيران وخصومها.
هذا الدور العسكري المتنامي أثار حالة من القلق داخل المجتمع القبرصي، حيث خرج مئات المتظاهرين في احتجاجات تطالب بإنهاء الوجود العسكري البريطاني وتفكيك القواعد الموجودة في الجزيرة. ويرى المحتجون أن استمرار استخدام هذه القواعد في العمليات العسكرية الإقليمية يجعل من قبرص هدفاً محتملاً للهجمات الانتقامية، ويقحم البلاد في صراعات لا تخدم مصالح شعبها.
ورغم تصاعد هذه الاحتجاجات، لا تزال الحكومة القبرصية متمسكة بموقفها الرافض لمطالب إغلاق القواعد أو تقليص صلاحياتها. ويبدو أن نيقوسيا تفضل الحفاظ على علاقاتها الاستراتيجية مع المملكة المتحدة وحلفائها الغربيين، متجنبة الدخول في مواجهة سياسية أو دبلوماسية قد تؤثر على موقعها ضمن منظومة التحالفات الدولية، رغم المخاوف الأمنية المتزايدة لدى سكان المناطق القريبة من القاعدة.
وتعكس هذه التطورات حساسية موقع قبرص الجغرافي في قلب شرق المتوسط، حيث يجعلها قربها من بؤر الصراع في الشرق الأوسط لاعباً غير مباشر في التوازنات العسكرية الإقليمية، ويضعها في مواجهة معضلة دائمة بين متطلبات التحالفات الدولية ومخاوف الأمن الداخلي.