اليمن.. الخنجر!

ما تزال الأمـم المتَّحدة ومجلس الأمن معارضين لأيِّ حسم عسكريٍّ يهدف لاستعادة الدَّولة تحت ذريعة الجوانب الإنسانيَّة في حين لم تفلح منظَّمات الأمم المتَّحدة في إدارة هذا الملف


في 21 سبتمبر 2021م القادم سيكون قد مضت ستُّ سنوات على الانقلاب الحوثي الجاثم فوق أرض اليمن منذ 2014م، حين سـقطت صـنعاء رابع عاصمة عربيَّة في يد الميليشيات الحوثيَّة المدعومة إيرانيّاً. ودخلت اليمن في حرب مفتوحة بين أطراف عدَّة، وباتت مسرحاً للصِّراعات الإقليميَّة؛ وهذا بدوره أدخل البلاد في وضع إنسانيٍّ سيِّئ من غياب الأمن وتعطُّل مؤسَّسات الدَّولة عن القيام بمهـامها وتوقُّـف حركة عجلة الاقتصاد. وقد أعلنت الأمم المتحدة اليمن أسوأ حالة إنسانيَّة في العالم، حيث يعيش 20 مليون يمني تحت خطِّ الفقر.

الحالة السِّياسيِّة:

منذ انقلاب صنعاء تعطَّلت سلطات الدَّولة العليا عن القيام بمهامها، وأصبحت اليمن تحت سلطة أمر واقع، إذ شُلَّت مؤسَّسات الدَّولة (مجلس النُّوَّاب، والرِّئاسة، ومجلس الوزراء)، وباتت الميليشيات الحوثيَّة هي السُّلطة المتنفِّذة بالمشهد في المحافظات الشَّماليَّة، وأنهت جميع هذه المؤسَّسات مستندها الدُّستوري في البقاء، وفقدت فاعليَّتها الوظيفيَّة الَّتي تؤهِّلها لكسب شرعيَّة أمر واقع.

فالرَّئيس اليمني عبد ربُّه منصور هادي ما يزال مقيماً خارج اليمن، منذ خروجه مِن عدن مع نهاية شهر سبتمبر 2015م، وكذلك الحكومة اليمنيَّة الَّتي فقدت حضورها في عدن بعد انقلاب المجلس الانتقالي (الجنوبي، الدَّاعي للانفصال) على شرعيَّة هادي في أغسطس 2019م، وتمكُّن ميليشياته مِن السَّيطرة على مدينة عدن. كما أنَّ مجلس النُّوَّاب لم ينعقد بصفة رسميَّة منذ عام 2015م. وبهذا فإنَّ شرعيَّة هادي باتت مهدَّدة في شرعيَّتها الدُّستوريَّة والوظيفيَّة، وباتت اليمن تحت سيطرة ميليشيات انقلابيَّة في الشَّمال والجنوب.

يضاف إلى ذلك، حالة الجمود الَّتي تشهدها ساحة الأحزاب اليمنيَّة في ظلِّ حالة الاحتراب الَّتي غلَّبت الجانب العسكريَّ على العمليَّة الدِّيمقراطيَّة في البلاد. فقيادات كثير مِن هذه الأحزاب خارج الوطن، وأنشطتها السِّياسيَّة والتَّنظيميَّة متوقِّفة، وما عاد في اليمن أيُّ عمليَّة انتخابيَّة، بل باتت تحـت سيطرة القوَّات المتحاربة.

لقد فقدت الشَّرعيَّة اليمنيَّة خلال ستِّ سنوات مقوِّمات القوَّة الَّتي تؤهِّلها لاستعادة الدَّولة وتحرير اليمن جنوباً وشمالاً مِن أيدي الميليشيات الانقلابيَّة. فعنصر المبادرة مفقود، ويدها مكبَّلة بسبب ضغوط وقوَّة الأمر الواقع، وشرعنت  التَّمرُّد المسلح على حساب العمليَّات الانتخابيَّة المعبِّرة عن إرادة الشَّعب اليمنيِّ.

في المقابل تمكَّن الحوثيُّون مِن بسط هيمنتهم على المحافظات الشَّماليَّة، وبناء منظومة اقتصاديَّة كبيرة بموازاة المنظومة العسكريَّة الَّتي امتلكتها عقب انقلاب صنعاء، وساهمت الخبرات والكفاءات الإيرانيَّة أو الموالية لإيران في تأهيلها وتسليحها وإدارة معاركها. حتَّى تمكَّن الحوثيُّون مِن تهديد أمن دول الخليج واستهداف عمقها الإستراتيجي بصواريخ وطائرات موجَّهة عن بُعد. هذا إضافة إلى تواصلهم الدَّؤوب مع الدُّول الغربيَّة المؤثِّرة في صنع القرار الأممي لإكساب قضيَّتهم الشَّرعيَّة واعتبارها طرفاً في المعادلة الوطنيَّة أسوة ببقيَّة المكونات السِّياسيَّة! وهذا ما يفسِّر توجُّه الإدارة الأمريكيَّة الجديدة في ظلِّ فوز (جو بايدن) برئاسة الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة لإلغاء اسم (أنصار الله) مِن قائمة المنظمات الإرهابيَّة!

وفي حين تمارَس شرعيَّة الرَّئيس هادي مِن خارج الوطن وتضيق دائرة نفوذها شيئاً فشيئاً، يمارس الحوثيُّون سلطتهم مِن داخل الوطن، ممسكين بمناطق نفوذهم، ومهاجمين بين فترة وأخرى المحافظات المقاومة لضمِّها إلى مناطق نفوذها. كما أنَّ جهود حكومة هادي ضعيفة في مساعيها الدوليَّة ضدَّ ميليشيات الانقلاب (شمالاً وجنوباً) فتحوَّل اليمن إلى مشهدٍ مفكَّكٍ ومستقبلٍ ضبابيٍّ.

المجلس الانتقالي مِن جهته - ومِن خلال شرعنة انقلابه على الحكومة في عدن عبر اتِّفاقات عزَّزت حضوره وأعطته الصِّبغة الشَّرعيَّة - يهيمن على عدن ويسعى لتوسيع نفوذه وإسقاط نفوذ شرعيَّة الدَّولة اليمنيَّة، متمسِّكاً بهدفه في انفصال الجنوب، في الوقت الَّذي يتمُّ فيه دمجه في حكومة وفاق وطنيَّة! وفي سبيل تحقيق أهدافه، يتخادم المجلس الانتقالي مع ميليشيات الحوثي في تعطيل حركة المقاومة والتَّحرير الَّتي تمتد عبر محافظات اليمن الجنوبيَّة والوسطى والشَّماليَّة الشَّرقيَّة.

في هذه الأثنـاء، ما تزال الأمـم المتَّحدة ومجلس الأمن معارضين لأيِّ حسم عسكريٍّ يهدف لاستعادة الدَّولة تحت ذريعة الجوانب الإنسانيَّة في حين لم تفلح منظَّمات الأمم المتَّحدة في إدارة هذا الملف، بل تورَّطت عمليّاً في تقديم الدَّعم اللَّازم لميليشيا الحوثيِّين تحت ذريعة الجانب الإنسانيِّ ذاته!

وهكذا فإنَّ اليمن اليوم يعاني مِن أزمة سياسيَّة حادَّة، فمؤسَّساته معطَّلة، وقراره تتنازعه أطراف إقليميَّة ودوليَّة، وهناك ميليشيات عسكريَّة مسلحة ومدعومة مِن قوى إقليميَّة وبتواطؤ دوليٍّ تهدِّد كيان الدَّولة وأيَّ حَراك شعبيٍّ لاستعادتها.

الحالة الاقتصاديَّة:

في سبيل تطويع الشَّعب اليمنيِّ عملت القوى الدَّاخليَّة والخارجيَّة على إضعاف قدرة الدَّولة وقدرة الشَّعب الاقتصاديَّة، في مقابل دعم الميليشيات المسلحة وتمكينها مِن موارد الدَّولة وتسليطها على الشَّعب اليمنيِّ لاستنزاف ما تبقى له مِن قدرة ذاتيَّة ماليَّة تعزِّز إرادته.

فتمكين الميليشيات مِن إدارة المنافذ البريَّة والبحريَّة المفتوحة لستِّ سنوات، وتوقف صادرات اليمن مِن النِّفط والغاز، والتَّحكُّمُ بالبنك المركزي خارج سلطة الحكومة اليمنيَّة وإبقاؤه رهين الحسابات السِّياسيَّة، وتضييقُ خناق العمل الإنساني، وعبثُ الميليشيات المتمرِّدة المسلحة بموارد الدَّولة، وفرضُ الإتاوات والضَّرائب المختلفة، وتعطيلُ حركة التِّجارة والاستثمار، وإمساكُها هي بالنَّشاط التِّجاري والمصالح العامَّة، جميعها أوصلت اليمن إلى حالة انهيار تامٍّ للاقتصاد. إلى حدٍّ باتت العملة اليمنيَّة فيه تخسر قيمتها وتتراجع أمام العملات الخارجيَّة.

هذا الانهيار التَّامُّ للاقتصاد اليمني - مع ما تنعم به الميليشيات مِن دعمٍ وأموالٍ تحصل عليها بطرق غير شرعيَّة - ساهم في تحويل أبناء اليمن إلى أُجَرَاء لدى هذه الميليشيات توظِّفهم لصالح مشاريعها التَّدميريَّة مقابل ضمان معاشـات ضئيلة تلبِّي احتياجاتهم فقط. وبهذا يزيد انخراط المجتمع في الصِّراع الدَّائر ويجعله أداة طيِّعة للمشاريع الخارجيَّة.

لن تتوقَّف آثار الانهيار الاقتصادي على اليمن فحسب، بل ستنعكس ضرورة على دول الجوار الَّتي باتت تدفع ضريبة الحرب الدَّائرة في اليمن مِن مقدَّراتها الخاصَّة وميزانيَّاتها الدَّاخليَّة. فطبيعة الحرب استنزاف مجتمع الاحتراب ومحيطه، وإن وجدت جيوب خاصَّة مستفيدة مِن جرَّاء الحرب، لكنَّ الشُّعوب والدُّول سوف تتضرَّر جدّاً اقتصاديّاً على المدى المتوسِّط والبعيد.

الحالة العسكريَّة:

عسكرة المجتمع اليمنيِّ باتت هي الخطَّـة المتَّبعة لصانع المشهد السِّياسيِّ في المنطقة، حيث ساد المشهَد بناءُ ميليشيات مسلحة خارج إطار القانون والدُّستور وسلطة الدَّولة على مدى ستِّ سنوات مِن معركة التَّحرير. وإيران حاضرة بقوَّة في صناعة هذه الميليشيات اليمنيَّة شمالاً وجنوباً، فعيدروس الزَّبيدي (رئيس المجلس الانتقالي) كان مِن بين الشَّخصيَّات الَّتي ارتبطت بإيران وأذرعها في المنطقة خلال فترة الحَراك الجنـوبي (2007 - 2011م)، وتلقَّت دعماً ماليّاً ولوجستيّاً في حينه، عبر لبنان وسوريا. ومِن ثَمَّ فالتَّناغم الحوثي الانتقالي موجود مِن قبل الأحداث ومِن بعدها، وإن أبدى الانتقالي نوع اصطفاف مع (التَّحالف العربيِّ) ظاهريّاً في سبيل تقوية ذاته. فاليسار الاشتراكي تخادم في اليمن والمنطقة مع التَّوجُّهات الطَّائفيَّة وتعاون معها.

وهناك خطوط تهريب للسِّلاح تتمُّ عبر منافذ متعدِّدة لصالح هذه الميليشيات المهيمنة على المشهد اليمني، وسوف يصبح مِن السَّهل جدّاً أن تتحوَّل هذه الميليشيات إلى تهديد فعليٍّ لدول الإقليم في أيِّ لحظة تحوُّل عاصف في المشهد الدولي. فسياسة البيت الأبيض في ظلِّ الإدارة الدِّيمقراطيَّة تتَّجه نحو بناء علاقة حسنة مع إيران، وإعادة تأثيرها إلى المشهد الإقليمي في المنطقة، ورفع العقوبات وفكِّ الحصار الاقتصاديِّ عنها؛ وهذا سيعطي إيران وأذرعها دفعة قويَّة في الاستقواء مجدَّداً واستكمال مشروع الهيمنة.

إنَّ حالة العداء الَّتي نشأ عليها جيل كامل عاصر الظُّروف الرَّاهنة وقاسى مرارات الحصار والشَّقاء والخوف والحرب مع وجود ميليشيا مسلَّحة تحتضنه وتعطيه احتياجاته مقابل أن ينخرط في القتال معها، مع ما تملكه مِن خطاب طائفيٍّ أو مناطقيٍّ عدوانيٍّ، سترتدُّ على اليمن ومحيطها بقوَّة. فما ثمَّة بصيص أمل في استعادة الدَّولة في ظلِّ التَّآمر الدُّولي والإقليمي الَّذي يستهدف اليمن ومحيطه السُّنِّيَّ في جزيرة العرب.

والهجمات الَّتي تلقَّتها المملكة العربيَّة السُّعوديَّة على مدنها، ومرافقها المدنيَّة، ومصالحها الاقتصاديَّة، والمجمَّعات السَّكنيَّة، بل مقدَّساتها الدِّينيَّة في مكَّة المكرمة، خلال ستِّ سنوات مِن الحرب، دون أي جهود دوليَّة أمميَّة صادقة في كفِّ ميليشيات الحوثي (إيرانيَّة الهوى) عن هذه الهجمات، لهي مؤشِّرٌ على أنَّ عسكرة اليمن يراد مِنها إيجاد خنجرٍ مسموم جديد لأرض الحرمين والخليج العربي.

الخلاصة

اليمن يعيش مرحلة خطيرة جدّاً، انعكست آثارها على كافَّة جوانب الحياة الاجتماعيَّة في البلاد، وباتت تهدِّد السِّلم والأمن الإقليمي لدول الجوار الخليجي. والإخفاقُ في معالجة الملفِّ اليمنيِّ أو إطالةُ أمد الحرب فيه دون حسم لصالح استعادة الدَّولة سيفضي بالضَّرورة إلى إيجاد دولة طائفيَّة شمالاً تنزع للولاء الإيراني المطلق، ودولة يساريَّة في الجنوب تتخادم مع دولة الشَّمال وتقوِّي جانبها وتنخرط في تنفيذ أجندات لا تخدم اليمن ولا محيطه الخليجي كما كان حال اليمن الجنوبي إبَّان حقبة العهـد السُّوفييتي وحكم الحزب الاشتراكي اليمني.

فعلى دول الخليج العمل بجدٍّ وحزم لاستعادة الشَّرعيَّة اليمنيَّة للدَّولة المؤسَّسيَّة المعنيَّة بشأنها الدَّاخليِّ بعيداً عن أي انخراط في توظيفات إقليميَّة أو دوليَّة تُوجَّه ضدَّها. هذا بدوره سيعالج كثيراً مِن الآثار الخطيرة وسيعيد المجتمع إلى الحالة المدنيَّة وينزع فتيل عسكرة المجتمع وصناعة الميليشيات المتمرِّدة والخارجة عن السَّيطرة، سواء كانت يساريَّة أم طائفيَّة أم تتَّسم بالغلو والتَّطرُّف (الجهادي)!

ما لم، فسيكون اليمن خنجراً في خاصرة الجزيرة العربيَّة لأيادٍ عدَّة.

 


أعلى