هل تمثل إعادة تموضع كندا وبناؤها شبكة تحالفات مع قوى متوسطة وأوروبية بداية تحرر فعلي من التبعية الأمريكية ومواجهة لإستراتيجية ترامب التوسعية في نصف الكرة الغربي، أم أنها مناورة محفوفة بالمخاطر قد تجرّها إلى صدام اقتصادي وسياسي مفتوح مع واشنطن؟
•
هل تنجح كندا في بناء شبكة مَصالح لـ«الدول
المتوسطة»
في مواجهة الدول الكبرى؟
•
بداية المواجهة الكبرى مع إستراتيجية ترامب للسيطرة على نصف الكرة الغربي
•
كندا إلى التحالف مع أوروبا للدفاع عن جرين لاند
تعيش كندا وضعًا عاصفًا.
لقد دُفِعَت دفعًا لتغيير خططها الإستراتيجية وإعادة تموضعها دوليًّا.
وهي تُناور بحِرْص بالغ. تسير وفق خطة تجمع بين التدرُّج في الحركة، والحسم في
تغيير التوجُّهات، دون إعلان العداء، حتى لا تواجهها الولايات المتحدة بردود فِعْل
صادمة أو مجنونة.
وتظهر كندا أنها تدرك طبيعة ما سينتج عن حركتها الجارية من تغيير غير مسبوق على
صعيد علاقاتها مع الولايات المتحدة؛ إذ هي تسعى للانتقال من التبعية إلى الاستقلال،
في لحظة تاريخية فارقة يقود خلالها ترامب الولايات المتحدة للسيطرة على نصف الكرة
الأرضية الغربي وإنهاء حالة استقلال كل الدول الواقعة في هذا النطاق الجغرافي. وهي
تُدرك أبعاد مَخاطر مسارها الجديد لبناء شبكة مصالح مع دول أخرى تَخُوض حالة صراع
مُعقَّدة مع الولايات المتحدة، بما يرفع سقف التحدي الكندي الأمريكي إلى المستوى
الإستراتيجي دوليًّا؛ إذ تعلن الولايات المتحدة خططًا لإنهاء وجود ومصالح الدول
الكبرى الأخرى في قارتي أمريكا الشمالية والجنوبية.
وتتحرَّك كندا باتجاه هذا التغيير، بعد أن تأخرت كثيرًا وطويلًا، رغم ما كان واضحًا
ومؤكدًا أمامها بأنها قاب قوسين أو أدنى من خوض معركة البقاء، بما زاد من مخاطر
التحرك الآن.
فالصراع بين كندا والولايات المتحدة ليس وليد لحظة وصول ترامب للحكم في الدورة
الرئاسية الحالية. فترامب كان قد هدَّد كندا بالضم خلال ولايته الأولى (2016-
2020م)، كما أن النوايا الأمريكية كانت لها مؤشرات قبلها بسنوات؛ إذ توترت علاقاتها
الاقتصادية مع الولايات المتحدة منذ عام 1971م. بل كانت هناك تحرُّكات منذ بداية
نشأة الولايات المتحدة لضم كندا إلى الأراضي الأمريكية.
في عام 1971م، تلقَّى العالم صدمة الفصل بين الدولار والذهب؛ حيث أعلن الرئيس
الأمريكي ريتشارد نيكسون -في 15 أغسطس من عام 1971م- عن إلغاء قاعدة تحويل الدولار
إلى ذهب، وأضاف إليها قرارًا بفرض تعريفة جمركية قدرها 10% على السلع المُوّردة
للولايات المتحدة من جميع أنحاء العالَم، دون أن يستثني كندا، التي كانت تنظر
لنفسها كصاحبة علاقة خاصة للغاية مع الولايات المتحدة، وأن تداخُل اقتصادها العميق
مع الاقتصاد الأمريكي يمنحها استثناءً.
وقتها أرسلت كندا مبعوثيها إلى الولايات المتحدة بطلب استثناء كندا من تلك
التعريفات، لكنّ مساعيها فشلت. فقام رئيس وزرائها بالذهاب إلى واشنطن ولقاء الرئيس
نيكسون لنفس الطلب، لكنّ نيكسون لم يكتفِ بالرفض، بل زاد الإهانة. وكان المثير أن
واصلت كندا مسيرتها المعتادة، وأن زادت من اعتماد اقتصادها على الاقتصاد الأمريكي.
وإذ بدا من ردّ فِعل كندا تجاه حديث ترامب خلال ولايته الأولى عن ضمّ كندا، بأنّ
الأمر لا يعدو سوى إطلاق نكتة سخيفة، فالصدمة كانت حقيقية خلال ولاية ترامب
الحالية، ليس فقط لأن ترامب بدا في موضع إطلاق حرب على كندا، ولكن أيضًا؛ لأن ترامب
أظهر سلوكًا عدوانيًّا تجاه مختلف دول العالم إلى درجة استخدام القوة المسلحة أو
التهديد بها، وهو ما دفَع قطاعات من النُّخَب والمجتمع الأمريكي للحديث عن إعداد
خطط للدفاع حال استخدام الولايات المتحدة للقوة العسكرية لإنجاز مهمة ضمّ كندا.
وذلك ما دفَع الإدارة الحالية في كندا برئاسة مارك كارني للتحرُّك على نحو
إستراتيجي فاعل، يصل إلى درجة تغيير الاتجاه لا مجرد المناوشة والضغط، كما كان
الحال سابقًا. غير أن ذلك لا يعني أن كندا في وضع يسمح لها بالحركة على نحو سريع
-وهي المُهدَّدة بالزوال كدولة-؛ إذ هي تعاني من شدة الاعتماد المفرط على الاقتصاد
الأمريكي من جهة، ومن سياساتها السابقة التي أدخلتها في مشكلات مع دول باتت تلوذ
بالعلاقات معها الآن لمواجهة تهديدات ترامب.
ويزيد من ضرورات الحركة المحسوبة بدقة شديدة أن لتحرُّك كندا تأثيرًا حقيقيًّا
وكبيرًا، بحكم طبيعة التحولات الكبرى الجارية في العلاقات الدولية، وما تستهدفه من
إعادة صياغة النظام الدولي.
وقد بدا الأمر واضحًا ومؤكدًا خلال الكلمة التي ألقاها مارك كارني في منتدى دافوس؛
إذ جاءت إعلانًا بنهاية هيمنة الولايات المتحدة على العالَم، وبمشاركة كندا في
إعادة صياغة نظام دولي جديد.
صراع غير متوقع!
جمعت الجغرافيا بين كندا والولايات المتحدة.
فكندا دولة جوار، وتُحاذي حدود الولايات المتحدة في الشمال. وهي تبدو ككتلة حجرية
عازلة بين الولايات المتحدة والمحيط المتجمد الشمالي.
وتُشكِّل تاريخًا راسخًا في علاقات البلدين؛ إذ مثلت كندا الجار الذي بينه صلة
قرابة مع الولايات المتحدة، لكنّه الفرع الأفقر في العائلة والخاضع لحماية الجار
الغني والمعتمد على صلته بالجار -الأمريكي- الغني. وعلى أساس صلة القرابة في اللغة
والفكر، وارتباطات المصالح، نظَر العالم لكندا كتابعٍ في السياسة الخارجية والدفاع
للولايات المتحدة.
وتعدَّدت وجوه الشَّبَه بين الدولتين، حتى إن العملة الكندية سُمِّيت بالدولار،
ومُيِّزَت بوصفها بالدولار الكندي. وعاش الاقتصاد الكندي حالة متصاعدة من الاعتماد
على الاقتصاد الأمريكي، وبنِسَب غير مسبوقة في العلاقات بين اقتصادات الدول.
تشير أرقام الاقتصاد إلى أن كندا يرتبط اقتصادها عضويًّا بالتصدير والاستيراد مع
الاقتصاد الأمريكي. أو أن الوضع وصل حدًّا من الارتباط والاعتماد المتبادَل، مع
فارق أساسي يتمثل في أن حجم الاعتماد الأمريكي على كندا أقل في نسبته المئوية من
حجم الاقتصاد الأمريكي، بحكم ضخامة حجم الاقتصاد الأمريكي؛ إذ يبلغ حجم الاقتصاد
الأمريكي 10 أضعاف الاقتصاد الكندي.
وتُعدّ الشراكة التجارية بين كندا والولايات المتحدة من بين الأكبر والأكثر تكاملًا
في العالم. وقد تجاوز حجم التبادل السلعي السنوي نحو 900 مليار دولار في عام 2023م.
وكندا هي السوق الأول للصادرات الأمريكية، وتشمل التبادلات الرئيسية الوقود (ربع
صادرات كندا)، والسيارات وقِطَع الغيار، والآلات، مع اعتماد كندي كبير على السوق
الأمريكية (أكثر من ثلاثة أرباع صادراتها).
وكانت كندا الشريك التجاري الأول للولايات المتحدة في التجارة من السلع والخدمات.
لقد استوردت الولايات المتحدة من كندا سلعًا بـ481.6 مليار دولار، وصدَّرت لكندا
سلعًا بـ440.9 مليار دولار، وكانت كندا المورد الثالث لأمريكا خلف المكسيك والصين.
ووجَّهت كندا نصف استثماراتها الخارجية المباشرة لأمريكا، وبلغت الاستثمارات
الأمريكية المباشرة لكندا نحو 45.7% من إجمالي الاستثمارات الخارجية المباشرة.
ورغم وجود إرهاصات لتحوُّل أمريكا إلى وضع الضاغط بعد قرارات عام 1971م، إلا أن
كندا لم تُفعِّل خياراتها المستقلة.
خلال أزمة 71، وبعد فشل كل محاولات استثناء كندا من الضرائب الجمركية بحكم اعتماد
اقتصادها على الاقتصاد الأمريكي، حدَّدت كندا ثلاث إستراتيجيات للتعامل مع الولايات
المتحدة:
قامت الأولى على بقاء الوضع الإستراتيجي للعلاقات كما هو قائم.
والثانية: رفع المستوى الاقتصادي نحو الاندماج الكامل.
والثالثة: تنويع علاقات كندا بدول العالم.
لكنّ كندا واصلت السير وفق الإستراتيجية الثانية، فتصاعَد اعتمادها على الاقتصاد
الأمريكي، حتى جاءت صدمة ترامب الأخيرة، فلم يَعُد لكندا خيار سوى اعتماد
إستراتيجيتها الثالثة، أو ما يُوصَف بالبديل الثالث.
بواعث وأسباب حركة ترامب
يعتمد الرئيس الأمريكي رؤية استعمارية تقليدية في العلاقات مع الدول الأخرى. وهو
حين يسعى لضم كندا والسيطرة على أرضها وثرواتها، فذلك ليس استثناءً؛ إذ ظهر الأمر
واضحًا في محاولة السيطرة على جزيرة جرين لاند، وفي السيطرة على غزة، وفي السيطرة
على النفط الفنزويلي... إلخ.
وفي حال سيطر ترامب على كندا وضمّها لتصبح الولاية 51 -كما يصفها بين الحين
والآخر-، تصبح الولايات المتحدة الدولة الأكبر مساحة في العالم -متجاوزة روسيا-؛ إذ
ستبلغ مساحتها نحو 7.6 مليون كيلو متر مربع، ولتحتل 13% من مساحة الكرة الأرضية.
كما ستسيطر الولايات المتحدة على 200 مليار برميل من احتياطيات النفط المؤكدة،
ويقفز عدد سكانها ليصل إلى حوالي 390 مليون نسمة.
ويُحقّق ضم الولايات المتحدة لكندا اقترابًا من السيطرة على جزيرة جرين لاند
(الدانماركية) التي هي أقرب لكندا من أوروبا نفسها، وليس مصادفة أن تكون هي الجزء
الثاني المستهدَف في سياسة ترامب التوسعية الاستعمارية، حتى يمكن القول بأن
الاستيلاء على كندا يزيد من فرص الاستيلاء على جرين لاند، وأن الاستيلاء على جرين
لاند يُضاعِف فرص الاستيلاء على كندا.
ويُحقّق ضم كندا تمددًا جغرافيًّا للأرض الأمريكية بمساحة إطلال على المحيط المتجمد
الشمالي، الذي بات عنوانًا للصراع الإستراتيجي بين الدول الكبرى كموطن للثروات
الهائلة وغير المستغلة.
ويُسوِّق ترامب لفكرة الاستيلاء على كندا بنفس المقولات التي يُسوِّق بها السيطرة
على جرين لاند، فإذ أشار مرارًا وتكرارًا إلى سبب سيطرة الصين على جرين لاند
باعتباره خطرًا إستراتيجيًّا على الولايات المتحدة، فهو يُكرّر نفس الأمر في حالة
كندا، ويتحدَّث دومًا عن أن الصين تستولي على كندا بنجاح وبشكل كامل.
كندا تحسم رؤيتها نحو الخيار الثالث
شعرت كندا هذه المرة بخطر حقيقي بسبب الحالة التي أشاعتها ممارسات الرئيس الأمريكي
ترامب؛ إذ أيقنت جدية التهديد.
تحركت الإدارة الكندية لتُعيد تموضعها الإستراتيجي، ارتكانًا إلى ما أشارت إليه
استطلاعات الرأي التي أظهرت أن نحو 80% من الكنديين يرفضون الانضمام للولايات
المتحدة. وفي ذلك باتت كندا في مواجهة مشكلات كبرى، فاقتصادها عالق في التبعية
والارتباط بالاقتصاد الأمريكي، وعلاقاتها الخارجية كانت في حالة تبعية للسياسات
الخارجية الأمريكية التي أورثتها نفس المشكلات التي لم يَعُدْ اتباعها على كندا
بأيّ فوائد؛ إذ كانت كندا قد أرسلت قواتها إلى أفغانستان والعراق خلال تجربة الغزو
والاحتلال الأمريكي، كما استجابت كندا للضغوط الأمريكية بشأن مواجهة وإضعاف شركة
هواوي الصينية، كما توترت علاقاتها مع الهند بسبب محاولة اغتيال أحد المعارضين...
إلخ.
لقد تحرَّك رئيس الوزراء الكندي باتجاه الصين والهند وجنوب إفريقيا كبداية لفكّ
الارتباط مع واشنطن، كما تحرك بقوة لتعميق العلاقات مع أوروبا، ولم يعد مستبعدًا أن
تلعب كندا دورًا مضادًّا للمواقف الأمريكية في أمريكا الجنوبية.
والمؤكد أن كندا ستتحرك حاليًّا لبناء تحالف أوثق مع المكسيك، وبناء أرضية مشتركة
لمقاومة الضغوط الأمريكية على كلا جاريها.
يشرح رئيس الوزراء الكندي التحوُّلات في الإستراتيجية الكندية، بالقول: نحن نشهد
تنويعًا سريعًا في أنشطتنا الخارجية. فقد أبرمنا شراكة إستراتيجية شاملة مع الاتحاد
الأوروبي، بما في ذلك الانضمام إلى اتفاقية
SAFE
(وهي آلية أوروبية لتوريد المعدات الدفاعية). وهو أكَّد على دور كندا والتزامها
بحلف الناتو وبتحالف الراغبين في الدفاع عن أوكرانيا. وأوضح أن بلاده تقف بقوة مع
غرينلاند والدنمارك، وتدعم بشكل كامل حقهما الفريد في تحديد مستقبل غرينلاند.
وفي وصف حركة بلاده، قال:
«وقّعنا
12 اتفاقية أخرى في مجالَي التجارة والأمن في أربع قارات خلال ستة أشهر. وأعلن عن
توقيع شراكات إستراتيجية جديدة مع الصين وقطر، وأن بلاده تُجري مفاوضات بشأن
اتفاقيات تجارة حرة مع الهند، ورابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، وتايلاند،
والفلبين».
وواقع الحال أن الأهم هو تلك الرؤية التي طرحها رئيس وزراء كندا أمام منتدى دافوس،
وشرح فيها بوضوح الرؤية الكندية لإستراتيجيتها وفق ما يُوصَف في كندا بالخيار
الثالث.
قال مارك كارني: كانت كندا من بين أوائل مَن سمعوا نداء الإنذار، مما دفعنا إلى
تغيير موقفنا الإستراتيجي بشكل جذري.
وشدَّد على نهاية النظام الدولي القائم على القواعد، وأوضح كيف تتكيَّف كندا مع
التغيير في الوضع الدولي عبر بناء استقلال إستراتيجي مع الحفاظ على قِيَم مثل حقوق
الإنسان والسيادة.
وقد حدَّد مارك طبيعة التحالفات التي تسعى كندا لها على صعيد بناء نظام دولي جديد.
لقد دعا القوى المتوسطة، مثل دولته، إلى العمل معًا لمواجهة صعود القوة الصلبة
والتنافس بين القوى العظمى، من أجل بناء عالم أكثر تعاونًا ومرونة، مؤكدًا أن القوى
المتوسطة مثل كندا ليست عاجزة، فهي تمتلك القدرة على بناء نظام جديد يشمل قِيَمنا،
كاحترام حقوق الإنسان، والتنمية المستدامة، والتضامن، والسيادة، والسلامة الإقليمية
لمختلف الدول.
كيف ترد أمريكا؟
يُدرك صانع القرار الأمريكي مدى أهمية كندا، سواء تعلَّق الأمر بثرواتها أو
باعتبارها امتدادًا للسوق الأمريكي أو بسبب مكانتها الدولية؛ إذ كانت صوتًا وقوة
تحت الطلب في مجال السياسة الخارجية الأمريكية، باعتبارها إحدى دول مجموعة السبع
الكبار وباعتبارها عضوًا مُؤسِّسًا لمجموعة العشرين.
ولعل ذلك ما دفَع ترامب للرد بقسوة على خطوة كندا باتجاه الصين، وبشكل خاص على
التوجهات الإستراتيجية التي حدَّدها رئيس الوزراء أمام منتدى دافوس.
رد ترامب في خطابه في دافوس -في اليوم التالي لإلقاء رئيس الوزراء الكندي كلمته-
قائلًا: إن
«كندا
تعيش بفضل الولايات المتحدة».
وهدَّد ترامب كندا بفرض رسوم جمركية بنسبة 100% على بضائعها إذا سمحت للبضائع
الصينية بالتدفق بحرية إلى الولايات المتحدة، متجاوزة بذلك الرسوم الجمركية.
لكن الأمور لن تُحلّ بتبادل الكلمات والتهديدات.
وإذا كانت كندا قد حددت خياراتها وفعَّلتها -وهي لا شك تُراهن على الوقت في انتظار
حدوث تغييرات سياسية داخل الولايات المتحدة-؛ فالولايات المتحدة تحت إدارة ترامب
ستتحرك في عدة اتجاهات، سيكون مجالها الاقتصاد والتجارة والسياسة.
يتوقع أن تتحرَّك الإدارة الأمريكية إعلاميًّا واستخباراتيًّا لزيادة نسبة الكنديين
الموافقين على الانضمام للولايات من 20% إلى أغلبية النصف زائد واحد، وأن تتحرك
اقتصاديًّا لإضعاف الاقتصاد الكندي ودفع المجتمع لاتخاذ مواقف رافضة لسياسات
الحكومة الكندية، أو لصناعة اضطراب في البلاد. كما ستتحرك الولايات المتحدة لفرض
جمارك على السلع الكندية. وتشير كثير من التقارير إلى أن إدارة ترامب تبحث حاليًّا
إصدار قرار بالانسحاب من اتفاقية التجارة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا،
التي وقَّعها ترامب خلال ولايته الأولى، وهي خطوة من شأنها أن تُفاقم التوترات
التجارية في أمريكا الشمالية.
دلالات كبرى لتغيير إستراتيجيات كندا
تتوالى مشاهد وتحرُّكات تغيير الوضع الدولي، لتظهر كسلسلة تراكمية تتحرك في اتجاه
واحد، هو ضعف وتراجُع أمريكا أمام القوى الدولية الصاعدة. لكنّ دلالات التغيير في
مواقف كندا تظهر أن لا أحد يستطيع الإمساك بالمدى الذي تتحرّك نحوه حركة التغيير في
المشهد الدولي، فنحن أمام حدوث أشياء ليست متوقعة.
لقد جرى التركيز في دراسة مشاهد التغيير في الوضع الدولي على ما جرى ويجري من تغيير
في التوازنات في منطقة بحر الصين الجنوبي، بظهور اليابان والصين وكوريا الجنوبية
وإندونيسيا وفيتنام على الصعيد الاقتصادي، وعلى ما شهده العالم من تغيير وتنامٍ في
علاقات التحالف بين روسيا والصين، وبين كوريا الشمالية النووية وروسيا. وظهر
التغيير في خروج الهند من دائرة التخلف التقني والفقر لتصبح قوة اقتصادية
وتكنولوجية ونووية، متخطية حالة الانغلاق على الصراع مع باكستان إلى الصراع على
الصعيد الدولي. وشهدنا التغيير يصل إلى عمق العلاقات والتحالف الغربي؛ إذ تتصاعد
مؤشرات انشقاق التحالف الغربي لتصبح أوروبا طرفًا والولايات المتحدة طرفًا آخر.
والآن يطل التغيير برأسه في أهمّ مُكوّن طبيعي، عبر حدوث شرخ في العلاقات التاريخية
المستقرة بين الولايات المتحدة وكندا، مع مؤشرات متصاعدة إلى حدوث نفس الأمر بين
الولايات المتحدة والمكسيك، ليصل التغيير إلى ما كان أشد استقرارًا لثلاثة قرون،
كانت خلالها الولايات المتحدة هي أمريكا الشمالية؛ إذ كانت هيمنتها على كندا في
أعلى القارة والمكسيك في جنوبها علاقة لا انفصام لها.
والأهم أن كندا تتحرَّك لتساهم في حدوث التغيير على الصعيد الدولي، وليس فقط على
صعيد العلاقات مع جارتها المسيطرة، وأنها باتت فاعلة في التغيير في مواجهة
الإستراتيجية الأمريكية التي أعلنت السيطرة على نصف الكرة الغربي من الكرة الأرضية.
ولعل هذا ما استنفر مجلس النواب الأمريكي للتصويت إيجابًا على قرار بإلغاء الرسوم
الجمركية التي فرضها ترامب على كندا.