وترجِّح كثير من استطلاعات الرأي التي أعدَّتها الصحف الفرنسية أن تبقى لوبان الأوفر حظاً في إشغال المركز الثاني بعد ماكرون في جولة الإعادة في تكرار لنتائج عام 2017م
تتلوى
فرنسا على وقع كثير من الأزمات الداخلية والخارجية، وهذا الأمر لا يمكن تحميل وزره
فقط لسياسات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون؛ إذ المتغيرات السياسية التي يشهدها
العالم كبيرة جداً وقد ساهمت في تصدُّع الكتلة الغربية بصورة كبيرة. فعملية برخان
العسكرية الفرنسية في منطقة الساحل الإفريقي التي كان هدفها دعم النظم السياسية
الموالية لفرنسا والتخلص من الجماعات الجهادية انتهت إلى الاستعانة بغطاء مجلس
الأمن والولايات المتحدة للتخلص من الانقلابات العسكرية في مالي، والانسحاب منها
عقب توجُّه المجلس العسكري الحاكم إلى فتح حوار مع الجماعات الجهادية عبر المجلس
الإسلامي الأعلى. وعقب الإطاحة بنظام الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، بدأت
القيادة الجزائرية في مواجهة تاريخية واقتصادية مع فرنسا، وأنهت عقود العديد من
الشركات الفرنسية؛ بل وجَّهت مؤخراً ضربة قاسية للفرنكفونية الفرنسية عبر إلزام
القطاعات الحكومية الجزائرية باستخدام اللغة العربية لغةً رسمية في المعاملات
الحكومية بدلاً من اللغة الفرنسية.
أما الصدمة الثالثة التي تلقَّتها فرنسا وكانت مؤلمة ومشككة في طبيعة التقارب
الفرنسي مع بلدان حلف شمال الأطلسي، فهي إلغاء أستراليا صفقة لشراء مجموعة من
الغواصات الفرنسية واستبدلت بها صفقة جديدة مع الولايات المتحدة
وبريطانيا.
لقد فسَّر ماكرون ما حدث بأنه لعبة كبيرة تتعلق بمكانة فرنسا ودورها في قيادة
أوروبا في منطقة المحيطين الهندي والهادئ وإفريقيا، لذلك عدَّها مسألة إذلال شخصي
ساهمت في إظهار فرنسا بصورة ضعيفة جداً قد تؤثر بصورة سلبية على علاقتها بحلفائها.
لذلك يمكن أن ينعكس ذلك على نتائج الانتخابات الفرنسية في أبريل المقبل؛ فالضربات
التي استهدفت السياسة الفرنسية الخارجية قد تساهم في إنهاء صعوده غير المتوقع إلى
السلطة عام 2017م، لكن ما يُضعِف احتمالات تحقُّق هذا التوقع هو أن قائمة المنافسين
الذين دفعتهم فورة الغضب الجماهيرية بحسب استطلاعات الرأي ما تزال غير حاسمة؛ فمن
الذين برزوا في وجه ماكرون إعلاميٌّ أكثر تطرفاً من زعيمة الجبهة الوطنية مارلين
لوبان، يدعى إريك زمور، أخرجته آراؤه المتطرفة تجاه المسلمين عبر البرامج الحوارية
على أنه نسخة فرنسية من الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، فأحد تصريحاته
البارزة الشهر الماضي كانت تستهدف المهاجرين في فرنسا يقول فيه:
«علينا
أن نقول للفرنسيين من أصول مهاجرة ليختاروا من هم»،
فعلى حدِّ وصفه
«الفرنسيون
يشعرون بالاستعمار»،
ومن أبرز شعاراته الانتخابية حظر الأسماء غير الفرنسية والحجاب الإسلامي.
وعلى الرغم من حماسته الكبيرة إلا أن بعض النخب الفرنسية ترى أن زمور يهاجم
اليمينية مارلين لوبان ويقلص من شعبيتها لصالحه، ولا يستهدف اليسار الوسط الذي
يتمركز فيه ماكرون، فالشعارات التي تستعين بها لوبان في حملتها مثل استهداف الهجرة
ومحاولات تغيير هوية فرنسا الديموغرافية تشبه شعارات زمور لذلك لن يكون تأثيره
كبيراً على شعبية ماكرون.
وترجِّح كثير من استطلاعات الرأي التي أعدَّتها الصحف الفرنسية أن تبقى لوبان
الأوفر حظاً في إشغال المركز الثاني بعد ماكرون في جولة الإعادة في تكرار لنتائج
عام 2017م، لكن بعض المحللين يرون أن الانقسامات في صفوف اليمين يمكن أن تؤثر على
ذلك وتؤدي إلى صعود إريك زمور إلى المركز الثاني؛ وهذا الأمر قد يشكِّل تهديداً
لماكرون لكنه لن يحسم النتيجة. فحزب الجمهوريين المحافظ ما زال لم يحسم أمره بشأن
مرشحه للانتخابات المقبلة، فهرم القيادة لم يعد متماسكاً كما فعل في عهد الرئيس
الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي، وأبرز مرشحيه هو ميشيل بارنييه الذي شارك في ملف
المفاوضات بين الاتحاد الأوروبي وبريطانيا خلال رحلة خروج الأخيرة من الاتحاد لذلك
هو معروف في بريطانيا أكثر من نشاطه في فرنسا، بالإضافة إلى عضو الجمعية الوطنية
الفرنسية فاليري بيكريس، والناشط في التجمع من أجل الجمهورية كزافييه برتراند. لذلك
فإن اليمين الوسط إذا أراد مواجهة حاسمة مع ماكرون فأمامه حتى ديسمبر للتركيز على
مرشح واحد ولتجنب انهيار حملته الانتخابية. لذلك فإن مصدر القلق الوحيد الذي يهدد
بقاء ماكرون في السلطة هو أن خسارة مارلين لوبان للمركز الثاني وصعود بديل عنها قد
يدفع يسار الوسط للتصويت لصالحه، وهذا الأمر يشير إلى أن مصلحة ماكرون هي بقاء
لوبان في المركز الثاني.
يقول استطلاع رأي نشرته صحيفة لو فيجارو: إن ماكرون سيحصل على 25% من الأصوات في
الجولة الأولى بينما حصلت لوبان على 19% و 15% لبرتراند و 13% لإريك زمور.
يتبنى ماكرون مشروع محاربة ما يسمي بــ
«الانعزالية
الإسلامية»
في خطاب يوازي الخطاب اليميني لمحاولة حشد اليمين الوسط إلى جانبه، لكن الفخ الأكبر
الذي يواجهه هو الغضب الذي فجرته احتجاجات (السترات الصفراء) بشأن تردِّي الوضع
الاقتصادي بسبب فايروس كورونا، فالجماهير تعدُّ الاقتصاد هو اللاعب الأبرز في
العملية الانتخابية، أما مجموعة القيم والشعبية فهي تتمركز في دائرة تأثير غير حاسم
في نتائج الانتخابات، لذلك يُعَدُّ الاقتصاد العامل الأكثر تحدياً بالنسبة للرئيس
الفرنسي إيمانويل ماكرون.
نجح زمور في الحصول على نسبة كبيرة من جماهير مرشح الانتخابات الرئاسية في عام
2017م فرانسوا فيون، مرشح الجمهوريين من اليمين الوسط، وهو يسعى لاقتطاع مزيد من
الأصوات عبر استهداف الجبهة الوطنية التي تقودها مارلين لوبان، ومع ذلك فإن
استطلاعات الرأي تشير إلى عدم قدرته على تخطي لوبان. فزمور حصل على أصوات الناخبين
الأكبر سناً في استطلاعات الرأي لكنه لم يحقق سوى مستويات متدنية بين فئة الشباب
مقارنة بلوبان.
أما اليسار الفرنسي الذي يعد الحزب الاشتراكي أبرزَ ممثليه في الانتخابات الفرنسية؛
فإن نسبة مرشحيه في استطلاعات الرأي لا تزيد عن 8%، وهذا الأمر يؤكد أن تكرار
النتائج نفسها في الانتخابات المقبلة يشير إلى أن الجمهور الفرنسي يتجه نحو اليمين.
تركز الانتخابات الفرنسية على مسألة الهوية بصورة كبيرة أمام التحديات التي تواجهها
البلاد، فرحيل المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل عن زعامة ألمانيا سيساهم بصورة
كبيرة في زيادة الصدع الذي يعيشه الاتحاد الأوروبي، عقب محاولاتٍ قادتْها ميركل
لمنع الانفصال عنه، وكذلك تبنيها سياسة اقتصادية هدفها إنقاذ أعضائه من الإفلاس عقب
الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2009م، لذلك سيكون على الرئيس الفرنسي القادم أن
يكون أكثر فاعلية في الحفاظ على تماسك الاتحاد الأوروبي لا سيما عقب أزمة العلاقة
مع واشنطن بعد الانسحاب من أفغانستان ومستقبل حلف (الناتو)، وكذلك مستقبل العلاقة
بين روسيا وبروكسل والدور الأوروبي في المواجهة الأمريكية الصينية والعلاقات
الفرنسية الأسترالية التي تضررت في الآونة الأخيرة.
لذلك فإن (الخيانة) الأنجلوأمريكية في ملف الغواصات الأسترالية وغياب ميركل
بتأثيرها في الاتحاد الأوروبي قد يمنح ماكرون فرصة ذهبية لممارسة مغامراته غير
محسوبة العواقب، وهذا الأمر قد يفرض تحديات كبيرة على الولايات المتحدة؛ ففرنسا هي
أول من طرح فكرة تشكيل قوة أوروبية دفاعية والابتعاد عن حلف الناتو. لذلك يمكن
القول: إن الاتحاد الأوروبي يتجه إلى مرحلة طويلة من عدم اليقين والضعف إن لم يكن
الانحراف، فلن يكون السيد ماكرون أو أي مستشار ألماني جديد قادراً على إشغال الفراغ
الذي ملأته ميركل خلال الخمسة عشر عاماً الماضية في قيادة أوروبا.
هناك رؤية واضحة بشأن نية فرنسا استخدام الأدوات الاقتصادية الأوروبية في مواجهة
المنافَسَة الأمريكية الصينية، وهذا الأمر قد لا تتفق فيه فرنسا مع إيطاليا، لكن
يبقى الأمر مرهوناً بالمستشار الألماني المقبل، وقدرة ماكرون على هزيمة خصومه في
اليمين.