السلفيون  والسياسة

فنحن ندرك أن كل محاولات التغيير في العالم الإسلامي تجري في إطار سيادة ثقافة دنيويّة غربيّة فرضت نفسها عالمياً بكل خلفيّاتها وظلالها وانعكاساتها ومواقفها من الدين كلاً وتفصيلاً، ثقافة عَلمانيّة استبعدت الدين تماماً من فلسفة العلم ونظريّاته وقوانينه ومعالجاته،


أزالت ثورات الربيع العربي كثيراً من الحجب الكثيفة التي أحاطت بكثير من الأفكار والحركات الفاعلة سياسياً في مجتمعاتها، ومن أبرز تلك التيارات التي ظهرت بشكل جلي على واجهة الأحداث، التيار السلفي، الذي تبلور وجوده في المشهد السياسي في دول الربيع العربي بواسطة أحزاب سياسية تمتثل أيديولوجيته ورؤيته لمستقبل تلك الدول.

كان الظهور الأكبر للتيار السلفي في مصر عبر حزب النور الذي حصل على ما يقارب 25 في المائة من مقاعد البرلمان المصري، وحلّ ثانياً في أول انتخابات حرة يشهدها المجتمع المصري منذ عقود.

تلا الظهور السلفي في مصر ظهور أحزاب سياسية سلفية أخرى في كل من تونس واليمن حتى المغرب؛ ففي تونس منحت الحكومة في الآونة الأخيرة ترخيصاً لحزب ذي مرجعية سلفية أطلق عليه حزب «جبهة الإصلاح»، وهو أول حزب بهذه المرجعية يطلب خوض غمار السياسة في تونس.

كما أعلن عدد من الشخصيات اليمنية تتبنى المنهج السلفي، تأسيس حزب سياسي أطلقت عليه «اتحاد الرشاد اليمني».

وفي المغرب أعلن محمد الفزازي، وهو أحد رموز التيار السلفي، أنه يستعد لتأسيس حزب سياسي تكون مرجعيته إسلامية.

وفي حين يخشى كثير من الليبراليين دخول التيار السلفي اللعبة السياسية خوفاً من أطروحاته التي يرون أنها تمثل خطراً على قيمهم العَلمانية والليبرالية وتشكل تراجعاً عنها، فقد اعتبرت صحيفة الغارديان البريطانية أن السلفيين يشكلون خطراً على الثورة التونسية في ظل الأزمة الاقتصادية والمطلبية الاجتماعية التي أجَّجتها سياسات التفقير والتهميش السابقة؛ يرى كثير من المراقبين أن انضمام السلفيين وانخراطهم في العملية السياسية في مصر وتونس واليمن وغيرها، هو في حدّ ذاته علامة إيجابية، وفي هذا السياق لم يستبعد محمد القوماني، الأمين العام لحزب الإصلاح والتنمية التونسي والمتخصّص في الحركات الإسلامية، بعيد الإعلان عن حزب جبهة الإصلاح؛ أن يَقبل السلفيون في تونس باللعبة الديمقراطية مثلما قبل بها نظراؤهم في مصر.

وأشار إلى أن حركة الاتجاه الإسلامي سابقاً (حركة النهضة حالياً) لم تكن تقبل الديمقراطية مثلما أن جزءاً مهماً من السلفيين ما زالوا يعدونها «حراماً» أو «كفراً».

وهنا يبقى سؤال: أيهما أعظم تأثيراً على الآخر.. هل السياسة بأدواتها وآلياتها وأيديولوجياتها النابعة من الفكر الليبرالي العَلماني ستطبع السلفيين بطابعها، أم أن السلفيين هم من سيؤثرون في السياسة ليقودوها إلى نموذج إسلامي رصين؟

وأقول: إن التيارات السلفية ما دامت قد دخلت في المعترك السياسي فهي مدعوة بقوة لأن تقدّم للأمّة الإسلامية تأصيلاً لمشروع نهضوي كامل نابع في كل خطواته من منهج القرآن والسنة النبويّة؛ وأن تطور نظرية إسلامية سياسية بدلاً من النظرية الغربية المطبّقة في دول العالم كافة الآن، ليس فقط على الصعيد النظري، بل على صعيد الممارسة نفسها، فالأحزاب الإسلامية السلفية مدعوة لأن توجد غطاء من الأدلة الشرعية تبيّن فيه مستنداتها الشرعيّة الإسلاميّة في أيّ موقفٍ من مواقفها السياسيّة، فما دامت الأحزاب الإسلامية السلفية ارتضت لنفسها الوصف الإسلامي السلفي، فإنها تعني بذلك أن الإسلام يمثل مرجعها في أهدافها ورؤيتها وبرامجها وخطابها، حتى مواقفها السياسية المختلفة، ونحن إذ ندعو لذلك نشير إلى أن كلّ حركة أو تيار أو حزب دخل المجال السياسي فهو لا يقدم تجربة سياسيّة فقط، بل يقدم بالأساس تجربة إسلاميّة في المجال السياسي.

ومن شأن هذا التأصيل أن يخدم الأهداف التالية:

1- أنّه يُعطي القاعدة الشعبية والتنظيمية الموازين والمعايير التي تقيس بها مدى انسجام القيادة مع الخطّ الإسلاميّ الشرعي. وهنا تلعبُ القاعدة الشعبيّة والتنظيمية دور الناقد والمصوّب لمسار القيادة، ودور المثبّت لمواقفها كذلك. ويُمكن للقيادة هنا أن تتّكل على القاعدة الشعبيّة والتنظيمية الواعية لدعمها في أيّ مشروع من مشاريع الإصلاح التي قد يعرقلها بعضُ من «طال عليهم الأمد فقست قلوبهم» ممّن لا يقوون أو لا يريدون أن يواكبوا أيّ حركة تطوير في جسم التنظيم أو النظام. أضف إلى ذلك أنّ القواعد الشعبيّة التي تفهم منطلقات القيادة السياسية يُمكنها أن تشكّل هامشاً واقعيّاً للقيادة تستند إليه للتخلّص من أيّ ضغوط خارجيّة تدفع باتّجاه أخذ مواقف معيّنة قد لا تكون في مصلحة الاستراتيجية.

2- أنّ هذه المعرفة والثقافة تؤمّن الأرضيّة لاستمراريّة قيم التيارات السلفية عن طريق الإعداد العفوي والموجّه لمشاريع القادة القادرين على مواكبة المتغيّرات والتحدّيات من خلال الرؤية الإسلاميّة ومنهج الحركة، ما يُسهم في تقوية البنية الذاتيّة للحركة الإسلاميّة ككل عبر تحقيق التلاحم المستمرّ بين القيادة والقاعدة الجماهيريّة في الثقافة الحركيّة الإسلاميّة الموحّدة.

3- أنّ ذلك يؤسّس لثقافة مشتركة لدى القواعد الشعبيّة لكلّ الحركات الإسلاميّة تجاه ما يواجهها من تحدّيات، وكلّما ارتفع منسوب الوعي الجماهيري لقواعد السلوك والخطاب والمواقف السياسيّة، أصبحت تلك الجماهير أكثر تماسكاً وتآزراً؛ وكلّما انخفض منسوب الوعي لديها أصبحت أكثر عرضةً للإثارة العصبيّة والغرائزيّة وما إلى ذلك. ومن هنا؛ وجدنا أنّ الوعي الجماهيري نقيض كلّ الحكومات الجائرة والظالمة على مدى التاريخ، ولا يزال هو الذي يجري اللعب عليه عبر سياسات التجهيل والتسطيح الثقافي والفكري، خصوصاً عبر وسائل الإعلام التي تمتلك اليومَ فاعليّة تضاهي فاعليّة الجيوش الجرّارة[1].

فنحن ندرك أن كل محاولات التغيير في العالم الإسلامي تجري في إطار سيادة ثقافة دنيويّة غربيّة فرضت نفسها عالمياً بكل خلفيّاتها وظلالها وانعكاساتها ومواقفها من الدين كلاً وتفصيلاً، ثقافة عَلمانيّة استبعدت الدين تماماً من فلسفة العلم ونظريّاته وقوانينه ومعالجاته، وهذه الثقافة تحظى بتعميم وتكريس عالميّين، والغرب يرى أن سيادة هذه الثقافة واكتساحها لكل ما عداها شرطٌ ضروريٌّ ودعامة أساسيّة لما سمّاه «النظام العالميّ الجديد» الذي أقامه على «قواعد تفكير مشتركة» أفرزتها الحضارة الغربية المهيمنة الآن.

وفي تقديري، فإن أساليب الهيمنة الغربية مرت بثلاث مراحل: كانت المرحلة الأولى هي مرحلة العهود الاستعمارية الغربية، وكانت تأثيراتها متجلية على الصعيد العسكري أو المادي، إلى جانب محاولة التأثير في مجالات الهوية الثقافية بتفرعاتها التاريخية واللغوية، ومجالات الاقتصاد والاجتماع. ثم بعد الاستقلال من نير الاحتلال الغربي العسكري ظهرت الموجة الثانية من الاستعمار، وهو ما اصطلح على تسميته الغزو الفكري أو الثقافي تعبيراً عن تلك الحالة من التبعية الفكرية والثقافية للغرب رغم التخلص الظاهر من الوجود العسكري.

أعقب ذلك موجة ثالثة من الحرب على الإسلام، وهي حرب تستهدف تطويع الإسلام وقيمه ومفاهيمه بحيث يتلاءم ومفاهيم وقيم الحضارة الغربية. بدأت هذه الموجة بشكل جلي بعد وقوع هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، حيث أدارت النخبة السياسية ووسائل الإعلام الغربية بعدها حرباً متعددة المستويات والأهداف والوسائل. وإذا كان هدف هذه الحرب المعلن هو القضاء على (الإرهاب)، إلا أنها ومن الناحية الواقعية كانت حرباً مباشرة على الإسلام انصبت على محاولة التدخل في البنى العقدية والفكرية والقيمية، من أجل تغييرها وتطويعها للمفاهيم والأهداف الغربية.. وأشد تلك المحاولات في نظري محاولة تسخير الحركات الإسلامية نفسها بدعوى دمجها في الحياة السياسية، وإلحاقها بالأحزاب والمؤسسات الرسمية؛ لجعلها أداة في تطوير الإسلام وتحويره ليتقارب مع القيم الغربية الرأسمالية والديمقراطية والعلمانية أو اتخاذها ذريعة لإحكام السيطرة والهيمنة على بلاد المسلمين. وفي ظل هذه الأوضاع، وما أفرز فيها من تحولات فكرية ونفسية سممت الأجواء الفكرية والسياسي؛ أصبحت الأمة موجهة بحسب التوجيهات الغربية وهي تحسب أنها تجلب لنفسها الخير، فلنا أن نعلم أن الغرب عمل على تسكين الحركة الإسلامية وأحزابها داخل حدودها، وواجهها بمختلف الأشكال، وحاصر فكرتها، وحاول أن يجعل نطاق الحركات الإسلامية هو النطاق القطري، وضغط بكل وسائله لتصبح الأحزاب الإسلامية جزءاً من التيارات السياسية المتنافسة داخل إطار الدولة القومية القطرية.. وهكذا لم يعد المشكل فقط مشكل إعادة بناء الوحدة السياسية الجامعة، بل أيضاً مشكل إعادة الاعتبار للهوية الجامعة التي كانت أساساً الوحدة لسياسية الجامعة المذكورة.

لقد تعرّضت الحركات الإسلامية والسلفية في مركزها لضغط هائل داخلياً وخارجياً لإصدار مزيد من التراجعات والمراجعات الفكرية، وكلها تصب في صالح دمج الحركة الإسلامية في منظومة القيم الغربية؛ لتصبح القيم الإسلامية في النهاية لدى الحركات الإسلامية مجرد مرجعية فكرية هشة ليس لها أي تأثير في الواقع، وتبقى أحكام الإسلام وشرائعه وقيمه مجرد مظاهر تدينية تعبدية خاصة لا تخرج من هذا الحيز؛ لذلك فإن الأحزاب الإسلامية السلفية مدعوة لتطوير نظرية سياسية ومشروع نهضوي كامل، ومدعوة أيضاً لأن تحافظ على ثوابتها من تخلخلات السياسة، ومدعوة أيضاً لأن تضع الإطار السياسي في نسقه الصحيح.

وإذا كنا نطرح تلك الأفكار فإننا نهدف من وراء ذلك إلى ألا تنسى الأحزاب الإسلاميّة، خاصة السلفية منها، أهدافها التي قامت من أجلها بأن تقدّم تجربة إسلاميّة تأصّل فيها قدرة المبادئ الإسلامية على التطبيق في الواقع العملي، فقد كان من المنتظر أن تكون مرحلة غيبة الحركات الإسلامية عن الحراك السياسي فترة مراجعة ذاتية تؤول إلى منظور جديد للعلاقة السياسية من ناحيتي الفكر والممارسة، لكن أياً ما يكن من أمر فالذي نرنو إليه هو أن تمارس الأحزاب الإسلامية إسلاميتها تنظيراً وتأصيلاً وممارسة، وتسعى إلى تجذير الهوية الإسلامية بنظريّاته ومفاهيمه، بحيث يمثّل قاعدتَه في رؤيته وأهدافه وبرامجه، والخشية التي يراها البعض أن تنخرط الأحزاب السلفية في مراجعات سياسية، وتقتصر إسلامية النظم الحاكمة في دول الربيع العربي على ذوات الأشخاص وتبقى الأفكار والقيم الغربية هي الحاكمة.

:: مجلة البيان العدد 304 ذو الحجة 1433هـ، أكتوبر-نوفمبر 2012م.


[1] جعفر محمد حسين، الحركات الإسلاميّة،

 http://www.al-akhbar.com/node/35067.

 

 

أعلى