ربيع العراق..السُّنَّةُ ينتفضون والمالكي يترنح

لأول مرة منذ أن سقط العراق في يد الاحتلال الأمريكي الصليبي، يخرج مئات الآلاف من أهل السنة في مظاهرات حاشدة في معظم المحافظات ذات الأغلبية السنية،


لأول مرة منذ أن سقط العراق في يد الاحتلال الأمريكي الصليبي، يخرج مئات الآلاف من أهل السنة في مظاهرات حاشدة في معظم المحافظات ذات الأغلبية السنية، ليعلنوا عن هبة ضد الظلم والطغيان والاضطهاد الذي يتعرضون له على أيدي عصابات نوري المالكي الشيعي المذهب، المعروف بولائه لإيران، وليعلنوا مطالبهم بكل صراحة ووضوح، دون سابق إنذار أو مؤشرات لهذه الهبة الكبيرة، لاستعادة الحقوق وتصحيح المسار.

لقد تعرض المسلمون السنة في العراق للكثير من الظلم على أيدي الاحتلال الأمريكي ووكلائه من بعده، ذلك لأنهم رفضوا الاحتلال وأعلنوا الجهاد ضده، فتكالب عليهم المرتزقة من كل حدب وصوب، ووجهوا جميعاً سهامهم لأهل السنة، فاغتصبت نساؤهم، وشرد شبابهم، وقتل شيوخهم، وذبح أطفالهم، فاستشهد منهم مئات الآلاف، وامتلأت بهم السجون والمعتقلات، وقصفت مدنهم، ودكت بيوتهم، وما أحداث الفلوجة والرمادي والأنبار وصلاح الدين وغيرها عنا ببعيد.

ولقد سعى الاحتلال خلال وجوده إلى إعادة تشكيل العراق من جديد، ليجعل من حلفائه الشيعة أصحاب الكلمة الأولى والأخيرة في البلاد، فكان دستور «بريمر»، الذي جعل النظام السياسي في البلاد قائماً على المحاصصة الطائفية، والذي وافق عليه بعض القادة السياسيين السنة، وعلى رأسهم طارق الهاشمي والحزب الإسلامي الذي كان يمثله، وغيره، وهو ذات الدستور الذي مكن نوري المالكي وأمثاله من رقاب أهل السنة، وكانت حجتهم وقتئذ أنه يمكن تعديله بعد الموافقة عليه، لكن كيف يتم هذا وأي تعديل فيه سيحتاج إلى موافقة 70 في المائة من الشعب، وبشرط عدم اعتراض ثلاث محافظات، ما يعني استحالة تعديله حتى بعد مائة عام، إلا أن تتغير التركيبة السكانية بالكامل؟

لجأ الاحتلال الأمريكي وحلفاؤه الشيعة إلى مطاردة الرموز السنية المجاهدة التي لم تقبل أن تشارك في هذه العملية السياسية الهزلية، وفقاً للقواعد التي وضعها الاحتلال لتحقيق أهدافه، وكان على رأس المطارَدين رئيس الوقف السني الدكتور عدنان الدليمي، والشيخ حارث الضاري الأمين العام لهيئة علماء المسلمين في العراق، الذي كان يرى أن هذا الدستور يمثل لغماً لتفجير الوضع العراقي، ويمهد لتقسيم العراق إلى دويلات متناحرة بما يصب في النهاية لخدمة الاحتلال وأعوانه في المنطقة، ولم يستمع ساسة السنة في العراق إلى نداءات ذلك الشيخ، بل صمتوا على مطاردته وإخوانه، وربما كانوا راغبين في ذلك.

صار أهل السنة في العراق بين فكي كماشة، فساستهم لا يهتمون لأمرهم، فرغم أنه صار منهم وزراء وكبار مسؤولين، وعلى رأسهم طارق الهاشمي نائب الرئيس السابق، وصالح المطلك نائب رئيس الوزراء، وأسامة النجيفي رئيس الوزراء العراقي؛ إلا أن السجون ظلت تعج بعشرات الألوف من أهل السنة، تنتهك فيها الحرمات وتغتصب فيها الحرائر، دون أن يحرك أحد من هؤلاء ساكناً، كما تركوا الشيعة يسيطرون على جميع المناصب القيادية في الدولة وإقصاء ممثلي السنة عن أهم وأفضل المناصب القيادية في الدولة، وفي أهم مؤسساتها من الجيش والشرطة والوزارات المختلفة، فعلى سبيل المثال هناك 24 مديراً عاماً في وزارة التعليم العالي، واحد منهم فقط سني، ويتكون الجيش من 16 فرقة لا يوجد من بين قادة هذه الفرق سني واحد.

ما إن انقضت أهمية هؤلاء الساسة لدى نوري المالكي، حتى سارع في تلفيق قضية لهم، وبدأ بطارق الهاشمي، عندما طالب أهل السنة بإقامة أول إقليم لهم في محافظة صلاح الدين، حسبما ينص الدستور، ثم تلتها الأنبار والموصل ثم ديالى، وطورد طارق الهاشمي، ثم حكم عليه بالإعدام، وتخلى حلفاؤه عنه، وبعد عام أعاد المالكي الكرة من جديد، واعتقل عناصر حماية رافع العيساوي وزير المالية السني، بنفس التهم التي وجهت للهاشمي من قبل.

خلال كل تلك الفترة، كان الشارع السني يتلقى الضربات في سكون، بعدما نجح الاحتلال الأمريكي وحلفاؤه الشيعة مع بعض الخونة في توجيه ضربات قوية للمقاومة، وبشكل خاص بعد تشكيل ما يسمى «الصحوات» التي أثرت بشكل كبير في قدرات المقاومة، وعندما خرج الاحتلال الأمريكي، التزم الشارع السني السكون، إلا أنه فجأة وبعيداً عن كل التوقعات، ثارت ثائرته، واندلعت التظاهرات في المظاهرات السنية، وعادت الحياة إلى الفلوجة، فانتفضت برجالها، وانتفضت نينوى والرمادي والأنبار وصلاح الدين، وخرج مئات الآلاف من السنة في مظاهرات مستمرة يومياً، وقام بعضهم بالاعتصام.

هذا الحراك السني الكبير في العراق اليوم يشكل مأزقاً كبيراً لنوري المالكي وعصابته، فالرجل نجح بامتياز في خلق المزيد من العداوات له، فمن ناحية خلق أزمة مع إقليم كردستان العراق، وأصبحت العلاقة بينهما متوترة، وينتظر قادة الإقليم الفرصة لسحب الثقة منه والإطاحة به من منصبه، ومن ناحية أخرى اصطنع أزمة مع تركيا، وصار يناكف رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان، ويسعى إلى تحقيق نوع من الضغط عليه عبر فتح خطوط تواصل مع المعارضة التركية، إضافة إلى ترنح النظام السوري، وقرب سقوطه، وتصاعد الأزمة الاقتصادية في حليفته الرئيسية إيران، بسبب العقوبات الدولية المفروضة عليها.

وإن تلك الأزمة التي يعيشها المالكي ستدفعه إلى محاولة إفشال الربيع العراقي مبكراً، وإفساد ذلك الحراك وإجهاض الانتفاضة السنية بأي شكل من الأشكال، وقد بدأ المالكي بتهديد أئمة المساجد وبعض مجالس المحافظات السنية الداعمين والداعين لهذه التظاهرات، ثم بدأ بتشويه التظاهرات، وإلقاء التهم عليها جزافاً، ثم تهديد المتظاهرين بالعنف وإطلاق النار عليهم بشكل محدود نسبياً في بعض المناطق، لكنه لم ينجح في ذلك حتى الآن.

أمام المالكي اليوم خياران لإجهاض تلك الانتفاضة السنية، أولها هو سبيل القوة، ويبدأ بتخوين المتظاهرين، ومحاولة تصوير الأمر على أنه ثورة طائفية، وربما يقوم ببعض التفجيرات في المناطق الشيعية، تتبعها حملة أمنية كبيرة على المتظاهرين والمعتصمين، مراهناً على رد فعلهم، فإما أنهم سينفضّون وتنتهي الأزمة، أو أنهم سيلجأون إلى الدفاع عن أنفسهم بصد العنف وحمل السلاح، وبهذا سيصورهم على أنهم إرهابيون مجرمون يريدون إسقاط الدولة، وغير ذلك من الشعارات الكاذبة التي يبرع في استخدامها.

أما الخيار الثاني فهو استخدام الأساليب الناعمة في تفريق المتظاهرين، وذلك من خلال بعض الساسة المشبوهين الذين لا يعرفون سوى مصالحهم الشخصية، أو أن يرسل إليهم من يظنونه منهم، فيخالف مطالبهم الواضحة التي يتحرج المالكي من إنكارها، ويطالب بأخرى ذات صبغة طائفية واضحة، أو تثير الفرقة فيما بينهم، أو أن يعلن قبول بعض المطالب دون بعض، مستهدفاً بذلك استمالة بعض المتظاهرين إليه وتخليهم عن الحراك الحالي، فإذا ما انتهت الأزمة تنكر للجميع، وهيهات أن يستعيدوا ذلك الحراك مرة أخرى.

إن أمام سنة العراق تحديات عظيمة لاستمرار ذلك الحراك الكبير، يأتي على رأسها ضرورة عدم تسليم قيادة تلك الجموع إلى أي قيادة سياسية ممن شاركت في العملية السياسية على مدار الفترة الماضي، فهذا الحراك هو حراك شعبي بامتياز، لا تحركه مجموعة الساسة الذين كانوا شركاء فيما وصل إليه حال سنة العراق، وليس سببه، كما يروج بعضهم، هو ما تعرض له وزير المالية «رافع العيساوي»، بل كان ذلك فقط نقطة الانطلاق وليس السبب، ولهذا يجب أن يبعد أمثال هؤلاء عن المشهد الثوري تماماً، ولقد جربهم أهل السنة على مدار سنوات ولم يحققوا لهم أي إنجاز.

كذلك ينبغي على المتظاهرين الحذر بشدة من جميع الفصائل السياسية في العراق، وبشكل خاص التيار الصدري، فهو يلعب دوراً مشبوهاً في العملية السياسية في العراق، ولا يمكن الجزم بأنه مع هذا أو ذاك، لكنه في كل أزمة يتظاهر بالوقوف في وجه المالكي ويتحالف مع الطرف الآخر، ثم فجأة يتراجع ويترك ذلك الطرف وحيداً، وقد حدث ذلك في أكثر من موقف، منها موقفه من مطالب القائمة العراقية وقتما ثارت أزمة الهاشمي وإعلانه دعم مطالبهم وحق السنة في إقامة الأقاليم ثم تراجعه بعد ذلك، تلا ذلك تحالفه مع الأكراد العام المنقضي لسحب الثقة من نوري المالكي ثم تراجعه؛ فالصدر يريد أن يصور نفسه اليوم على أنه إحدى أضلاع هذا الربيع العراقي، والخشية كل الخشية أن يكون سبباً في إفساد هذا الحراك.

إن استمرار هذا الحراك الثوري يتطلب صد ألاعيب نوري المالكي في جر الثوار إلى العنف، من خلال استفزازهم بتصرفاته المعروفة، فبقاء هذا الحراك الثوري سلمياً قدر الإمكان هو أكثر ما يهدد حصون المالكي، ويؤدي إلى تفكك تحالفاته السياسية، ويمنعه من فرصة التذرع بضرورة مواجهة المتظاهرين حفاظاً على أمن البلاد، أما إن لجأ هو إلى العنف على نطاق واسع، فها هنا يجب التصدي له ولعصاباته.

وعلى أهل السنة في العراق أن يصمدوا حتى تحقيق أهدافهم، وعلى رأسها رحيل نوري المالكي نهائياً، وعليهم ألا يتفاوضوا على هذا المطلب أياً كانت الظروف، وأن يهددوا بتصعيد الأمور تدريجياً، وألا يكشفوا أوراقهم مرة واحدة؛ حتى لا يفسد حراكهم ويتراجعوا بعد ذلك، فإنهم إن تراجعوا اليوم دون تحقيق الأهداف الرئيسية، فلن يكون لهذا الحراك أي معنى أو نتيجة إيجابية، بل سيكون فرصة للمالكي وعصاباته لمعرفة القيادات أو الهيئات أو الجماعات المؤثرة في أهل السنة وتصفيتها تماماً، حتى لا يقوموا بأي حراك مستقبلي.

وأخيراً، لقد حان الوقت لعودة قادة أهل السنة ورموزهم الحقيقيين ليقوموا بدورهم في استعادة الحقوق المنهوبة ورفع الظلم والاضطهاد، فعلى المتظاهرين أن يجعلوا من ضمن أهدافهم عودة الشيخ حارث الضاري والدكتور عدنان الدليمي، وغيرهما من أهل الفضل والسبق والجهاد.

:: مجلة البيان العدد 308 ربيع الآخر 1434هـ، مارس 2013م.

 

أعلى